مكافحة التمرد في إفريقيا.. كيف تتجنب الولايات المتحدة أخطاء الماضي؟

مكافحة التمرد في إفريقيا

الإخفاقات الكبيرة التي تكبدتها فرنسا والولايات المتحدة في إفريقيا والشرق الأوسط تجعلها مترددة في تنفيذ عمليات مكافحة تمرد جديدة.


حذرت الباحثة المتخصصة في الأمن الإفريقي، ناتاشا لويس، الولايات المتحدة من الابتعاد عن عمليات مكافحة التمرد في القارة.

وقالت لويس، في مقال نشرته مجلة “ناشيونال إنترست“، يوم السبت 19 نوفمبر 2022، إنه من المرجح ارتفاع الدعم للجماعات الإرهابية الإفريقية، في تنامي الآراء المعادية للغرب، وتوسع النفوذ الروسي والصيني.

التهديد الإرهابي

لفتت الباحثة إلى تزايد الهجمات الإرهابية في القارة، واستشهدت بتقرير لـ”مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية”، وهو معهد تحليل تابع لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، ورصد التقرير، الذي صدر أغسطس الماضي، ارتفاع الهجمات الإرهابية في إفريقيا 300% على مدار العقد الأخير. وكذلك تضاعف الهجمات العنيفة على مدار الـ3 سنوات الأخيرة.

وذكر التقرير أن الوفيات الناتجة عن الإرهاب في دول إفريقيا جنوب الصحراء ارتفعت أكثر من 1000% منذ العام 2007، وشهدت المنطقة ذاتها، خلال العام الماضي، قرابة نصف الوفيات الناتجة عن الإرهاب عالميًّا، خاصة في منطقة الساحل، محذرًا من تحولها إلى “بؤرة للإرهاب“، بسبب تخفيف قيود كوفيد-19 وارتفاع البطالة.

المنافسة الاستراتيجية

ذكرت لويس أن الإخفاقات الكبيرة، التي تكبدتها دول مثل فرنسا والولايات المتحدة في إفريقيا والشرق الأوسط، تجعلها مترددة في تنفيذ عمليات مكافحة تمرد جديدة، موضحة أنه، على مدار الأعوام القليلة الماضية، تحولت الاستراتيجية العسكرية الأمريكية بعيدًا عن الإرهاب، وباتجاه المنافسة الاستراتيجية مع روسيا والصين.

وحذرت الكاتبة من أن تقليل عمليات مكافحة التمرد يُضعف القدرة على بسط “النفوذ الأمريكي في المناطق الاستراتيجية غير المستقرة”، ويهدد إمداد الموارد الرئيسة، وقد يجرها إلى التدخل في صراعات مستقبلية، خاصة أنه بعد انسحاب الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي من دول مثل الصومال، تشجعت الجماعات الإرهابية أكثر.

الدعاية الروسية والصينية

أشار المقال إلى أن روسيا والصين تستخدمان آلاتهما الدعائية في إفريقيا منذ سنوات، لزعزعة استقرار الديمقراطية، والتأثير في العلاقات الدولية، وتأجيج الصراعات.

وذكر أن المشاعر المناهضة لفرنسا، التي روجت لها روسيا، أدت إلى هجمات مميتة وانسحاب فرنسي كامل من مالي. في حين أثار التوسع العسكري الصيني المحتمل على القارة قلقًا كبيرًا في واشنطن، بشأن تأثيره في الطرق التجارية، التي يستخدمها الغرب، وكذلك العمليات العسكرية للحلفاء.

الاعتماد على الموارد

أشارت لويس إلى أن الولايات المتحدة ينبغي أن تركز على بناء الشراكات مع الدول الإفريقية، لأنها تحمل إمكانية اقتصادية هائلة. وفي هذا الشأن، رأى العقيد في الجيش الأمريكي، جو برول، أن الساسة الأمريكيين لديهم “نقطة استراتيجية عمياء” تجعل السياسات تجاه إفريقيا عاجزة عن أن تصبح استباقية، لافتًا إلى أن الصين وروسيا يعتبران إفريقيا “فرصة يجب انتهازها”.

وقالت الباحثة إن المنافسة بين روسيا والصين والولايات المتحدة ستشتد بسبب الاعتماد العالمي على الموارد الطبيعية الإفريقية، ما قد يؤدي إلى زيادة التواجد الغربي في إفريقيا ويحول القارة إلى ساحة معركة، موضحة أن إفريقيا تضم ثلث احتياطي العالم من المعادن، ومزود رئيس للموارد التي تحمل “أهمية للاقتصاد والأمن القومي” الأمريكيين.

صادرات النفط

رغم أن الولايات المتحدة لا تعتمد حاليًّا على النفط الإفريقي، تقول الكاتبة إن المشكلات التي واجهتها صادرات النفط الإفريقية أثرت في الاقتصاد الأمريكي، كما حدث في أثناء انقطاع النفط الليبي عام 2011. وشددت على أنه في ظل تعرض الاضطرابات في سوق النفط على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية، فمن المتوقع أن يتضاعف الاعتماد الأمريكي على النفط الإفريقي.

ونوهت لويس بأن  هذا القطاع أيضًا قد يشهد منافسة مع الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، خصوصًا مع سياسة “فخ الديون” الصينية، التي تستغلها بكين عمدًا للتأثير في سياسات الدول الإفريقية الفقيرة لصالحها، كما كتب الأستاذ بجامعة كولومبيا، هاري فيرهوفن، في مقال نشره معهد “أفريكا ليبرتي” في سبتمبر الماضي.

التعلم من أخطاء الماضي

وفق لويس، تبدو واشنطن عاجزة عن التعلم من أخطاء الماضي، مشيرة إلى أن اعتماد أمريكا على كتائب قوات الأمن المساعدة في سد فجوات عمليات مكافحة التمرد أثبت عدم فاعليته في أفغانستان والعراق، لأن مساعدة الجيوش الأجنبية في اكتساب الكفاءة التكتيكية مهم، لكنه يلغي العناصر الضرورية لتحقيق الاستقرار في الدولة.

ووفق الباحثة كسب النفوذ في إفريقيا سيكون صعبًا بسبب خضوع العديد من الدول الإفريقية لإمرة الديون الصينية، ووجود جماعات ترعاها بعض الدول، مثل “مجموعة فاجنر” الروسية، وزيادة عدد الشباب، الذي يواجه معدلات بطالة ضخمة ومعرض لخطر التجنيد المتطرف.

تغيير الاستراتيجيات

دعت الكاتبة الولايات المتحدة إلى تغيير استراتيجياتها الدبلوماسية والعسكرية في إفريقيا، محذرة من توسيع التواجد العسكري الأمريكي في إفريقيا، قد يعني الفشل في فهم التعقيدات الخارجية والعجز عن إقامة حكومات فاعلة، ما قد يدفع واشنطن في النهاية إلى التخلي عن جهود بناء الدولة.

ووفق الباحثة، فإن هذه السياسات تفاقم فراغات السلطة والأمن، ويساهم في الانتشار المرتفع للإرهاب. وفي مواجهة هذه التحديات، يجب على الولايات المتحدة أن تجعل علاقاتها الدبلوماسية مع إفريقيا أولوية، وألا تبتعد عن تدريبات مكافحة التمرد.

ربما يعجبك أيضا