التقاريرثقافة

كازانوفا.. الشاعر الذي كره الحياة العاقلة المخالفة لفطرته

رؤية- شيرين صبحي

“لقد كرهت دائما تلك الحياة العاقلة الرشيدة التي تخالف فطرتي”.. تتلخص حياة المغامر والشاعر الإيطالي جاكومو كازانوفا، الذي كان عازفا للكمان وشاعرا وفيلسوفا، لكنه لم يتعمق في أي من العلوم، حيث كانت روح المغامرة تدفعه لمعرفة كل ما هو جديد.
في مدينة البندقية، ولد جاكومو كازانوفا في مثل هذا اليوم 2 أبريل عام 1725، لأبوين يعملان في مجال الفن، كان الشقيق الأكبر لستة أشقاء، وقد تركته والدته عند جدته التي اعتنت بتعليمه حتي حصل علي دكتوراه في القانون وهو في لا يزال في السابعة عشر من عمره، وبعد وفاة جدته دخل ديراً ولكنه طرد منه بعد فترة قصيرة.
بدأ حياته متجولاً في مدن إيطاليا، حيث عانى من الفقر، فحاول كسب بعض المال من عزف الكمان في الحانات والشوارع. وفي أحد الأيام أصيب السناتور البندقي زوان براجادينو بالنقطة وهو يهبط السلم، فالتقطه كازانوفا بذراعيه وأنقذه من سقطة فجائية.
اتهم بالتجديف وحكم عليه بالسجن خمس سنين، لكنه استطاع الهروب بعد أن قضى 15 شهرا في محبسه، وعن هذه التجربة يقول: “حين جن الليل استحال على أن أغمض عيني لأسباب ثلاثة: أولها الفئران، وثانيها الطنين الرهيب الذي تحدثه ساعة كاتدرائية القديس مرقس التي كانت تدق وكأنها في حجرتي، وثالثها ألوف البراغيث التي أغارت على بدني تعضني وتلدغني وتسمم دمي بحيث أصابتني انقباضات عنيفة بلغت حد التشنجات”.
زوده السيناتور براجادينو بالمال لزيارة فرنسا والنمسا. وفي ليون انضم إلى الماسون الأحرار، وفي باريس “أصبحت رفيقاً، ثم رئيساً للطائفة”.
بعد باريس وبرلين، ذهب إلى روسيا، وهناك تم استقباله استقبالا رفيع المستوى، حتى أنه التقى إمبراطورة روسيا كاترين الثانية عام 1764.
عاد كازانوفا لتجواله بين ألمانيا وأسبانيا وإيطاليا، وتعلم اللاتينية، اليونانية، الفرنسية، العبرية، الإسبانية، والانجليزية، ويعتبر كازانوفا أشهر زير نساء في التاريخ، حيث ذاع صيته بأن لا امرأة استطاعت مقاومة سحره وجاذبيته المحاطة بالغموض.
حياة العبث لم تمنع كازانوفا من محاولة تأريخ واقع الحياة في القرن الثامن. وترى جوديث سامرز في كتابها “نساء كازانوفا” أنه كان “مؤيدا للنساء وأن إيمانه بالمساواة بين الرجل والمرأة كان سابقاً لعصره”.

مذكراته
في 4545 صفحة، كتب كازانوفا مذكراته بالفرنسية، وهي أشهر أعماله رغم كتابته الكثير من الكتب والمسرحيات، وفيها يحكي عن حياته ومغامراته الغرامية مع أكثر من 122 امرأة، لكنها لم تصدر إلا بعد عقود من كتابتها حيث اعتبرت حينها تخدش الحياء العام.
صور كازانوفا معظم عشيقاته بأنهن ظللن مغرمات به حتى النهاية، وكان يِؤمن بضرورة عدم وجود قيود وأخلاق جنسية في المجتمع، ويزعم أن أعمال الرحمة التي كان يقوم بها كانت تعدل غزواته الغرامية.
يروي أنه عندما كان في بادو حقق أول غزواته، مع “فتاة حلوة في الثالثة عشرة” تدعى بتينا، وهي أخت لمعلمه الكاهن الطيب جوتسي. وعندما مرضت بالجدري اعتنى بها وأصيب بالمرض. وحين ذهب في شيخوخته إلى بادو لآخر مرة ،”ألفيتها عجوزاً، مريضة، فقيرة، وقد ماتت بين ذراعي”.

بين كازانوفا وفولتير

 من مذكراته نقرأ حديثا بينه وبين فولتير:

كازانوفا: هيك نجحت في القضاء على الخرافة، فماذا تحل محلها؟

فولتير: يعجبني هذا! حين أخلص البشرية من وحش ضار يفترسها، أتسألني ماذا أحل محله ؟
كازانوفا: إن الخرافة لا تفترس البشرية، بل أنها على العكس ضرورية لوجودها.
فولتير: ضرورية لوجودها! ذلك تجديف مخيف. إنني أحب البشر، وأود أن أراهم أحراراً سعداء مثلي. والخرافة والحرية لا يمكن أن يسيرا يداً بيد. أتظن أن العبودية تؤدي إلى السعادة؟
كازانوفا: إن ما تريده إذن هو سيادة الشعب؟
فولتير: معاذ الله! يجب أن يكون للجماهير ملك يحكمها.
كازانوفا: في هذه الحالة تكون الخرافة ضرورية، لأن الشعب لن يعطي رجلاً هو مجرد إنسان حق حكمه.
فولتير: أريد ملكاً يحكم شعباً حراً، ويلتزم قبله بشروط متبادلة تمنع أي ميل من جانبه للاستبداد.
كازانوفا: يقول أديسون أن هذا الملك… يستحيل وجوده. وأنا متفق مع هوبز. فعلى المرء أن يختار من الشرين أقلهما ضرراً. والأمة التي تحررت من الخرافة هي أمة من الفلاسفة والفلاسفة لا يعرفون كيف يطيعون. وما من سعادة ترجى لشعب لا يسحق ويذل ويظل مصفداً بالقيود.
فولتير: هذا شنيع! وأنت فرد في الشعب!
كازانوفا: إن العاطفة المسيطرة عليك هي حبك للبشرية. وهذا الحب يعميك. أحب البشرية، ولكني أحبها كما هي. فالبشرية ليست قابلة للمزايا التي تود أن تغدقها عليها، فهذه المزايا لن تزيدها إلا تعاسة وانحرافاً.
فولتير: يؤسفني أن يكون لك هذا الرأي السيئ في إخوانك في الإنسانية.

سنواته الأخيرة
التقى بالكونت فون فالدشتين، الذي أحبه فدعاه إلى العمل أمينا لمكتبته في قلعة دوكس بيوهيميا، لكن عندما تسلم منصبه، أحزنه أنه أعتبر خادما، حتى أنه كان يتناول غداءه في قاعة الخدم.
في قلعة دوكس عاش الأربعة عشر عاما الأخيرة من عمره. وهناك كتب “تاريخ حياته” “أولاً لتخفيف هذا الركود الميت الذي يقتلني في بوهيميا الخاملة هذه… وقد استطعت بالكتابة عشر ساعات أو اثنتي عشرة كل يوم أن امنع الحزن الأسود من نهش قلبي المسكين وإتلاف عقلي”.
وفي الرابع من يونيو 1798، أغمض كازانوفا عينيه التي سحرت كثيرا من النساء؛ للمرة الأخيرة، لكن سيرته لا تزال باقية بيننا حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى