التقاريرالصفحة الرئيسيةمنوعات

سعاد حسني.. بهجة الشاشة العربية

أماني ربيع

تحل اليوم 26 يناير، الذكرى السابعة والسبعون لميلاد سعاد حسني ، بهجة الشاشة العربية ومنبع المرح والشقاوة والموهبة، ورغم الوفاة المفاجئة والغامضة عام 2001، إلا أن محبي سعاد حسني من كل الأجيال ما زالوا يتذكرونها بكل حب، ويمدحون روعة ضحكتها بعبارة الشاعر كامل الشناوي الشهيرة، “عيناها لم تكن لها جفنان، بل شفتان تبتسمان”.

وبين الحضور الأول على شاشة السينما في فيلم “حسن ونعيمة” عام 1959، والظهور الأخير في “الراعي والنساء” عام 1991، شهدت حياة سعاد فصولا عاصفة من النجاح والشهرة والاكتئاب والأفول، في دور “نعيمة” انكسرت جسدت دور فتة انكسرت أمام الحب، بينما رأيناها في دور “وفاء” تنكسر أمام الحياة، وتفقد فرصتها الأخيرة في السعادة والحب، كانت وفاء أجمل أدوارها وأكثرها شبها بها في تلك الفترة، بدت حقيقية امرأة على الهامش تكافح لتحيا، وتكتشف أنه رغم كل شيء ما تزال لديها الرغبة في الحياة مجددا، وفي الحقيقة كانت تصارع سعاد علامات الزمن ومعادلات النجومية الجديدة، وانحسار الأضواء، واختارت الابتعاد بإرادتها، قبل أن تكره السينما التي أحبتها وكرست لها كل حياتها.

لا نكون مبالغين إذا قلنا: إن سعاد كانت علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية التي أنشئت في الأساس على أكتاف النساء، لكن ومنذ نهاية العشرينيات وحتى نهاية الخمسينيات، ظلت المرأة في السينما مجرد صورة جميلة تصلح للحب والرومانسية، ظهرت في أدوار متفاوتة متفرقة لبعض النجمات مثل ماجدة في “أين عمري” 1957، عن قصة لعبدالقدوس، ولبنى عبدالعزيز في “أنا حرة” 1959، عن قصة إحسان عبدالقدوس أيضا، ثم آمنة في “دعاء الكروان” 1959، عن رواية للأديب طه حسين.

وفي كل ما سبق نرى أن شخصية العمل الأدبي هنا طغت على أدوار النجمات، وكانت الشخصيات التي تعبر عن روح وجوهر المرأة على شاشة السينما تظهر بشكل متفاوت ودائما ما يكون لها ظهير أدبي، كانت الفتاة دوما صوت مكسور، يتحدث سينمائيا على استحياء، وظهرت العديد من النجمات اللاتي كن مجرد ظل عن صورة فاتن حمامة السينمائية مثل نادية لطفي وماجدة ومريم فخر الدين وغيرهن، تنويعة واحدة على نفس الأدوار، فاتن حمامة ذاتها لم تقدم أعمالا على قدر موهبتها إلا في الستينيات، وبينما اتجهت ماجدة للإنتاج، ونادية لطفي لأدوار مأخوذة عن أعمال أدبية مثل “قصر الشوق” و”السمان والخريف” لنجيب محفوظ، و”النظارة السوداء” لإحسان عبدالقدوس، ظهرت موهبة كاسحة لفتاة مليئة بالحيوية، حنطية البشرة مصرية الملامح تدعى سعاد حسني.

أصبحت سعاد حسني رمزا للستينيات، للمرأة الجديدة المتحررة المليئة بالطاقة والراغبة في تجربة كل ما هو جديد، تنوعت أدوارها بين الدراما والرومانسية، والاستعراض والكوميديا، وهي أدوار برعت فيها جميعا، وصفها النقاد بأنها كانت كثيرة التردد عند الاختيار، ربما كان هذا صحيحا لكن هذا التردد جعل كل اختياراتها ناجحة وقلما تحد لها فيلما هابطا أو بلا معنى.

في فيلم “صغيرة على الحب” عام 1966، ظهرت سعاد في شخصيتين، الأولى فتاة مفعمة بالأنوثة والجمال، والثانية طفلة شقية، وأدت الشخصيتين بنفس الاقتدار والنجاح، وعن ذلك قال الفنان الراحل رشدي أباظة في أحد حواراته الصحفية: “عمري ما فهمتها كانت دايماً بتخضني لما كنا بنعمل فيلم “صغيرة على الحب” كانت تلبس لبس الطفلة سميحة أبصلها طفلة يا جدعان تقعد تتنطط، تعمل مقالب فيَّ، وفي المخرج نيازي مصطفى، بعدها بعشر دقايق تدخل جوه وتطلع ألاقي أجمل ست في الدنيا خارجة علينا بفستان هي اللي محلياه، هي ليدي بروح طفلة”.

في العام التالي 1967، جسدت دور الفلاحة فاطمة في فيلم “الزوجة الثانية”، تحتل في هذا الدور عن الماكياج والفساتين الجميلة التي ربما اعتقد البعض أنهاكانت السبب في جاذبيتها، واكتفت بكحل أسود لا يخلو منه بيت أي امرأة مهما كانت درجة فقرها، وتركت لجاذبيتها الخاصة لعب دور إغراء العمدة، فلاحة مصرية فقيرة مكافحة تحب زوجها وأسرتها وراضية بحياتها البسيطة، وفي هذه البساطة كان مكمن قوتها التي استطاعت بها كسب معركتها ضد جبروت العمدة، جرت دموعها من الغلب الذي تحول إلى حيلة ومكر كل هذا ظهر لنا تعقيده على الشاشة بسلاسة شديدة.

في نهاية الستينيات بدأت سعاد في اختيار أدوار جديدة عليها وعلى صورة البطلة الأولى بشكل عام، ظهرت في أدوار مركبة ومعقدة نفسيا مثل بئر الحرمان عام 1969، وفي “زوجتي والكلب” عام 1971، قدمت دورا قد ترفضه نجمات كثيرات لأنهن يحرصن على الظهور دائما بصورة محبوبة حتى على الشاشة، ومع مخرج جديد هو سعيد مرزوق، ووجه شاب هو نور الشريف.

اتسمت أعمالها في تلك الفترة بجرأة التناول والطرح، مثل دورها في “غروب وشروق” عام 1970، شخصية لا تدري هل تكرهها أم تتعاطف معها، تتأرجح بين الأبيض والرمادي، وكلما شعرت أنها وجه للشر، تكتشف أنها مجرد لظروفها.

أكثرت في الأدوار المأخوذة عن أعمال أدبية لكبار الأدباء، مثل “الطريق” و”الكرنك” و”القاهرة 30″ لنجيب محفوظ، و”الحب الضائع” و”نادية” لطه حسين، وهي أدوار منحت أداءها ثقلا وتنوعا.

البعض يدرج فيلم “خلي بالك من زوزو” 1972، تحت فئة الأفلام الخفيفة، ويعتبره سقطة في تاريخ صلاح جاهين، ورغم ذلك فالفيلم يناقش قضية هامة جدا، هي وزر الآباء الذي يحمله المجتمع للأبناء، وكيف تحاول شابة أن تتعايش مع واقعها كفتاة ابنة “عالمة” من شارع محمد علي، وفي نفس الوقت طالبة جامعية تشق طريقها، المجتمع يضن عليها بلقب “المثالية” لأنها ابنة نعيمة ألماظية، بينما تحاول هي طوال الوقت أن تصبح “زينب عبدالكريم”، وأن تصنع شخصيتها الخاصة، لا تنكسر شوكتها وترقص في كبرياء بعد فخ تم إعداده لإحراج والدتها أمامها، ترقص كطير مذبوح، هذا الفيلم يعبر عن صورة الفتاة في المجتمع الجديد الفتاة الجامعية المثقفة التي لايهم أصلها بقدر ما يهم عقلها واختياراتها، كل هذا مع فاصل من الأغاني الخفيفة التي ما زالت علامة إلى اليوم.

استطاعت سعاد حسني إلى حد كبير أن تكون نموذجًا للفنانة الشاملة، فبجانب التمثيل والاستعراض، قامت بالغناء، أغنيات ضمن أحداث الأفلام، لكن لم تمر هذه الأغنيات مرور الكرام كمعظم أغاني الأفلام، وتساءل الكثيرون كيف لهذا الصوت الجميل ألا يقتحم مجال الغناء بشكل احترافي، وهو ما أرجعه البعض إلى الخوف من منافسة شقيقتها نجاة، وتحدث الكثيرون عن وجود عداوة بينهما، خاصة أنه لم يجمعهما أي فيلم سينمائي، أو أغنية أو حتى لقاء تلفزيوني، وقليلة هي الصور التي تظهرهما سويا.

وكشفت سعاد في مقال بمجلة “الكواكب” بتاريخ 16 يناير 1962 بعنوان: “بالونة علمتنى الغناء” عن حبها لأم كلثوم والغناء ومشاجرة مع شقيقتها نجاة كلفتها علقة ساخنة من والدها.

وقالت في المقال: “لم يكن حبي للغناء وأنا طفلة صغيرة وليد الصدفة بل جاء نتيجة البيئة الموسيقية والفنية التي نشأت فيها، لقد فتحت عيني على والدي يجلس وأمامه إخوتي يدربهم على العزف على الآلات الموسيقية، وعندما بلغت السادسة من عمري كنت أحفظ معظم أغاني أم كلثوم، وأول أغنية حفظتها هي” غلبت أصالح في روحي، حيث كانت أختي نجاة تتدرب على حفظها لتغنيها، وكنت أقلدها بطريقتي الخاصة ولهجتي المكسرة”.

وأضافت: “عشقت أم كلثوم لدرجة أنني ضحيت ببالونة كبيرة لأحصل على صورتها التي كانت تحملها صديقة لي، رغم عشقي الكبير للبالونات، ومن أجل هذه الصورة نشبت أظافري في وجه أختي نجاة حتى سالت منه الدماء؛ لأنها خطفت الصورة مني فتمزقت، ويومها ضربني أبي أول علقة في حياتي”.

وذكرت كيف كان إصرارها على الغناء وراء دخولها الفن: “كان أبي يخصص لنفسه غرفة خاصة ليكتب فيها الخطوط؛ لأنه خطاط معروف، وكانت التعليمات تقضي بعدم صدور أي أصوات في المنزل أثناء قيامه بالعمل، ولكني في أحد الأيام لم ألتزم بالتعليمات وأطلقت العنان وغنيت “غلبت أصالح”، وما أن انتهيت من الأغنية حتى فوجئت بأبي يقف أمامي، توقعت علقة جديدة، لكنه ربت على كتفي وطلب من الغناء مجددا، ووعدني بدستة بالونات، فغنيت له “هلت ليالي العيد”.

بعدها صحبها والدها إلى بابا شارو في الإذاعة لتقف أمام الميكرفون وتغني “أنا سعاد أخت القمر، بين العباد حسني اشتهر”، وما أن انتهت من الغناء حتى أخذها بابا شارو من يدها وقال لوالدها: “ابنتك ينتظرها مستقبل كبير”.

نجحت سعاد في الغناء، وظهر هذا واضحا في فيلم “صغيرة على الحب” و”فتاة الاستعراض”، و”خلي بالك من زوزو”، و”الزواج على الطريقة الحديثة”، و”شفيقة ومتولي”، و”المتوحشة”، وأغاني مسلسل “هو وهي”، بالإضافة إلى أغنيات متفرقة مثل “دولا مين” و”صباح الخير يا مولاتي”.

كان عقد السبعينيات حتى أوائل الثمانينات هو قمة النضج الفني لدى سعاد حيث أدت أدوارا لها أبعاد اجتماعية وسياسية هامة مثل دوريها في “الكرنك” و”شفيقة ومتولي”، ونجحت في الثمانينيات في أن تصنع صورة رومانسية تنمو كزهرة ناعمة في واقع خانق عبر ثنائية سينمائية مع عادل إمام في “حب في الزنزانة” و”المشبوه”، هذا فضلا عن دورها الأيقوني في فيلم محمد خان “موعد على العشاء”.

اللافت في أداء سعاد هو ابتعادها عن المبالغة في البكاء والانفعال والصراخ الذي يبدو طريقا أقصر أمام الممثل لإظهار انفعالات الشخصية، لكنها كانت تركز على الانفعال الداخلي، وكيف يطفو على ملامح الوجه في سلاسة، وفي أي لقطة أو مشهد قلما تلتقط الكاميرا الانفعال نفسه لوجه سعاد، ففي لحظات يتحول وجهها من الحزن إلى الانكسار فالحيرة ثم الخوف، وهكذا دون افتعال أو تصنع.

ورغم رصيد المتعة والمرح الذي قدمته للجمهور، اختارت الابتعاد في صمت، تزوجت 5 مرات منها مرة غير مؤكدة بعبدالحليم حافط، ويبدو أنها لم تفلح في العثور على الحب في واحدة من هذه الزيجات، نفت نفسها بعيدا في بلاد الضباب، تصارع الاكتئاب وزيادة الوزن، ورغم ذلك لن نتذكرها إلا في صورة عينان مثل شفتان تبتسمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى