التقاريرسياسة

في عيون القانون الدولي.. “معركة الأمعاء الخاوية” إلى أين؟

كتبت – أميرة رضا

في معركة متواصلة مع عدو يتلون كالحرباء يومًا بعد يوم، معركة لم يحمل فيها المحارب سلاحًا سوى سلاح الاستغناء عن الزاد، يواصل الأسرى الفلسطينيون بإصرار شديد إضرابهم المفتوح عن الطعام، رغم الظروف الصعبة التي يمرون بها، وحجم التحديات الكبيرة التي يتعرضون لها، وقسوة الإجراءات التي تُقترف بحقهم، في ظل استمرار حالة الحراك الخارجي وحملات الدعم التي واكبت الإضراب منذ يومه الأول، والاصطفاف الرسمي والشعبي المساند، ووقوف حركة “فتح” بمكوناتها المختلفة داعمًا لهم.

إذ يتسلح الأسرى الفلسطينيون -لليوم السادس عشر على التوالي- بالماء والمِلح والجوع في سجون الاحتلال الإسرائيلية، حيث يلجأ الأسرى للإضراب كوسيلة اضطرارية لنزع بعض من حقوقهم من إدارة السجون الإسرائيلية، وهم الآن يريدون وقف العزل الانفرادي والاعتقال الإداري، واحتضان أبنائهم ومهاتفة ذويهم.

“الجوع”.. الإضراب الأضخم في سجون الاحتلال


بدأت المعركة من داخل سجون الاحتلال الإسرائيلية بتاريخ 17 أبريل، حيث امتنع 1500 أسير فلسطيني عن تناول وجبات الطعام لذلك اليوم، وأعادوها إلى إدارة السجون في خطوة أطلقوا عليها “معركة الأمعاء الخاوية” التي فضلوا فيها الجوع على الخضوع لسياسات وأفعال إسرائيلية وصفوها بالتعسفية.

وبذلك أعلن الأسرى بداية الإضراب المفتوح الذي سيطبقونه للضغط على السياسة التي تتبعها إدارات السجون الإسرائيلية، وشمل بذلك الإضراب، الامتناع عن تناول الطعام والشراب عدا الماء حتى تتحقق كافة المطالب، التي طبق من أجلها الإضراب، ويعد هذا الإضراب الاضخم من نوعه في سجون الاحتلال الإسرائيلية.

ويعتبر الإضراب عن الطعام من أخطر الأساليب المستخدمة في الاحتجاج السلمي، لما لها من أثر سلبي على جسد المضرب وصحته، والذي يمتنع، خلال فترة الإضراب، عن تناول الطعام والشراب، بهدف تحقيق أهدافه.

تحت شعار الحرية والكرامة.. “الجوع” يزلزل إسرائيل

لقد شكل إضراب الأسرى -الذي ينبه العالم لما يجري خلف أسوار السجون- تحديًا كبيرًا لإسرائيل، فحسب المصادر الإسرائيلية يشوه هذا الإضراب صورتها أمام العالم، ويظهرها كدولة لا إنسانية.

حيث يدرك الاحتلال الصهيوني مدى خطورة الضغوط الداخلية والخارجية التي تتزامن مع استمرار إضراب الأسرى، كما سيفرض الإضراب نفسه على الأجندتين الأمنية والسياسية في وقت تستعد إسرائيل مع إدارة ترامب لإعادة تحريك عملية السلام.

وحسب صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية فإن: “الإضراب الذي شرع فيه الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية يشكل تحديًا جديًا لإسرائيل، لما يشكله من خطرٍ حقيقي على صورة إسرائيل في العالم والتي إن انتصر هؤلاء الأسرى في هذا الإضراب، فستظهر على أنها دولة لا إنسانية، وأن هؤلاء الأسرى هم ضحايا”.

من جانبه أكد رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين «عيسى قراقع» على أن: “إضراب الأسرى يحاصر تل أبيب، لأنه أعلن أن دولة إسرائيل التي تستبيح القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف وتدوس على مبادئ حقوق الإنسان والشرائع الدولية، قد دخلت عهد العنصرية والفاشية، وأن جرائمها المستمرة ضد حقوق الإنسان الفلسطيني تشكل خطرًا على المنظومة الثقافية والإنسانية في العالم”.

“البرغوثي”.. يخترق القضبان ويزعزع استقرار الاحتلال

يحظى “مروان البرغوثي” النائب في البرلمان عن حركة فتح، وعضو اللجنة المركزية للحركة، التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بشعبية واسعة لدى الفلسطينيين، فعلى الرغم من أنه يقبع داخل السجون الإسرائيلية منذ عام 2002، إلا أن السجون الإسرائيلية فشلت في عزله عن الشارع الفلسطيني ومؤيديه، فلا تزال شعبية البرغوثي تخترق القضبان الإسرائيلية؛ لتثير قلق الاحتلال، وتزعزع استقراره.

ولم تمنع ظروف الاعتقال البرغوثي من منافسة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، على رئاسة السلطة الفلسطينية بعد وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كما أنها لم تمنعه من ممارسة دور مهم في المصالحة بين حركتي فتح وحماس، وخلال اعتقاله أيضًا انتخب “البرغوثي” في المؤتمر السادس لحركة فتح الذي عقد في مدينة بيت لحم جنوبي الضفة الغربية في عام 2009، عضوًا في اللجنة المركزية للحركة، وأعيد انتخابه بأعلى الأصوات عضوًا في اللجنة المركزية في المؤتمر السابع الذي عقد في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية نهاية 2016.

الأسرى يقودون الأحرار


لقد انتفض في الوقت نفسه الشارع الفلسطيني تضامنًا مع الأسرى في السجون الصهيونية، في مشهد يوضح مدى الترابط الشعبي الفلسطيني بين القابعين في السجون والمقاومين خارج السجون، حيث تتواصل الفعاليات الشعبية والمسيرات الحاشدة التي انطلقت في عدة مدن فلسطينية، على رأسها مدينة الخليل وبيت لحم، فقد خرج عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مسيرات ووقفات بالضفة الغربية المحتلة؛ تضامنًا مع الأسرى في إضرابهم، وخلال المسيرات وقعت مواجهات بين قوات الاحتلال والشباب الفلسطيني، اعتقل على أثرها الاحتلال شابين على حاجز أبو الريش قرب المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، إضافة إلى 3 آخرين أمام معتقل عوفر غرب رام الله، فيما أصيب عدد من الفلسطينيين بطلقات نارية ومطاطية أمام معتقل عوفر، وفي بلدتي العيزرية وأبوديس شرقي القدس المحتلة.

الإضراب ربما يطول.. ولكن إلى أين؟

تهدف كل الخطوات التي اتخذتها إسرائيل للتأكيد على رفضها لمطالب الأسرى، وإظهار استعدادها لتمديد أيام الإضراب من قبل الأسرى، فناهيك عن إجراءات العزل والتفتيش وسحب الملح، أقدمت سلطة الاحتلال على بناء مستشفى ميداني في السجن.

هذا المؤشر السلبي بتوقع طول فترة الإضراب ليس مفاجئًا للفلسطينيين أيضًا، إذ يتوقع المعنيون بشؤون الأسرى، أن تطول مدة الإضراب بسبب رفض الاحتلال الاستجابة لمطالب الأسرى.

ويقول الأكاديمي والمفكر الفلسطيني عبد الستار قاسم: “إنه بالرغم مما تتخذه إسرائيل الآن من إجراءات تثقل على الأسرى وتهدف لإرغامهم على فك الإضراب إلا أنه لا خيار أمام إسرائيل أمام إصرار المعتقلين إلا الاستجابة، في النهاية ستفتح إسرائيل باب التفاوض مع المعتقلين وستلبي عددًا لا بأس به من الطلبات”، مضيفًا: “للفلسطينيين تجارب سابقة في هذا المجال، وحققوا إنجازات مهمة ومعتبرة. لقد نفذوا إضرابات مفتوحة وسقط شهداء داخل المعتقلات”.

 الأسرى في عيون القانون الدولي

من جانبه قال الدكتور إبراهيم أحمد -أستاذ القانون الدولي العام– فيما يخص هذه القضية من ناحية بنود وقوانين القانون الدولي –في تصريحات خاصة لـ “رؤية” أنه: “قطعًا إذا كان الإضراب من المسجونين، فهذا يحمل الدولة التي تقوم بأسرهم مسؤولية كبيرة في مواجهتم وفقًا لأحكام القانون الدولي، لأن هذا الإضراب يمكن أن يكون من شأنه تعريض هؤلاء المساجين للخطر، ويجب على الدولة التي تقوم باعتقال أو سجن أشخاص أو متهمين بضرورة حمايتهم ومنع أي مساس بهم أو بكرامتهم أو بحياتهم، وتلافي أي تهديد لهذه الحياة أو لهذه الكرامة”.

اتفاقيات جنيف الأربعة.. والحماية القانونية للأسرى
وردًا عن الاستفسار بشأن مادة القانون الدولي التي تنص على أن (من أعلن إضرابًا مفتوحًا عن الطعام استمر لأكثر من 14 يوم فأنه يعد محمي دوليًا، ومحمي من قبل المؤسسات الدولية ويجب إطلاق سراحه) قال: “المواثيق الدولية جميعها توجب على الدولة هذا، خصوصًا اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، حيث تقر هذه الاتفاقيات الحماية القانونية الدولية للمسجونين المنتمين لدولة أخرى”.

وتابع: “إذا على إسرائيل حماية الأسرى الفلسطينيون وعدم المخاطرة بحياتهم، وبما أنهم مضى على سجنهم هذه المدة الطويلة فيتعين على السلطات الإسرائيلية أن تستجيب فورًا لفحص مطالبهم، وإلا فإنه يتعين بقرار من مجلس الأمن إجراء تحقيقًا فوريًا مع المسؤولين الإسرائيليين اللذين تسببوا في أضرار أدت إلى قيام هؤلاء المساجين بالإضراب لمعرفة حقيقة مايتعرضون له، والمعاملة التي يلقونها وظروف سجنهم ومحاكماتهم، وكذلك معرفة شكاوييهم التي لابد من بحثها، وإذا كانت إسرائيل تقصر في هذا الأمر، وجب على المجتمع الدولي وفقًا لأحكام القانون الدولي إجراء محاكمة عادلة دولية في واقعة الاعتداء على هؤلاء المساجين وتعريض حياتهم للخطر”.

الانتظار لـ 14 يومًا يعرض حياة الأسرى للخطر
وفيما يخص القانون الذي ينص على (استمرار اضراب الأسير أو المسجون لمدة أكثر من 14 يومًا ولم يتم إطلاق سراحه، وجب على القوات الدولة وخصوصًا الصليب الأحمر وجمعيات حقوق الإنسان رفع قضية عاجلة لإتخاذ حكم فوري بإطلاق سراح الأسير)، قال الدكتور أحمد: ” من وجه نظري الشخصية لا يجوز الانتظار لـ 14 يومًا، أو 15 يومًا لأن كل هذا من شأنه تعريض حياة الأسير للخطر، حيث يجب أن يتم تدارك الأمر بأقصى سرعة ممكنة، وكل هذه المنظمات السابق ذكرها يجب أن تتحرك فورًا لإنقاذهم، وإجراء تحقيق عاجل في هذا الأمر، حيث لابد من تدخل المنظمات الدولية وخصوصًا الأمم المتحدة تدخلًا سريعًا لتلافي هذا الصعوبات والمشاكل التي ترتبت على هذه القضية”.

حياة الأسرى مسؤولية معتقليهم
وأضاف أستاذ القانون الدولي: “إذا قامت الدولة باعتقال الأسير السياسي فيجب عليها حتمًا أن تطلق سراحه، وهى أيضًا المسؤولة عن علاجه على نفقتها الخاصة، وتتحمل رعايته الصحية، حيث أصبحت حياة الأسير بأكملها مسؤولية السجان الذي قام بسجنه”.

الأسرى ومؤسسات حقوق الإنسان
وردًا عن سؤاله فيما يخص مسألة (عدم الإفراج عن الأسير واستمرار إضرابه لمدة 90 يومًا وموقف مؤسسات حقوق الإنسان من الأمر) قال أستاذ القانون الدولي إبراهيم أحمد: “كل المنظمات المعنية بحقوق الإنسان يجب عليها أن تتحرك، للمطالبة بالإفراج عنهم وإعطائهم حقوقهم، ومحاكمة المسؤولين الإسرائيليين عن أي أضرار تسببوا فيها لهؤلاء المساجين”.

وعن اقتحام هذه المؤسسات لإخراج الأسرى بالقوة أضاف: “مؤسسات حقوق الإنسان ليس لديها جيوش أو أسلحة لاقتحام السجون وتحرير الأسرى وهي لا تمتلك التدخل بهذا الشكل، ولكن من دورهم اللجوء إلى المنظمات الدولية، ويتم تصعيد الأمر ليعرض على مجلس الأمن الذي يقوم بدوره بإصدار قرار بإجراء تحقيق ومحاكمة دولية، وإصدار قرارات وفقًا للفصل السابع الخاص بهذا البند الذي ينص على إستخدام القوة عند الضرورة، في حالة رفض الدولة للتعاون في إجراء التحقيق”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى