اقتصادالتقاريرالصفحة الرئيسية

هل ينتزع التنين الصيني عرش الاقتصاد العالمي من غريمه الأمريكي؟

كتبت – ولاء عدلان

لعبة “شد الحبال” بين أمريكا والصين تبدو بلا نهاية فكل طرف يريد إثبات مدى القوة التي يتمتع بها وبينما تستند الأولى إلى تاريخ من الصدارة على الساحتين الاقتصادية والسياسية عالميا وترفع بكل فخر شعار أمريكا العظمى، تسعى الثانية إلى إزاحتها من القمة وانتزاع عرش الاقتصاد العالمي منها، فهل يمكن أن يحدث ذلك في ظل الإصرار الأمريكي وحتى الأوروبي على تحييد خطر صعود النفوذ الصين بقدر الإمكان خلال السنوات المقبلة؟.. وبصورة أوضح هل تصدق توقعات مراكز الأبحاث بأن يتجاوز الاقتصاد الصيني نظيره الأمريكي بنهاية العقد الحالي؟.

بحلول 2030.. اقتصاد الصين قد يتجاوز الاقتصاد الأمريكي

مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال البريطاني CEBR” توقع في تقريره الصادر في ديسمبر الماضي حول أوضاع الاقتصاد العالمي في 2022، أن تصبح الصين أكبر قوة اقتصادية في العالم بحلول 2030 وليس قبل ذلك، في مقابل توقعات سابقة بتحقيق الريادة الصينية اقتصاديا بحلول 2028، لكن هذا التأخير يعزى لعدة عوامل أهمها تداعيات جائحة كورونا، فعلى الرغم من أن اقتصاد الصين كان الاقتصاد الرئيسي الوحيد في 2020 الذي تمكن من تسجيل نمو إيجابي إلا أن استمرار تأثير فيروس كورونا ومتحوراته في 2021 ساهم في الضغط على وتيرة التعافي ومن المتوقع أن يستمر هذا التأثير في عامنا الحالي.

تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد الصيني نما خلال العام الماضي بنسبة 7.8% وفي المقابل نما الاقتصاد الأمريكي بنسبة 5.6%، وعدّل البنك الدولي في تقريره حول آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في الحادي عشر من يناير الجاري، توقعاته لنمو أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم بالخفض إذ توقع نمو الاقتصاد الصيني بـ5.1% “-0.3%” خلال 2022 والاقتصاد الأمريكي بنسبة 3.7% “-0.5%”، وقال إن النمو في الصين والولايات المتحدة خلال 2022 سيتأثر سلبا بتهديد متحورات كورونا وفي مقدمتها أوميكرون الذي سيبدو تأثيره الأكبر خلال الربع الأول من 2022.

وعلى الرغم من سرعة النمو والتعافي التي يظهرها الاقتصاد الصيني إلا أنه ما يزال في المرتبة الثانية، فبحسب أرقام صندوق النقد شكل الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 22.9 تريليون دولار – 25% من الناتج الاقتصادي العالمي- في 2021، فيما جاءت الصين في المركز الثاني بناتج محلي بلغ نحو 17 تريليون دولار “نحو 19% من حجم الاقتصاد العالمي”.

صحيفة “لوبوان” الفرنسية كتبت في تقرير نشرته يوم الثامن من يناير الجاري تحت عنوان “هل  يمكن للصين إزاحة أمريكا عن عرش الاقتصاد العالمي؟”، أن الاقتصاد الصيني ربما لن يصبح رسميًا أكبر اقتصاد في العالم في 2022، لكن ذلك سيحدث بلا شك قبل نهاية العقد الحالي بحسب توقعات البنك الدولي في حال لم تنخفض وتيرة النمو الصيني إلى أقل من 5.5٪ خلال السنوات القادمة، فكما يقولون إما أن يكون القرن الحادي والعشرون صينيًا أو لا يكون” وأضافت أن الاقتصاد الصيني يمكن أن يمثل ما يقرب من ثلث الاقتصاد العالمي بحلول 2040.

في توقعات ربما أكثر واقعية قالت وكالة “بلومبرج” في تقرير صدر في مطلع يوليو الماضي، إن الصين يمكن أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى عالميا بحلول 2031، لكنها أكدت أن هذا لن يحدث إلا في حال قدم الرئيس الصيني شي جين بينج إصلاحات حقيقة لتعزيز النمو ومعالجة مشكلة الديون وتمكن من الوصول إلى حلول دبلوماسية فيما يتعلق بحرب التعريفات الجمركية مع أمريكا وأوروبا.  

أبرز العوامل التي تهدد التقدم الصيني

-ارتفاع معدل الشيخوخة، إذ تمثل الفئة العمرية من 60 عاما فيما فوق نحو 19% من تعداد السكان في الصين، كما سجل معدل الزيادة السكانية السنوي خلال 2020 أقل زيادة له منذ الستينيات ما دفع الدولة إلى إلغاء الحد الأقصى للإنجاب المحدد بطفلين لكل زوجين، على أمل رفع معدل المواليد المنخفض، لكن الحكومة في حاجة لمعالجة مشكلات أخرى تؤثر على النمو السكاني كارتفاع تكاليف الزواج والسكن والمعيشة عموما.

-ارتفاع مستويات الديون، فبنهاية سبتمبر الماضي وصلت الديون الخارجية للصين إلى مستوى 7.2 تريليون دولار، وارتفع معدل الاقتراض إلى 290% من الناتج المحلي الإجمالي على مدار العام الماضي، وتجاوز الدين الحكومي المحلي أكثر من نصف الناتج المحلي، فيما تعثرت شركات صينية عن سداد نحو 13.3 مليار دولار من مستحقات سندات خارجية، وهنا نذكر أزمة إيفرجراند الشهيرة، والتي ما زالت تهدد بتسونامي عقاري قد يضرب السوق الصينية في أي وقت، هذا لأن الدولة قررت كبح الشركات الخاصة وتحميلها ثمن الأموال السهلة، إلا أن هذه الخطوة قد تأتي بردة فعل عكسية في أي وقت وتفجر أزمة مالية واسعة.  

-استمرار الحرب التجارية مع أمريكا، فمن غير الواضح أن هذه الحرب تتجه إلى كلمة النهاية، إذ يبدو الرئيس الأمريكي جو بايدن عازما على مواجهة النفوذ الصيني مدعوما بمعارضة قوية داخل الأوساط الأمريكية لسجل بكين فيما يتعلق بحقوق الإنسان وقمع الحريات في هونج كونج وسياسات العمل القسري، ولم تعد البضائع الصينية فقط في مرمى النيران الأمريكية بل أيضا الشركات الصينية.  

-التوسع العسكري والنزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي.. بكين وهي ثاني أكبر قوة عسكرية عالميا بعد أمريكا، تواصل نشر أسطولها البحري غربا وشرقا بصورة تقلق واشنطن وأوروبا، كما أنها تواصل إثارة التوترات في بحر الصين الجنوبي، وفي حال لم تتمكن من إعادة الحيوية إلى علاقاتها بالعالم الخارجي فالأمر سينتهي بها إلى عزلة دولية تهددها بأفول اقتصادي حتمي.

بحسب المعلن من بيانات حتى اللحظة جائحة كورونا لم تؤثر كثيرا على مسيرة النمو الصيني، إلا أن القادم سيكون أصعب بلا شك، فصدق التوقعات بأن تتمكن الصين من إزاحة أمريكا عن عرش الاقتصاد العالمي، سيظل مشروطا بقدرة الرئيس “شي” على تنفيذ إصلاحات جادة تعالج أزمة ديون الشركات وتعزز الإنتاجية وتضمن تكافؤ الفرص بين الشركات الحكومية والقطاع الخاص، وأيضا قدرته على وضع حد للحرب التجارية مع واشنطن، وفتح قنوات دبلوماسية أكثر حيوية مع الشركاء الدوليين وفي مقدمتهم واشنطن وأوروبا، هذا فضلا عن ضرورة تجاوز تداعيات الجائحة بأمان، وهو أمر يحيطه قدر كبير من الضبابية عالميا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى