بلومبيرج| هل تتحول جائحة كورونا إلى مرض متوطن في عام 2022؟

ترجمة – شهاب ممدوح

بعد عامين من الموت والمرض، يتحوّر فيروس كوفيد من جديد. يتفشى متحور أوميكرون بوتيرة أسرع من أي متحور سابق، لكنّه أقل ضررًا من سابقيه. هناك حديث متزايد بأن هذه الجائحة، التي تعد الأسوأ في هذا القرن، ربما تتحول عما قريب إلى مرض متوطن. 

طرحت إسبانيا تلك الفكرة هذا الأسبوع، عندما صرّح رئيس وزرائها “بيدرو سانشيز” أن الوقت قد حان للتفكير بشأن طرق جديدة للتعايش مع كوفيد على المدى الطويل، مثلما يفعل العالم مع الأنفلونزا. أدلت دول أخرى بدلوها في هذا الأمر، قائلة إنها ربما تنتقل إلى صفحة جديدة فيما يتعلق بهذا المرض. 

لكن خبراء الصحة يدعون لتوخي الحذر، قائلين إن هناك حالة عدم يقين كبيرة بشأن طريق تطوّر الفيروس، ومدى حجم المناعة التي بناها المجتمع، والضرر الذي قد يحدث في حال تخلينا عن حذرننا.

إنه أمر حتمي أن الحكومات ستحتاج في النهاية للنظر إلى كوفيد باعتباره واحدًا من العديد من التحديات الصحية التي يمكن إدارتها – عوضًا عن كونه مرضًا يتطلب الإلحاح والتركيز اللذين شاهدناهما منذ مطلع عام 2020.

إن الرغبة الجامحة في فرض عمليات إغلاق مضرّة بالاقتصاد باتت من الماضي، كما تحمي اللقاحات شرائح كبيرة من السكان، وهناك أمل بأن متحور أوميكرون، بانتشاره السريع وضرره الصحي الأقل، يمهّد الطريق بسرعة لانتهاء الجائحة.

تقول “ناديا كالفينو” نائبة رئيس الوزراء الإسباني لوكالة “بلومبيرغ” “نحن ربما بدأنا نعيش مرحلة انتقالية يصبح فيها الفيروس مرضًا متوطنًا، وهذا لا يعني أن نتخلى عن حذرنا الشديد” مضيفة “لكن هذا يشير إلى أنه ينبغي لنا اتخاذ إجراءات مختلفة للغاية عن تلك التي اتخذناها قبل عامين”.

ليست الحكومات وحدها هي التي تأمل في أن يكون عام 2022 هو العام الذي يتحول فيها كوفيد19 أخيرًا إلى مسألة ثانوية في النقاش العام. لقد أصبح المجتمع مرهقًا ويحاول يائسًا الهرب، كما زادت في الأسابيع الأخيرة أيضًا عمليات البحث في الإنترنت عن عبارة “مرض متوطن”.

إن المرض المتوطن يعني أن المرض لا يزال ينتشر، لكن بوتيرة أقل وأكثر قابلية للتنبؤ، فضلًا عن تراجع أعداد الناس الذين يتم إدخالهم المستشفيات.

يعني هذا المصطلح أحيانًا أن مرضًا ما أصبح مقتصرًا على منطقة بعينها، لكن هذا لا ينطبق بالضرورة على كوفيد، تمامًا مثلما تتفشى الأنفلونزا بشكل منتظم في جميع أنحاء العالم. يمكن للأنماط الموسمية أن تحدث أيضًا، مع ارتفاع أعداد الحالات في الشتاء، بالإضافة إلى تفشي المرض على نطاق محلي فوق المستوى المتوقع.

على أقل تقدير، ثمة أسباب للأمل بأن قبضة الجائحة بدأت في الارتخاء. فالعالم أصبحت لديه أدوات أكثر من ذي قبل، بداية من اختبارات سريعة وصولًا إلى القدرة على تحديث وإنتاج لقاحات على نطاق واسع، فضلًا عن ارتفاع مستويات المناعة بفضل التطعيمات ونوبات التفشّي الأولى لكوفيد. بالرغم من أن الأجسام المضادة قد تتضاءل، أو حتى تفشل في منع الإصابة بمتحورات جديدة، إلا أن السلاح الرئيسي الآخر للنظام المناعي-الخلايا التائية T cells- يبدو أنها قوية بما يكفي لمنع الإصابة بمرض خطير.

في غضون هذا، تشير دراسات عديدة إلى أن متحور أوميكرون أقل خطرًا من متحورات سابقة. وبعيدًا عن هذا، يبدو أن هذا المتحور بدأ يتراجع في بعض المناطق. فمعدلات الإصابة الجديدة في جنوب إفريقيا تنخفض بعد ارتفاع في شهر ديسمبر، بينما تنحسر عمليات إدخال المرضى للمستشفيات في المملكة المتحدة. يقول “نوبار أفيان” المؤسس المشارك لشركة “موديرنا”: إن مثل هذه الأدلة “مشجعة نوعًا ما، لكن يجب علينا أن نبقى متيقظين”.

ويقول “نوبار” إن شركته المصنّعة للقاح تستعد لإنتاج جرعة تعزيزية مخصصة لمكافحة أوميكرون، يمكن أن تدخل مرحلة التجارب في غضون أسابيع. ويضيف “نوبار” أن الوصول لمرحلة المرض المتوطن ممكن هذا العام، لكن لا تزال هناك “حالة عدم يقين”.

لكن منظمة الصحة العالمية، تدعو لتوخي الحذر. بالرغم من حملة التطعيم العالمية – التي جرى خلالها حتى الآن إعطاء ما يقارب 10 مليار جرعة – إلا أنه لا تزال هناك ثغرات هائلة. إذ إن أكثر من 85 بالمائة من سكان إفريقيا لم يحصلوا على أي جرعة، كما أن 36 بلدًا عضوًا في منظمة الصحة العالمية لم يتمكنوا من تطعيم 10 بالمائة من سكانهم. 

وبات الأمر يمثل مشكلة – لكن بدرجة أقل – في بعض الدول المتطورة. ففي ألمانيا لم يتم تطعيم 3 ملايين مواطن ممن هم فوق الستين عامًا تطعيمًا كاملًا، وفي معظم الحالات، يرفض هؤلاء التطعيم بقرار شخصي منهم.

وصرّح وزير الصحة الالماني “كارل لاوتير باخ” يوم الجمعة، بأن التفشي غير المُسيطر عليه لكوفيد سيؤدي بالتالي لحالات وفاة عديدة يمكن تجنبها، كما أن متحور دلتا الأكثر خطورة قد يعود بقوة مجددًا، أو ربما يتّحد مع متحور أوميكرون ليكوّنا متحورًا هجينًا جديدًا.

تقول “كاثرين سمول وود”، مسؤولة الطواري في منظمة الصحة العالمية بأوربا “لا يزال لدينا فيروس يتحوّر بسرعة كبيرة”، مضيفة “ربما يصبح الفيروس مرضًا متوطنًا في الوقت المناسب، لكن حدوث هذا في عام 2022 ربما يكون أمرًا صعبًا قليلًا في المرحلة الحالية”.

حتى من دون إعلان رسمي يتم فيه التقليل من مستوى حالة الطوارئ الصحية، إلا أن الحكومات ربما تبدأ قريبًا التصرف كما لو كان هذا هو الحال بالفعل. وبالرغم من أن سياسة “صفر كوفيد” الصينية هي حالة شاذة، إلا أن معظم البلدان باتت حريصة الآن على التراجع عن فرض إجراءات تدخّلية، مُتذرعة بأن معدلات الضحايا أصبحت أقل مقارنة مع الموجات السابقة.

ومع تراجع الحكومات عن إجراءاتها الصارمة، سيتحوّل العبء بصورة متزايد إلى الأفراد، وذلك عبر اختبارات ذاتية وارتداء الكمامات ودعوات تطالب المواطنين بالحدّ بشكل طوعي من التفاعلات الاجتماعية.

إن المملكة المتحدة، التي لطالما تبنت نهجًا مرنًا تجاه فرض قيود، هي من بين الدول التي تسير في هذا الاتجاه. انضمت إنجلترا في هذا الأسبوع إلى دول أخرى، وقررت تقليل فترة العزل الذاتي لكوفيد إلى خمسة أيام. يشيد “ديفيد هايمان”، أستاذ وبائيات الأمراض المعدية في كلية لندن لعلم الصحة والطب المداري، بنموذج المملكة المتحدة في التعايش مع الفيروس، لكنه لفت إلى أنه ليس هناك إطار زمني واحد للجميع، لأن البلاد تتحرك بسرعات مختلفة للغاية.

ويضيف قائلًا: “لا يمكننا التنبؤ بمكان تفشي المتحورات، ولا يمكننا التنبؤ بمدى شدّتها أو قدرتها على الانتقال”، واختتم قائلا: “ربما يكون أمامنا بالتأكيد طريق وعر.. لكننا حقًّا لا نعرف”.  

للاطلاع على المقال الأصلي إضغط هنا

ربما يعجبك أيضا