اقتصادالصفحة الرئيسية

بين رحى الديون والجائحة.. اقتصاد تونس يسير نحو الهاوية

كتبت – ولاء عدلان

تونس على صفيح ساخن منذ مساء أمس الأحد، والأحداث تتسارع من احتجاجات شعبية تطالب بتنحي الحكومة وحل البرلمان بعد الفشل الذريع في التصدي لجائحة كورونا وتداعياتها على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، إلى دخول مباشر للرئيس قيس سعيد على خط الأزمة ليعلن إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن جميع النواب، قد يظن البعض أن تدخل “سعيد” بمشرطه الرئاسي قد ينهي أزمة تونس في القريب العاجل، إلا أن المؤشرات تؤكد أن تونس على موعد مع الفوضى أكثر فالاحتقان السياسي ما زال حاضرا بالشارع وسيزيد وكورونا تفترس أبناء الشعب التونسي كل يوم في ظل تدهور المنظومة الصحية وغياب غالبية التدابير الوقائية، والأهم أن الوضع الاقتصادي يسير نحو الأسوأ مع غياب الحكومة والبرلمان ما يعني توقف المحادثات مع صندوق النقد أمل تونس الوحيد للوفاء بديونها وعدم الوصول إلى مرحلة “الدولة الفاشلة”.  

ديون ضخمة وتعثر يلوح في الأفق

في مايو الماضي بدأت تونس مرحلة جديدة من المفاوضات مع صندوق النقد للحصول على قرض ضخم بنحو 4 مليارات دولار، يسهم في معالجة اختلالات الموازنة العامة للبلاد التي سجلت عجزا بنحو 11.5% بنهاية العام الماضي، وبالطبع هناك جملة من الإصلاحات “الموجعة” يجب أن تلتزم بها تونس قبل الحصول على هذه الأموال – التي قال الصندوق بالمناسبة أنه لم يحددها بعد- كتعهدات بخفض الدعم والأجور، لكن هذا لم يعد ممكنا مع إقالة الحكومة وتعطيل البرلمان.

حكومة المشيشي عرضت على الصندوق برنامج إصلاحات يتضمن تعهداتها بتجميد زيادات الأجور خلال 2021 وخفض نسبتها من 17.4 بالمائة من الناتج المحلي في 2020 إلى نسبة 15 بالمائة في 2022، إلا أن هذا البرنامج لم يلقِ ترحيبا من الصندوق كونه لم يتم التصديق عليه من البرلمان نتيجة الخلافات السياسية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وتقدر السلطات التونسية مدفوعات الديون المستحقة للعام الجاري بنحو 5,8 مليار دولار، منها 500 مليون دولار في يوليو – أعلن عن سدادها الجمعة الماضية- و500 مليون دولار أخرى في أغسطس المقبل، ورغم أن التوقعات تشير إلى قدرة تونس على السداد إلا أنها تؤكد أن سدادها للديون في ظل استمرار تداعيات كورونا الاقتصادية تحديدا على قطاع السياحة –الذي تراجعت إيرادته بنحو 74% مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة- سيؤدي إلى تآكل احتياطات العملة الأجنبية وانهيار عملتها المحلية.

تكشف ميزانية تونس لعام 2021 عن توقعات بعجز قدره 8 مليارات دينار أي أكثر من 7% من إجمالي الناتج المحلي، على الرغم من توقعات بنمو في حدود 4% بعد انكماش تاريخي العام الماضي وصل إلى 8.8%، وبحسب قانون الموازنة سيبلغ إنفاق الحكومة41 مليار دينار، فيما يُتوقّع أن تصل الإيرادات إلى نحو 33 مليار دينار.

المشيشي حذر في أكثر من تصريح من أن الحالة المالية العامة للدولة في وضع حرج، ورغم أن وكالة “ستاندر آند بورز” قالت في مايو الماضي إن تخلف تونس عن سداد الديون السيادية، هو أمر مستبعد إلى حد كبير على مدى 12 شهرا مقبلة، إلا أنه قد يكلف بنوك البلاد ما يصل إلى 7.9 مليار دولار، نتيجة انكشاف البنوك المحلية على دين البلاد السيادي بأكثر من المثلين مما كانت عليه في العقد الماضي.

وأوضحت “ستاندرد آند بورز” أن تكلفة التخلف عن السداد بالنسبة للبنوك ستوازي 102% من إجمالي حقوق الملكية للنظام المصرفي أو 17.3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع في 2021.

يتبادر للذهن سؤال “لماذا لا تلجأ تونس إلى أسواق الدين العالمية لتمويل عجز الموازنة؟”، الرد بسيط تونس منذ 2011 وهي تعاني من عدم استقرار سياسي وخلافات مستمرة بين البرلمان والحكومة واحتجاجات شعبية نتيجة لتدهور الأوضاع المعيشية، هذه الحالة من عدم الاستقرار دفعت وكالات التصنيف الائتماني إلى تخفيض تصنيفها أكثر من مرة، ففي فبراير الماضي خفضت وكالة موديز تصنيف الإصدار طويل الأجل للعملة الأجنبية والمحلية لتونس من B2 إلى B3، وحافظت على توقعاتها السلبية.

فيما خفضت “فيتش” خلال الشهر الجاري – وللمرة التاسعة في 10 أعوام- التصنيف الائتماني طويل المدى لمصادر العملة الأجنبية في تونس من “B” إلى “- B”مع آفاق سلبية، وقالت: إن التوتر السياسي في البلاد وتفاقم الأزمة الصحية وتواصل الاحتجاجات الاجتماعية وتردي وضعية المالية العمومية تعقد كلها سبل وصول تونس إلى اتفاق آمن مع صندوق النقد والمانحين في الأجل القريب.

الأزمة الصحية تتفاقم ولا حل قريب

خلال الفترة الأخيرة شهدت تونس ارتفاعا في معدلات الإصابة بكورونا، فبالأمس فقط سجلت 5359 إصابة جديدة و231 حالة وفاة، ليرتفع بذلك إجمالي الوفيات إلى أكثر من 18 ألفا والإصابات إلى 596 ألفا و289 حالة، بينها 460 ألفا و361 حالة شفاء.

حاليا تقتصر تونس التلقيح على من هم فوق الـ50 عاما والعاملين في قطاعات ذات الأولوية كالقطاع الصحي، وبسبب قلة الجرعات المتوفرة -3.2 ملايين جرعة تم تأمينها حتى الآن- هناك بطء في وتيرة توزيع اللقاحات وقدرة البلاد على كبح تفشي كورونا وسط انتشار سلالات جديدة أشد فتكا من السلالة الأصلية.

وبلغ عدد الحاصلين على جرعتي اللقاح في تونس نحو 937 ألفا، أي نحو 8 % من السكان البالغ عددهم 12 مليون نسمة، والأمر لم يقف عند هذا الحد فالقطاع الصحي في البلاد ينهار، المستشفيات تعاني من نفاد مخزون الأكسجين ونقص في الطواقم الطبية والأسرة الشاغرة في أقسام الإنعاش.

لا ينفصل الوضع الصحي في زمن كورونا عن الوضع الاقتصادي، فمخاطر السيولة العامة التي تهدد تونس هي ناجمة ليس فقط عن سنوات عدم الاستقرار السياسي أنما أيضا في جزء منها ناجمة عن الجائحة التي تواصل ضغطها على الاقتصاد التونسي الهش، فرغم توقعات صندوق النقد بنمو قدره 3.2% هذا العام، إلا أن ما تشهده البلاد حاليا من توترات سياسية لا يبشر بالخير، في ظل مؤشرات سلبية كانكماش الناتج المحلي بـ3 % على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام الجاري، وسط استمرار إغلاق العديد من المرافق الحيوية وتعطل قطاعات حيوية على رأسها السياحة – الذي يسهم بنحو 9% من الناتج المحلي- وأيضا هناك ارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 17.8% وارتفاع التضخم لأكثر من 5% خلال يونيو الماضي، ووسط توقعات بأن يصل الدين العام بنهاية 2021 إلى سقف الـ100% من الناتج المحلي، عمليا تحتاج تونس حاليا إلى ديون خارجية بأكثر من 6 مليارات دولار، وهو أمر لن يكون ممكنا بدون حكومة وبرلمان فاعلين وقادرين على تقديم خطة إصلاح اقتصادي حقيقية، ما يعني أن البلاد على موعد مع أزمة مفتوحة الأفق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى