ذا استراتجيست| الحكومة الألمانية تصعّد دور برلين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ

ترجمة – شهاب ممدوح

بعد 16 عامًا من قيادة أنجيلا ميركل، وسباق انتخابي متقارب أعقبته مفاوضات استمرت شهرين لتشكيل تحالف حاكم في ألمانيا، عاد الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى السلطة مع تولي “أولاف شولتز” منصب المستشار. تحالف الحزب الاشتراكي الديمقراطي مع حزب الخُضر والحزب الديمقراطي الحر، مُشكلين تحالفًا أُطلق عليه (تحالف إشارة المرور) – وهو أول ائتلاف حكومي مكوّن من ثلاثة أحزاب في تاريخ الجمهورية الاتحادية.

من المتوقع على نطاق واسع أن يواصل المستشار الجديد سياسة ميركل، لكن الخطط السياسية للحكومة الائتلافية للسنوات الأربع المقبلة تشير إلى تغييرات في نهج ألمانيا إزاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

منذ انتخابات سبتمبر، صدر إعلانان مهمان فيما يتعلق بمستقبل نشاط ألمانيا في هذه المنطقة. صرّح قائد البحرية الألمانية “كاي أخيم شونباخ” في شهر نوفمبر أنه سيرسل سفنًا إلى المحيطين الهندي والهادئ كل عامين بهدف زيادة التعاون مع اليابان وأستراليا والولايات المتحدة، وأنه سيدعو للسلام وحرية الملاحة والحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد في بحر الصين الجنوبي، وأتى هذا الإعلان أثناء زيارة إلى طوكيو أجرتها الفرقاطة الألمانية “بايرن” ضمن رحلة لها في المنطقة تستمر سبعة أشهر.

سيشارك سلاح الجو الألماني في سبتمبر في تدريبات عسكرية متعددة الأطراف باسم “بيتش بلاك” يستضيفها سلاح الجو الأسترالي الملكي والتي من المقرر عقدها في شمال أستراليا. تخطط ألمانيا لإرسال ست طائرات من طراز “يورو فايتر”، وثلاث طائرات تزوّد بالوقود، وثلاث طائرات نقل، وهو ما يعدُّ تصعيدًا لدورها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وبالرغم من أن خطط إرسال طائرات وسفن تم وضعها أثناء ولاية ميركل، إلا أن الائتلاف الحكومي الجديد أشار إلى رغبته زيادة حضور ألمانيا في منطقة الهندي-الهادئ. ولو التزمت حكومة “شولتز” بوعدها، فمن المرجح أن تنخرط ألمانيا في هذا الأمر بمزيد من الثقة والجرأة والاهتمام بهدف تكثيف التعاون مع دول إقليمية.

يهدف اتفاق التحالف الحكومي لتعزيز التعاون تجاه قضايا مثل التعددية والديمقراطية وحماية المناخ والتجارة والرقمنة، وتوسيع التعاون بين الاتحاد الأوربي ورابطة بلدان جنوب شرق آسيا “آسيان”. ويسعى هذا الاتفاق تحديدًا لزيادة التعاون على عدة مستويات مع أستراليا ونيوزيلاندا واليابان وكوريا الجنوبية باعتبارهم شركاء يستندون إلى القيم.

كما يسعى هذا الاتفاق الحكومي أيضًا لشراكة استراتيجية أقوى مع الهند، وينص الاتفاق على أن ألمانيا ترغب في معالجة آثار التغير المناخي و”الوقوف إلى جانب الأطراف المتأثرة بارتفاع مستويات مياه البحر”.

ولو أخذنا هذا الاتفاق الحكومي على ظاهره، فسنجد أن علاقة برلين مع بكين ربما تكون أكثر صرامة مقارنة مع ما انتهجته الحكومات الألمانية السابقة.

يضع الاتفاق الحكومي سياسة خاصة بالصين قائمة على القيم من دون الخشية من انتقاد شؤون الصين الداخلية وأوضاعها الجيوسياسية، ويعارض الاتفاق الحكومي سياسة “الصين الواحدة” ويدعم بقوة ضمّ تايوان الديمقراطية إلى منظمات دولية. ويدعم الائتلاف الحكومي الجديد بقوة دعوات أن تكون جميع التغييرات على الوضع القائم في مضيق تايوان سلمية وقائمة على اتفاق متبادل. ترغب الحكومة الجديدة في عودة الصين إلى مبدأ “بلد واحد ونظامان” فيما يتعلق بهونغ كونغ، كما تخطط للتصدّي لانتهاكات حقوق الإنسان في إقليم “شينغ يانغ” بحق أقلّيتي الإيغور والكازاخ.

يتناقض هذا النهج إزاء الصين مع اتفاق الائتلاف الحكومي في بداية ولاية ميركل الأخيرة عام 2018. اختار ذلك الاتفاق الحكومي حينها عدم التصدّي لانتهاكات الصين الحقوقية بالتفصيل، واكتفى بالتطرق بشكل مقتضب إلى أهميتها الجيوسياسية المتنامية. لقد فضّل اتفاق الائتلاف الحكومي لعام 2018 التجارة والاستثمار لتحقيق فائدة اقتصادية لألمانيا. اعتُبر موقف ميركل تجاه الصين في بعض الأوقات بأنه ليّن للغاية، وبدت المستشارة السابقة مترددة في إطلاق تصريحات تدين بكين.

استخدم اتفاق الائتلاف الحكومي لعام 2021 بشكل متكرر عبارة “الهندي والهادئ”، والتي لم تُذكر في اتفاق عام 2018، إذ تتبنى ألمانيا الآن مصطلحات جديدة تؤيدها الهند وأستراليا والولايات المتحدة.

ثمة إشارات على أن حكومة “شولتز” لن تخجل من مواجهة بكين. وبينما أشارت بعض وسائل الإعلام إلى أن الاتفاق الحكومي يلمح إلى إجراء “قطيعة مع الصين”، بيد أن صحيفة “غلوبال تايمز”، وهي بوق دعائي للحكومة الصينية، قلّلت من أهمية التأثير المحتمل على العلاقات. وذكرت الصحيفة أن “مشهد التعاون بين الصين وألمانيا لن يتغير، لأن حزب “شولتز” لطالما أيّد الحوار مع الصين”. حذر “زاو ليجيان”، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، ألمانيا من أن قضايا مثل إقليم “شينغ يانغ” و”هونغ كونغ” و”تايوان” “جميعها شؤون داخلية صينية”.

وبالرغم من أن “شولتز” لم يكن مُنتقدًا صريحًا لبكين، إلا أن وزيرة الخارجية الألمانية الجديدة “أنالينا بيربوك” أطلقت تصريحات قوية ناقدة للصين. وصفت “بيربوك”، التي كانت مرشحة حزب الخُضر لمنصب المستشار، مبادرة “الحزام والطريق” الصينية بأنها “سياسات قوة فاضحة”، داعية لفرض حظر على منتجات قادمة من إقليم “شينغ يانغ”، مضيفة أن أوروبا عليها أن تتأكد من أن “منتجات العمل القسري لا تأتي إلى أسواقنا”. منذ توليها منصب وزيرة الخارجية في الثامن من ديسمبر، انتقدت “بيربوك” الأساليب السابقة للدبلوماسية الألمانية، قائلة إن “الصمت البليغ ليس شكلًا من أشكال الدبلوماسية على المدى الطويل، حتى لو كان يُنظر إليه بهذه الطريقة من قِبل البعض في السنوات الاخيرة”. وتهدف الوزيرة لتأسيس علاقة تحرّكها القيم مع الصين وقائمة على “الحوار والصرامة”.

أجرت “بيربوك” في هذا الأسبوع أول زيارة رسمية لها إلى الولايات المتحدة، والتقت مع وزير الخارجية “أنطوني بلينكن”. وشدّدت الوزيرة على أهمية العلاقات الألمانية – الأمريكية، قائلة إن أوربوا “ليس لديها شريك أقوى من الولايات المتحدة”.

ومن غير الواضح بعد كيف ستنعكس سياسات ألمانيا في السنوات الأربع المقبلة إزاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ على الأهداف الموضوعة في اتفاق الائتلاف الحكومي؛ فلو استطاع الحزب الاشتراكي الديمقراطي التابع لـ “شولتز” الحُكم بمفرده، فربما يواصل سياسة ميركل في المنطقة، كما أن هناك عاملًا حاسمًا آخر يتمثل في حجم المساحة التي سيمنحها “شولتز” إلى “بيربوك” لتنفيذ سياساتها، ولو استطاعت التحرك بحرية في دورها، فإنه ينبغي لبكين أن تتوقع سنوات عصيبة مقبلة مع برلين.          

للاطلاع على الرابط الأصلي .. اضغط هنا

ربما يعجبك أيضا