هل تستطيع أوكرانيا استعادة شبه جزيرة القرم؟

إذا ما أرادت أوكرانيا التحرك لاستعادة السيادة على شبه جزيرة القرم، يجدر بها قطع الخط الفاصل بين القوات الروسية المتمركزة بإقليم دونباس، والمتراجعة شرقي نهر دنبرو.


الوصول للمياه الدافئة حلمٌ روسي متجدد، وفق وصايا قيصر روسيا الخامس، بطرس الأكبر، حققه فلاديمير بوتين بالسيطرة على شبه جزيرة القرم عام 2014.

لكن الحلمَ الروسي قد يتحول إلى كابوس، في ظل نجاح الهجوم الأوكراني المضاد، في استعادة المزيد من الأراضي التي سيطرت عليها موسكو في العملية العسكرية الخاطفة، فبراير 2022، ما أحيا آمال الأوكران باستعادة شبه الجزيرة.

هدف استراتيحي

أشار تقرير لمجلة “ديفنس ون” الأمريكية المتخصصة بالشؤون الدفاعية، إلى أنه منذ السيطرة على شبه جزيرة القرم، عملت روسيا على تحصين المنطقة عسكريًا عن طريق تثبيت القواعد العسكرية، وقاذفات الصواريخ والدفعات الأرضية والجوية، وحذر الروس، في وقت سابق، من استخدام الأسلحة النووية، إذا ما تدخل الناتو في أي نزاعٍ حول القرم.

ولفت التقرير إلى تصريح وزير الدفاع الأوكراني، أوليكسي ريزنيكوف، يونيو الماضي، بأن استعادة شبه الجزيرة يمثل هدفًا استراتيجيًا لبلاده، مشددًا في الوقت ذاته على أن حكومة بلاده ستتشاور مع الدول الحليفة لتحديد كيفية “تحرير شبه الجزيرة”.

وشارك الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلنسكي، وزير الدفاع رأيه عن ضرورة استعادة شبه الجزيرة، حين، صرح في وقت سابق، بأن الحرب مع روسيا بدأت بشبه جزيرة القرم، وستنتهي بتحريرها، مشددًا على أن أوكرانيا لن تتخلى أبدًا عن جزءٍ من أراضيها، بحسب ما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي“.

قرار أوكراني

بحسب المجلة المتخصصة بالشؤون الدفاعية، في تقريرها المنشور 17 نوفمبر 2022، حاول المسؤولون الأمريكيون علنية ثني الأوكرانيون عن محاولة استعادة شبه الجزيرة، لكنّ وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، لفت إلى أن احتمالية استعادة شبه الجزيرة عالية، مشيرًا إلى أنه قرار أوكراني خالص، “لذلك لن تملي واشنطن على كييف ما يجب فعله”.

ورغم تصريحات وزير الدفاع الأمريكي، التي تشي بموافقة ضمنية على شن أوكرانيا هجومًا لمحاولة استعادة شبه الجزيرة، ووفق ما أفاد تقريرٌ منفصل للمجلة الأمريكية، لم يبدْ المسؤولون الأمريكيون جدية في تسليم أوكرانيا أسلحة يصل مداها للقرم، في الوقت الذي يُظهر الكرملين حساسية عالية تجاه شبه الجزيرة، التي يعتبرها أرضًا روسيةً خالصة.

ليس سهلًا

نقلت المجلة عن محللين أن استعادة أوكرانيا لشبه جزيرة القرم لن يكون سهلًا، وذاهب بعضهم أبعد من ذلك، بأنه لن يكون ممكنًا على المدى القريب. ويرجع هذا للدفاعات الروسية المكثّفة بشبه الجزيرة ذات الأهمية الاستراتيجية، علاوةً على صعوبات تتعلق بجغرافيا القرم، التي ترتبط بالبر الرئيس لأوكرانيا عن طريق برزخ ضيق، ما يصعب الزحف الأوكراني.

ويشكك مدير برنامج الدراسات الروسية بوكالة الأنباء القبرصية، مايكال كوفمان، في عزم أوكرانيا على شن هجوم بهدف اجتياح شبه الجزيرة، إلا أنّه يعتقد أن القواتَ الأوكرانية قد تتمكن من زعزعة الاستقرار الروسي بالمنطقة، إذا ما تقدمت جنوبًا، ما يجعل القرم تحت مرمى النيران الأوكرانية، وفق المجلة المتخصصة بشؤون الدفاع.

هجوم بري؟

ويرجح اللواء المتقاعد بالجيش الأسترالي، ميك رايان، أنه إذا ما أقدم الجيش الأوكراني على محاولة استعادة القرم، سيكون الهجوم آنذاك عن طريق البر، مستبعدًا قدرة القوات الأوكرانية على تنفيذ إنزال جوي، الذي يتطلب قدرات واسعة لا تمتلكها القوات الأوكرانية، حسبما نقلت “ديفنس ون”.

ويعتقد خبير الشؤون الروسية، مايكل كوفمان، أن القوات الأوكرانية تستغل الأراضي التي سيطرت عليها حديثًا بمقاطعة خيرسون، عقب الانسحاب الروسي. ومن ثم تعبر برزخ بيركوب، البالغ عرضه قرابة 5 كيلومترات، بعد إمطار التحصينات الروسية بوابل من الصواريخ، إلا أنه يشكك في قدرة القوات الأوكرانية على تنفيذ هكذا عملية.

هجوم بحري

من جهته يرى كبير مستشاري برنامج الأمن الدولي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، مارك كانسيان، أن القوات الأوكرانية إذا ما حاولت استعادة شبه الجزيرة، ستبدأ عن طريق منطقة بحرية ضحلة تُسمى سيفاش، التي قد تسمح للقوات بالعبور بسهولة حين انحسار المد، لافتًا إلى أن ذلك حدث بالفعل مرتين خلال الحرب العالمية الثانية.

ومع ذلك، يشير كانسيان، وفق المجلة المتخصصة بالشؤون العسكرية، لصعوبة هذا السيناريو، فعلى الرغم من تعرض الأسطول الروسي لهجمات أوكرانية، فإنها لم تكن ذا تأثير يذكر. ويمتلك الروس أسطولاً بحريًّا متماسكًا، مشيرًا إلى محدودية قدرات البحرية الأوكرانية، في حين يتطلب الهجوم تفوقًا بحريًا وجويًا، ما لا يتوفر لقوات كييف.

صعوبة الخطوة

نقلت المجلة عن الزميل البارز بمعهد أبحاث السياسة الخارجية، روب لي، اعتقاده صعوبة استعادة القرم، خاصةً بعد الانسحاب الروسي للجانب الشرقي من نهر دينبرو، الذي يمثل حائط صد طبيعي يعيق تقدم الجيش الأوكراني، مشيرًا إلى أنه إذا ما أرادت كييف الإقدام على هذه الخطوة، يجدر بها قطع الخط الفاصل بين القوات الروسية المتمركزة بإقليم دونباس، والمتراجعة شرقي النهر.

في المقابل، كان الجنرال الأمريكي المتقاعد، بن هودجز، أكثر تفاؤلاً، حين قال إن الأوكرانيون يمتلكون خططًا منهجية لاستعادة شبه الجزيرة، وبحسب ما نقلت المجلة الأمريكية، ستحاول قوات كييف تدمير جسر كيرتش وستهاجم خطوط الإمداد الروسية، ما قد يُمكنها من تحرير شبه الجزيرة مطلع الصيف المقبل، إذا ما بدأت هجومها يناير المقبل.

ربما يعجبك أيضا