التقاريرمنوعات

كيمياء الحب والفراق

كتبت – علياء عصام الدين

الحب يا حبيبتي /قصيدة جميلة مكتوبة على القمر/ الحب مرسوم على جميع أوراق الشجر /الحب منقوش على ريش العصافير وحبات المطر.

 مفردة تساوي ملايين الكلمات، وحرفين يشكلان “عوالم” كاملة، كم سمعنا عن قصص الحب وملاحمه التاريخية وكم بكينا على أطلال حب انقضى وآخر ينتظر رجفة الميلاد.

يعد الحب من أكثر المشاعر الإنسانية غموضًا، إذ يخفي في طياته لغزًا صعب المنال، يحتار فيه القاصي والداني.
إن السعي وراء الحب يغيّرنا، فما من أحد يسعى وراءه إلا وتترك الرحلة فيه ما تراه مناسبًا، فيبدأ بالتغيير من الداخل والخارج.

هرمونات الحب 


للحب مراحل ثلاث، الرغبة، الانجذاب، فالارتباط،، في مرحلة الرغبة يفرز الدماغ هرموني التستوستيرون والإستروجين لتأهيل الانجذاب إلى شخص بعينه دون غيره، وينتقل بعدها للمرحلة الثانية والتي تسيطر عليها 3 مواد كيميائية” الدوبامين والسيروتونين والتي تجعل المرء أكثر سعادة وحيوية، وهي مرحلة البدايات والشغف لاكتشاف الآخر، في هذه المرحلة يقوم الشخص بتصرفات غريبة مجنونة بسبب هرمون “السيروتونين”، كذلك يتم فرز هرمون الإدرينالين الذي يزيد من نبضات القلب ويجعل المحب يتصبب عرقًا في حالة من عدم الوعي أمام كلمات الحبيب، يرافق هذه الحالة أحلام يقظة وعزوف عن الطعام وأرق، كذلك التفكير المستمر في تفاصيل المعشوق الجديد.

في المرحلة الأخيرة والنهائية “مرحلة الارتباط” وبعد قرار الطرفين بالالتزام الطويل الأمد وتشكيل أسرة، يقوم الدماغ بإفراز هرمونين أحدهما خاص بالأنثى وهو يرتبط بمشاعر الأمومة وكذلك النشوة الجنسية وهو هرمون الأوكسيتوسين، والآخر يجعل الشخص أكثر إخلاصًا وتحملًا للمسؤولية حيث يعزز هرمون “فاسوبريسين” الرابطة بين الآباء والأبناء.  

وخلف مشاعر الحب تقف تفسيرات علمية عديدة في محاولة للكشف عن جوهره، تشير إحدى الدراسات إلى أن الإنسان ينجذب في العادة للآخر بسبب مجموعة من العناصر المادية التي إذا ما توفرت معًا بترتيب معين أشعلت ما نسميه بمشاعر الحب على أن تجتمع هذه العوامل في الزمان والمكان المناسبين.

ويقول أستاذ علم النفس في جامعة بافالو “مارك كريستال” أن توافر مجموعة معينة من العمليات الكيميائية العصبية التي تجتمع بالشكل والتسلسل الصحيح تجعل الإنسان يقع في الحب بسهولة وهي شرط أساسي يجب أن يتوافر في العلاقات العاطفية حتى تكتمل.

وتشكل رائحة الشريك جزءًا من كيمياء الجذب للطرف الآخر وفقًا لكريستال، وهناك ايضًا الفيرمونات وهي إشارات غير معلومة لا يمكن شمها تصل إلى الدماغ عن طريق الأنف وتتحكم هذه الروائح في المشاعر التنبيهية والجنسية كذلك العدوانية ومشاعر الخوف والقلق والتوتر.

ووفقًا للعلم فنحن نختار شركائنا بناء على إشارات أكثر مادية وحسية من باقي الكائنات كالإشارات البصرية والسمعية واللمسية وتتعزز هذه الإشارات مع تعمق العلاقة ودوامها لتصل إلى معرفة الشخص برائحة حبيبه بمجرد مروره بالقرب منه دون أن يراه.

الحب أعمى

عبارة “الحب أعمى” ليست مجرد عبارة جوفاء فلها هي الأخرى تفسيرها العلمي، فالشائع أن البشر يقعون فريسة سهلة للحب الذي يتحكم في كل تفاصيلنا واجسادنا وعقولنا بيد أن الحقيقة أن الدماغ هو الرابح الأكبر في هذه المعادلة.

فهو المدير والمسيطر والمدبر للمكائد، فما إن تقع عينيك على محبوبك وتداعب رائحته أنفك حتى يتدفق الدوبامين من المخ فتشعر بسعادة مفرطة لا تفسير لها ورضا وهدوء نفسي كما يتم غلق الدوائر العصبية الخاصة بالحرص والتفكير المنطقي وتهدئة مراكز المخ المسؤولة عن الخوف والقلق، فلا ترى سوى كل ما هو جميل في الشريك، ولا تسمع سوى تغاريد الطيور وهو ما يفسر عدم رؤية المحبوب لعيوب شريكه.

ينتج الدماغ البشري بدوره مواد خاصة تساهم في تأسيس علاقات الحب وتعزيز الترابط الاجتماعي، فينتج الببتيدات والدوبامين وهو ناقل عصبي موجود في الدماغ يشارك في تحفيز الشعور بالحب.

كيمياء الفراق

تتشابه آلام الحب كثيرًا وفقًا للأبحاث العلمية مع أي مرض عضوي فهي قد تقود للموت أحيانًا! وقد أثبت العلم خطورة العشق بشكل مخبري فقد سجل فريق بحث أمريكي ارتفاع درجة تاركيز هرمونات الإعياء في الدم والذي يؤدي بدوره إلى إرهاق عضلات القلب وربما إلى توقف نبضاته.

 فالحب في المقام الأول “مرض” لا يستطيع أي عقار التغلب على أعراضه وتتمثل الأعراض بمعاناة الشوق والحنين وما يصاحب ذلك من آلام الفراق بين الأحبة وما يرافقه من سهر وأرق.

تجارب أخرى كشفت أن الدماغ تدخل في حالة تشبه حالة تعاطي الكوكايين والعقاقير المخدرة لاشتراكها في تنشيط إفراز نفس الناقلات العصبية، فعند وقوع عيون العاشق على عشيقه وما إن سُحبت صورة المعشوق من أمامه تراجعت حالة الدماغ وعادت إلى حالتها الطبيعية.

دراسة ألمانية أيضًا تبين أن الفراق عن الأحبة يستبب بحالات اكتئاب نفسي حيث تم تسجيل تغييرات ملحوظة في بؤرة الدماغ المركزية المسؤولة عن تحفيز المشاعر والدوافع.

ويشترك الواقعون في الحب مع المدمنين في الشعور باللذة، فيبحث كل منهما عن الآخر مثلما يبحث المدمن عن المخدر ويشعر المحب بنفس الأعراض الانسحابية إذا افترق عن محبوبه لذا فالحب الحقيقي ليس سوى إدمانُ كبير.

قناعة كبيرة لدى الجميع بأن معادلة الحب لا تعدو كونها إحدى المعادلات الكيميائية الصرفة التي يتحكم فيها الدماغ، لكن يظل الحب من أعقد المشاعر على الإطلاق لاسيما مع اختلاف درجات الحب ذاته وأحاسيسها والظروف المحيطة والأشخاص ومدى النضج العاطفي.

إلا أن جنون الحب هو الوحيد الذي يدفعنا للتأمل فإن كنا قد قمنا بمجازفات غبية بلهاء أثناء وقوعنا في الحب، فكيف لنا أن نثق في ذلك الخاسر الغبي  والمدير الفاشل “الدماغ”؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى