وسط مخاوف من هشاشة الصين.. لماذا غاب «رجل اللحظة» عن دافوس؟

رنا أسامة

زعيم الصين شي جين بينج مُتهم الآن بتدمير الاقتصاد العالمي باستراتيجيته الكارثية "صفر كوفيد".


في غضون 5 أعوام، تحوّل النقاش في منتدى دافوس من الحديث عن هيمنة الصين وصعودها “الذي لا يُقهر”، إلى القلق والحذر بشأن هشاشتها وتراجع نفوذها.

وفي هذا الصدد، قالت مجلة بوليتيكو الأمريكية في تقرير نشرته عبر موقعها الإلكتروني يوم 24 مايو 2022، إن الرئيس الصيني، شي جين بينج، عندما اعتلى مِنصة التتويج بالمنتدى الاقتصادي العالمي لأول مرة بالمدينة السويسرية في العام 2017، كان رجل اللحظة.

الصين بين دافوس 2017 و2022.. ماذا تغير؟

رسم شي خطة لعب اقتصادية قوية للصين خلال منتدى دافوس عام 2017، وذلك قبل 3 أيام فقط من تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة حينها، متعهدًا باتباع نهج “أمريكا أولًا” الانعزالي، وأبرز في خطابه احتضان الصين المُفترض لنموذج العولمة متعدد الأطراف.

وقال الرئيس الصيني وقتذاك: “لا ينبغي لأحد أن يختار قواعد بعينها ويُثني أخرى على هواه”، الأمر الذي قوبل باستحسان من أثرياء وذوي نفوذ فائق، كانوا يعرفون بالضبط القواعد التي كان يقصدها في خطابه ولم يذكرها. وأما في دافوس 2022، فإن شي الذي لم يُغادر الصين منذ اندلاع جائحة فيروس كورونا قبل عامين ونصف العام، لم يُشارك حتى افتراضيًّا.

غياب ينذر بسوء

بحسب بوليتيكو، فإن غياب شي عن منتدى دافوس هذا العام مثّل أمرًا مقلقًا يُنذر بسوء، طغى على نقاشات ممثلي شركات عملاقة وصانعي سياسات حاضرين، التي تحوّلت من تقييمات حذِرة لقوة الصين إلى ذُعر واسع النطاق بشأن هشاشتها، لا سيّما مع مواصلتها اتباع استراتيجية “صفر كوفيد” التي تثير حفيظة شركات غربية.

وتُقدّر وحدة المعلومات الاقتصادية البريطانية أن الإغلاق الذي تفرضه الصين يقضم 6% سنويًّا من الناتج الاقتصادي لشنجهاي، ما يُغرق المدينة الساحلية الصينية الرائدة في ركود، ويُعيق بكين عن بلوغ الناتج المحلي الإجمالي المُستهدف.

وهذا الأمر عدّه الملياردير الأمريكي، جورج سوروس، “أسوأ أخطاء شي” قائلًا: “كان للإغلاق عواقب وخيمة، دفع الاقتصاد الصيني للسقوط الحر، لن ينتهي ذلك حتى يُغيّر شي مساره، وهو أمر لن يحدث لأنه لا يستطيع الإقرار بخطأ”.

حرب بوتين وحضور بكين

blank

بخلاف كورونا، ثمة أسباب أخرى تدفع لتراجع الصين على المسرح العالمي هذا العام، لعل أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية. وقالت بوليتيكو إن بكين تعرف جيدًا أنها لم تعد تحظى بالحضور نفسه بسبب موقفها من حرب بوتين. وأشارت إلى أن أجواء حرب وسلام غير عادية خيّمت على دافوس هذا العام، بخطاب رئيس من الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي.

ونظرًا لموقف بكين الممثل في “الحياد المؤيد لروسيا”، لم يعد شي ضيفًا مُرحّبًا به في دافوس، بدلًا من ذلك رأس الوفد الرسمي الصيني المُشارك شخصية غير سياسية، مبعوث المناخ، زي زينهوا، برسالة مُفادها: لنُنحي الخلافات بشأن كورونا والأمن جانبًا، ونركز على القضية الوحيدة التي يهتم الغرب حقًا ببحثها مع الصين.

ويرى سوروس أن الرئيسين الروسي والصيني يتحدان في التشبّث بعناد بأخطائهما، بما في ذلك الحكم بالترهيب، لذا يقعان في فخ أخطاء مُحيرة للعقل.

مؤشرات وخيمة

blank

ذكرت بوليتيكو أن المؤشرات الاقتصادية من الصين وخيمة، لذا تحوّل انزعاج الغرب من فائض الإنتاج الصيني المدعوم لكل شيء تقريبًا من الألعاب البلاستيكية للفولاذ، إلى القلق من أن سلاسل التوريد باتت مُمزّقة و”مصنع العالم” خارجها. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الصين أسوأ أداء اقتصادي لها منذ عامين، مع تسجيل أدنى مستوى استهلاك ونسبة بطالة قريبة من المعدّل القياسي.

وفي مؤتمر عبر الفيديو مع 100 ألف مسؤول محلي يوم 25 مايو الحالي، رسم رئيس الوزراء الصيني، لي كه تشيانج، صورة قاتمة لاقتصاد بلاده الذي تقوّضه قيود مكافحة كوفيد، قائلًا إنه يمرّ بلحظة حساسة في مواجهة صعوبات أكبر من تلك التي شهدها عام 2020″.

وأضاف: “منذ مارس الماضي، سجّلت المؤشرات الاقتصادية المرتبطة بالتوظيف والإنتاج الصناعي، واستهلاك الكهرباء، ونقل البضائع، تراجعًا ملحوظًا”، داعيًا لاغتنام الفرصة لإعادة الاقتصاد للمسار الصحيح.

أمر غير مُعتاد

رئيس اللجنة الوطنية للعلاقات الأمريكية الصينية، مقرها في نيويورك، ستيفن أورلينز، وصف ما يشهده الاقتصاد الصيني بأنه أزمة كُبرى. وقال: “لا أحد يملك عصا سحرية، لكن إذا  استمرت سياسة صفر كوفيد سارية المفعول، وإذا استمر تفشي كورونا، قد ينكمش الاقتصاد الصيني في العام 2022، ما يُمثل صدمة لدولة شهدت نموًا لأكثر من 40 عامًا”، وفق بوليتيكو.

ووفق بوليتيكو أيضًا، فإن تصريحات لي عن الاقتصاد الصيني غير مُعتادة. وخلال معظم فترة رئاسته، تولى شي معظم السلطات الاقتصادية الممنوحة تقليديًّا لرئيس الوزراء، وطرح سياسات قومية ضيّقت الخناق على شركات تكنولوجية كُبرى وقطاعات أخرى.

ولكن عندما اندلعت الأزمة الحالية، دفع لي لصدارة المشهد، مع استعداد الحزب الشيوعي لعقد المؤتمر الذي يُعقد مرة كل 5 سنوات، المُرجّح أن يمنح شي ولاية ثالثة.

blank

من أكثر المتشائمين من تراجع الصين؟

بحسب بوليتيكو، فإن الشركات الأجنبية لديها حالة من عدم اليقين بشأن كيفية التعامل دون السوق الصينية “محرك ربحهم الذي لا يُعوّض”. وقال النائب الأول لرئيس شركة ذا كونفرنس بورد، وهي هيئة بحثية اقتصادية دولية تمولها شركات كُبرى، ديفيد هوفمان: “تُظهر استطلاعاتنا تشاؤم رؤساء تنفيذيين لشركات عبر الولايات المتحدة والصين وأوروبا، ولكن الأكثر تشاؤمًا بشأن ظروف العمل الحالية هم الرؤساء التنفيذيين للشركات متعددة الجنسيات الغربية بالصين”.

وكذلك طرح مدير مؤسسة ويلكم ترست، ومقرها لندن، جيريمي فارار، نظرة أكثر تشاؤمية لوضع الصين مُستقبلًا في ظل إدارتها الحالية للوباء، قائلًا لـ بوليتيكو: “لا أظن أن سياسة صفر كوفيد مُستدامة، ستعاني الصين في مرحلة ما من وباء كبير، هذا مصدر قلق كبير”.

أمر مزعج

على المنوال نفسه، قال الرئيس التنفيذي لشركة موديرنا لصناعة اللقاحات، ستيفان بانسل: “أشعر ببالغ القلق بشأن الصين، لأنه  كلما أصبح الفيروس معديًا بوتيرة متزايدة، كان أقل قابلية للسيطرة عليه باستخدام تقنيات أظهرت فعاليتها في العام 2020”.

ورأى أن غياب شي واستراتيجيته “صفر كوفيد” عن دافوس، أمر مُزعج للغاية، نظرًا لالتزامه غير المقيد بالعولمة في خطابه بالمتتدى الاقتصادي العالمي لعام 2017، الذي شبّه خلاله الاقتصاد العالمي بـ”المحيط الكبير الذي لا يمكن الفرار منه”.

ربما يعجبك أيضا