معهد أبحاث السياسة الخارجية | هل يرشّد الاستثمار بأفريقيا علاقة أمريكا والصين؟

آخر تحديث مارس 2, 2022 01:23 م

ترجمة– بسام عباس

إن تنفيذ الممارسات الزراعية المستدامة وتطوير البنية التحتية في أفريقيا ما زال يمثل تحديًّا مستمرًا، فالعمليات الأجنبية لاستخراج الموارد في القارة توفر تبادل المواد الخام لرأس المال وتطوير البنية التحتية الحيوية، ومشاريع البنية التحتية هذه ضرورية للتنمية الاقتصادية التعاونية في أفريقيا. ومع ذلك، فإن عدم الاكتراث للاستدامة مع طول عمر المشاريع يضر بالتنوع البيولوجي على المدى القصير، وعلى المدى الطويل يضر بالبيئات الطبيعة في القارة بأسرها. وبينما تتفق معظم الدول على أن تغير المناخ مشكلة خطيرة، وقد اتخذت خطوات لمكافحة الانبعاثات العالمية، لا تزال هناك فجوات في الإنفاذ ونقص في الشراكات الفعالة بسبب قضايا السلامة والمنافسة الاقتصادية.

وكانت مبادرة الحزام والطريق الصينية ركيزة سياستها الاستثمارية الأجنبية، والتي تهدف إلى إنشاء سلاسل التوريد وتعزيز النوايا الدبلوماسية الحسنة في جميع أنحاء العالم. أما في إفريقيا، يعتقد الكثيرون أن الاستثمار الصيني الضخم في مشاريع البنية التحتية يسد فجوة في رأس المال الأجنبي كانت الدول الغربية قد تراجعت عن إتمامها في السنوات الأخيرة. وبينما يقول البعض إن ممارسات الاستثمار الصينية مفترسة، يشير البعض الآخر إلى الحالات التي أدارت فيها الدول الأفريقية الديون الصينية بنجاح. وعلى الرغم من أن إدارة تمويل البنية التحتية مثيرة للجدل، فقد استغل الصينيون الحاجة الماسة لرأس المال لبناء سلاسل التوريد العالمية.

حققت مشاريع مبادرة الحزام والطريق في الصين درجات متفاوتة من النجاح في التنفيذ المستدام. ونجحت بعض المشاريع، مثل (مشروع مزرعة الرياح أداما 1) في إثيوبيا، وتلك التي يمولها بنك الاستيراد والتصدير الصيني، في إنشاء مصادر جديدة للطاقة الخضراء. وتعد المشاريع الأخرى، مثل إنشاء منجم تشامبيشي للنحاس في زامبيا، من المصادر الرئيسية لتلوث الهواء والماء. وقد قامت الشركة الصينية التي تدير المنجم، شركة التعدين الصينية الأفريقية غير الحديدية، بتوسيع عملياتها دون احتواء النفايات الصناعية السامة بشكل صحيح، مما ألحق أضرار جسيمة بالمحاصيل المحلية وتلوث إمدادات المياه المحلية. ويمكن أن يحدث هذا التدهور البيئي لأن الدول الأفريقية غالبًا ما تفتقر إلى القدرة على فرض معايير بيئية صارمة على الشركات الأجنبية.

وبالتزامن مع هذا النقص في القدرات، فإن الدول الأفريقية بدلاً من ذلك لا تسعى إلى الحصول على رأس المال من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لأكبر مشاريع البنية التحتية. ويرجع ذلك إلى زيادة التكاليف والوقت المرتبط بتلبية المعايير البيئية والاجتماعية الأكثر صرامة لهذه المنظمات. وبدلاً من ذلك، تلجأ الدول الأفريقية إلى الشركات الصينية لتمويل المشاريع وتنفيذها، وتتوقع حدوث تحول أرخص وأسرع دون فرض مثل هذه المعايير. وفي حين أن تنفيذ رأس المال الصيني والمشاريع قد يكون أكثر جاذبية وبالتالي أكثر نجاحًا، فإن التنفيذ غير المستدام يتعارض الآن مع سياسات الحكومة الصينية الرسمية والمبادرات البيئية الدولية. ففي يوليو الماضي، أصدرت وزارة التجارة ووزارة البيئة والبيئة الصينية “إرشادات التنمية الخضراء للاستثمار الأجنبي والتعاون”. إذ تستهدف المبادئ التوجيهية كلاً من الاستثمار والتجارة، وتدفع باتجاه مبادرة الحزام والطريق الصديقة للبيئة حيث يجب على الشركات “اتباع القواعد والمعايير الخضراء الدولية” في أنشطتها الاقتصادية الخارجية.

ولدى الولايات المتحدة فرصة للعمل عن كثب مع الدول الأفريقية والصين لتنفيذ مشاريع بنية تحتية جديدة بشكل مستدام. وينبغي على الولايات المتحدة أن تستفيد من تصريحات الصين حول الامتثال للممارسات الجديدة السليمة بيئيًّا. ويجب أن تصبح الطريقة “الخضراء” هي الطريقة الوحيدة لتنفيذ مشاريع البنية التحتية. إذ إن تعزيز الشراكة والتعاون بين القوى الاقتصادية الكبرى والدول الأفريقية من أجل التنمية المستدامة أمر بالغ الأهمية لوضع معايير عالمية خضراء موحدة لبناء البنية التحتية.

وهذه البنية التحتية الخضراء الجديدة قد تتضمن المعايير تحديد خيارات المسار البديلة التي تتجنب المناطق الحساسة للتنوع البيولوجي أثناء تطبيق الهندسة الواعية بيئيًّا. وتتضمن هذه التقنية استخدام الجسور والأنفاق لتوجيه الحياة البرية إلى المعابر الآمنة، واستخدام هندسة الأنفاق والجسور والأنفاق لتقليل مخاطر الانهيارات الأرضية والتآكل، والابتعاد عن الأشجار الناضجة، ومراعاة توقيت مشاريع البناء لتجنب هجرة الحيوانات.

أما بالنسبة للشركات التي تنفذ مشاريع البنية التحتية في القارة الأفريقية، فعليها أن تضع تحليلات التكلفة والعائد التي تأخذ التلوث في الاعتبار، وأن تجعل هذا هو القاعدة، حيث تحسب هذه التحليلات المخاطر البيئية على البشر والحيوانات القريبة بناءً على مشروع البنية التحتية المقترح. فعلى سبيل المثال، يمكنهم حساب أن خطوط السكك الحديد عالية السرعة تسبب تلوثًا أقل من الطرق السريعة.

وإذا كانت للولايات المتحدة مصلحة راسخة في تحسين علاقاتها مع الدول الأفريقية، فعليها أن تدرك مواطن استثمار الموارد الطبيعية في القارة. وبالمثل، يجب أن تشارك الصين باعتبارها الملوث الرئيسي الآخر في العالم لمكافحة تغير المناخ؛ فالشراكة الثلاثية مع إفريقيا أمر بالغ الأهمية.

وتعكس “شراكة الحزام والطريق من أجل مبادرة التنمية الخضراء” مبادرة الولايات المتحدة ومجموعة السبع “إعادة بناء عالم أفضل” لمكافحة تغير المناخ. ولقد رأينا بالفعل وعودًا من كل من الصين والولايات المتحدة في قمة (COP26) لهذا العام للعمل معًا لمكافحة ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتقليل الانبعاثات. ومع استمرار هذا الخطاب الإيجابي التعاوني، فقد حان الوقت لتغيير معايير تطوير البنية التحتية. وربما تكون الشراكة بين الولايات المتحدة والصين مع جمهورية الكونغو الديمقراطية مكانًا حاسمًا للبدء في مبادرات المناخ التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ورئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية “فليكس تشيسكيدي”.

ورغم أن جمهورية الكونغو الديمقراطية غنية بالموارد الطبيعية، إلا أن لديها قدرة تنموية منخفضة وفقًا لمؤشر التنمية البشرية، وكان هناك اندفاع محموم للحصول على مواردها المعدنية الهائلة، وخاصة الكوبالت، في العقود الأخيرة. ففي عام 2016، فقدت الولايات المتحدة مناجم الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية بسبب عدم الاهتمام بما اعتبره الكثيرون استثمارًا محفوفًا بالمخاطر. حيث باعت شركة (فريبورت-ماكموران) الأمريكية أعمالها في مجال تعدين الكوبالت إلى شركة (الصين للموليبدينوم) لإبقاء الشركة واقفة على قدميها بعد سلسلة من الاستثمارات الخاسرة. ويعتبر الكوبالت من التطبيقات الجيوسياسية عالية الأهمية، فهو عنصر حاسم في بطاريات السيارات الكهربائية، وبالتالي فهو ضروري لأي اقتصاد يحاول الانتقال إلى الطاقة النظيفة. ومع ذلك، لم تكن هناك شركات أمريكية أخرى على استعداد لتحدي العرض الصيني. فمن خلال التعاون مع جمهورية الكونغو الديمقراطية والمسؤولين الصينيين لتحسين قدرة البنية التحتية المستدامة، يمكن تحقيق ثلاثة أهداف: الحد من مخاطر الاستثمار في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحسين الأوضاع المالية للمستثمرين الولايات المتحدة، وما شابه ذلك، ومواصلة التعهد بالتعاون في حماية المناخ.

ستُظهر مبادرة عامة مشتركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية للعالم أن الولايات المتحدة والصين جادتان بشأن التعاون المناخي. وإن إعداد مشروع متعدد الأطراف في إطار شراكة، والتركيز فقط على الأهداف المشتركة للاستدامة والاستثمار في أفريقيا، سوف يحد من تصاعد خطاب “الحرب الباردة” الذي يؤجج الأعمال العدائية ويضيق مجال التعاون.

ولبدء مثل هذا المشروع الأخضر المشترك للبنية التحتية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ربما تفكر الولايات المتحدة في الوصول إلى كلٍّ من القادة الكونغوليين والصينيين؛ لتشكيل لجنة، والاستماع إلى ما تحتاج إليه جمهورية الكونغو الديمقراطية من البنى التحتية الأكثر أهمية. ثم بعد ذلك تخطيط مشاريع حول المجالات البيئية الرئيسية. وينبغي أن تتاح مهمة إقامة مثل هذه المشاريع للعمال الكونغوليين، وزيادة فرص العمل وإعادة الاستثمار في المجتمع، كما يمكن أن يعمل المهندسون والعلماء الأمريكيون والكونغوليون والصينيون معًا كفريق استشاري للتخطيط والتدريب والتنفيذ. ورغم أن رأس المال لهذه المشاريع سيأتي من كل من الولايات المتحدة والصين، فإن وجود مؤسسة دولية مثل البنك الدولي كجزء من عملية الرقابة يمكن أن يضيف الشرعية والمساءلة في النفقات الرأسمالية، مع الحد من مخاوف الفساد.

وبالنظر إلى المجالات الأخرى، حيث العلاقات بين الولايات المتحدة والصين متوترة بشكل متزايد، فمن المهم أكثر من أي وقت مضى الاستفادة من الهدف المشترك المتمثل في وقف تغير المناخ. ويمكن أن يكون تطوير البنية التحتية المستدامة في أفريقيا نقطة انطلاق ممتازة للمبادرات الخضراء وتعزيز النوايا الحسنة تجاه جميع المنخرطين في هذه العملية.

للاطلاع على الرابط الأصلي .. اضغط هنا

ربما يعجبك أيضا