اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

اليورو في مواجهة العملة الخضراء.. لمن الغلبة؟

كتبت – ولاء عدلان

ينظر الاتحاد الأوروبي إلى عملته الموحدة “اليورو” باعتبارها رمزا لقوته ولمكانة القارة العجوز في العالم ككل، ومن هذا المنطلق يسعى إلى تعزيز مكانتها أمام هيمنة الدولار على عرش الأسواق العالمية ماليا وتجاريا.

يسيطر اليورو على نحو 20% من الاحتياطيات العالمية و31% من حجم المبادلات التجارية عالميا، في المقابل يسيطر الدولار على نسبة 70% من الاحتياطات العالمية، وأكثر من 87% من حجم المبادلات التجارية، لذا يأتي اليورو في المرتبة الثانية بعد الدولار في كل شيء.

بحسب تقرير لـ”فايننشال تايمز”، يخطط الاتحاد الأوروبي مع انتهاء حقبة دونالد ترامب لكسر “هيمنة الدولار” على الأسواق العالمية، وسيسعى خلال الفترة المقبلة لاتخاذ خطوات على طريق تعزيز مكانة اليورو والاستفادة من جائحة كورونا.

أوروبا في مواجهة هيمنة الدولار

حتى الآن تظهر أوروبا استجابة أفضل لإدارة الأزمة الصحية كما أظهرت بعض اقتصاداتها تعافيا خلال الربع الثالث من 2020 مقارنة بالوضع الذي يزداد سوءا في الولايات المتحدة كل يوم وسط توقعات بارتفاع الوفيات الناجمة عن الجائحة إلى أكثر من 600 ألف حالة وبتضرر اقتصادها لدرجة قد لا يتمكن من تسجيل نمو حقيقي إلا بحلول الربع الثالث من العام الجاري، كما لا ننسى هنا أن نشير إلى أن اليورو وصل إلى أعلى مستوياته منذ ما يقرب عامين على مؤشر البنك المركزي الأوروبي أمام سلة من العملات، بفعل تراجع جاذبية الدولار.

بفعل الجائحة تغيرت أمور كثيرة بما فيها شهية المستثمرين حول العالم، فبعد أن كان الدولار هو أحد الملاذات الآمنة في وقت الأزمات، أصبح في زمن كورونا أحد الأصول الخطرة مع وجود أسواق كانت طوال 2020 أكثر استقرارا من السوق الأمريكي، كأسواق آسيا وأيضا أوروبا، وهنا تجد الإشارة إلى أن المركزي الأمريكي ونتيجة لتراجع النشاط الاقتصادي والحاجة إلى دعم سياسات التحفيز حافظ على أسعار فائدة منخفضة منذ منتصف 2020 وحتى اللحظة، ما جعل الدولار يفقد جزاء كبيرا من بريقه في عالم الاستثمار.  

بحسب وثيقة صادرة عن الاتحاد الأوروبي وأطلعت عليها “فايننشال تايمز”، ستبحث دول الاتحاد خلال الفترة المقبلة عن سبل لتعزيز دور “اليورو” على الساحة العالمية، كما ستعمل على دراسة أسباب اعتماد الأسواق المالية العالمية بشكل كبير على الدولار الأمريكي، وبحث سبل التغلب على الصعوبات التي تواجه الاتحاد بسبب هذه الغلبة للدولار على غرار تلك التي واجهته بعد أن أعاد ترامب تفعيل العقوبات ضد إيران العام الماضي.

وقال عضو بالمفوضية الأوروبية للصحيفة البريطانية: “لقد كشفت سنوات رئاسة ترامب عن نقاط ضعفنا، وعلينا القضاء عليها، نحن نتحدث عن مكانة الاتحاد الأوروبي في العالم وعن القدرة على امتلاك قوة اقتصادية ومالية كافية”.

على  الرغم من أن أسعار الفائدة أيضا في منطقة اليورو “صفرية” إلا أن قدرة بلدان أوروبا على التعامل مع الجائحة بشيء من السيطرة مقابل الفوضى التي أظهرتها إدارة ترامب والتي ما زالت تلقي بظلالها على الوضع الوبائي في أمريكا، دعمت “اليورو” إلى حد كبير وبات ينظر إليه باعتباره عملة للاستثمار على المدى البعيد، في حين دفعت توقعات استمرار سياسات التيسير النقدي من قبل الاحتياطي الفيدرالي وتحديدا الحفاظ على أسعار فائدة تقترب من الصفر “0.25%” المستثمرون إلى بيع الدولار والتخلي عنه تدريجيا منذ منتصف العام الماضي.  

سجل الدولار خلال الفترة من مايو إلى أغسطس 2020 رابع أسوأ أداء خلال السنوات العشر الأخيرة مقابل اليورو بنسبة تراجع بلغ أقصاها 8.3%، نتيجة هذه الموجة البيعية، والتي جاءت في صالح اليورو وعملات أخرى في مقدمتها الرينمبي الصيني، إذ فضل المضاربون بأسواق العقود الآجلة شراء هذه العملات بعد بعيهم للدولار.

هل يتمكن اليورو من زعزعة عرش الدولار؟

اليورو -الذي يتعامل به اقتصاد 19 دولة أوروبية- بالفعل أظهر أداءا أفضل من الدولار خلال العام الماضي مدفوعا بسياسات أكثر اتزانا من تلك التي أظهرتها القيادة الأمريكية سواء على صعيد القرارات السياسية وإجراءات الإغلاق أو القرارات المالية والاقتصادية، وكما قلنا أظهرت الاقتصادات الأوروبية وتحديدا في ألمانيا وفرنسا بوادر على التعافي أفضل من واشنطن ففي منتصف يونيو الماضي ومع تخفيف قيود الإغلاق كان النشاط الاقتصادي الألماني على سبيل المثال عند 90% من مستوياته العادية – قبل الجائحة- فيما كان الاقتصاد الأمريكي عند 65%.

في المقابل خسر مؤشر الدولار نحو 5.4% على أساس سنوي، ويبدو أنه سيخسر المزيد خلال الفترة المقبلة مع توجه العديد من المستثمرين إلى البحث عن خيارات أكثر آمنا ولنقل أنه عندما نشاهد بناء مراكز شراء لصالح اليورو فهذا يعني أن المستثمرين والمضاربين يعتبرون أن أوروبا أجدر بالثقة وأقدر على التعافي من آثار الجائحة من أمريكا.

نقطة أخرى تشير إلى أن الدولار سيواصل فقدان بريقه هذا العام، هو اختيار الرئيس الجديد جو بايدن لجانيت يلين “المحافظ السابق للمركزي الأمريكي” كوزيرة للخزانة، في إشارة إلى ثقته التامة في قيادات “الاحتياطي الفيدرالي”، ما يعني أن الأخير سيكون أكثر حرية في خفض أسعار الفائدة وقتما شاء لدعم التحفيز الاقتصادي الذي تبنته إدارة بايدن منذ ساعاتها الأولى.

الحفاظ على أسعار فائدة “صفرية” أمر سنشاهده أيضا في أوروبا هذا العام، لكن الفارق الوحيد كما يقول مقال لهاميش ماكراي  نشر في “الإندبندنت” نهاية العام الماضي، أن المستثمرين يعتقدون بأن الانخفاض الذي طال معدلات الفوائد الأوروبية سيتغير وأن الاستثمارات الأوروبية ستصبح أكثر جاذبية نسبيا مقارنة بالأمريكية.

هناك عوامل قد تحد من قدرة اليورو على منافسة الدولار في الأسواق العالمية، لعل أهمها “عدم رغبة المركزي الأوروبي في رفع أسعار الفائدة” فرئيسته كريستين لاجارد ترى أن ارتفاع سعر صرف اليورو يتسبب في ضغوط انكماشية على الأسعار، أضف إلى ذلك عوامل مثل عدم وجود سوق مشتركة للأصول الأوروبية، والأهم عدم وجود اتحاد مالي يمثل منطقة اليورو، ويبدو أن مثل هذا الاتحاد خطوة بعيدة المنال في ظل نمو التيار “الشعبوي” والنزعة الانفصالية في بلدان أوروبية عدة.

مع استمرار أمريكا في تسجيل معدلات قياسية من الإصابات والوفيات بكورونا، يبدو أن منطقة اليورو ستكون أكثر جاذبية خلال الفترة المقبلة والأمر يبقى مرهونا بقدرتها على إعادة فتح الاقتصاد خاصة وأن غالبية اقتصاداتها تعتمد على الصادرات بشكل كبير، في العموم على المدى المتوسط والبعيد تبدو أوروبا في وضع اقتصادي أفضل من أمريكا وذلك بالطبع سينعكس بمزيد من الثقة في اليورو من قبل المستثمرين والمضاربين، لكن الوصول إلى عرش الأسواق العالمية سيكون هدفا بعيدا للعملة الموحدة، يتطلب سنوات من العمل وربما الدخول في  شركات أوسع مع بلدان مثل الصين واليابان لبناء ما يشبه التكتل في وجه الاقتصاد الأكبر في العالم وعملته الخضراء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى