العبرية في مواجهة العربية .. نحو "أسرلة" المجتمع الفلسطيني


٢٤ أكتوبر ٢٠١٧ - ١٠:٢٧ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبد الدايم

في الثاني من نوفمبر القادم تحل الذكرى المئوية لوعد بلفور الذي اتخذته الحركة الصهيونية ذريعة رسمية وصكًّا مختومًا بالمؤامرة لاستلاب أرض فلسطين وغرس دولة إسرائيل.

نجحت الحركة الصهيونية في مسعاها نحو تأسيس كيان إسرائيل في عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين (1948م)، وهو المسعى الذي بدأ قبل ذلك بعقود طويلة بهدف سرقة فلسطين والتخلص من أهلها، وعمدت الدولة الناشئة إلى نفي كل ما هو قومي وعربي فلسطيني، فعملت على مصادرة الأراضي والبيوت، ونفي الفلسطينيين وترحيلهم قسرا.

لم تكتف السلطات الإسرائيلية بذلك، بل شددت الخناق على الفلسطينيين الذين بقوا في الأرض المحتلة، فخضعوا لسلطات الجيش الإسرائيلي، وتم منعهم من تركها أو السفر منها إلا بتصريح خاص، إضافة إلى سلسلة من التدابير لمصادرة أراضي وممتلكات الفلسطينيين في الداخل، ناهيك عن اعتبارهم عملاء للدول العربية.

قانون القومية وتهويد فلسطين:-

الجدل الدائر حتى الآن في إسرائيل، خصوصا مع تصدر اليمين المشهد السياسي يتعلق بقوانين يهودية الدولة، وهو الجدل الذي تجدد مرة أخرى مع المحاولات الحثيثة لحكومة بنيامين نتنياهو لتشريع ما يسمى بقانون القومية، الذي أشارت له شبكة رؤية الإخبارية في تقرير سابق حمل عنوان: "قانون القومية في إسرائيل.. يهودية الدولة ونفي الآخر". 

في طيات المقترح اليميني للقانون ورد التشديد على المحكمة العليا في إسرائيل أن تُغلب الهوية اليهودية على الطابع الديمقراطي للدولة الإسرائيلية إذا ما تعارض التوجهان (اليهودي والديمقراطي)، وهو الأمر الذي يفسر تراجع البند الذي يصف إسرائيل كدولة ديمقراطية ليأتي بعد بنود الصدارة التي ترسخ ليهودية الدولة، وهذه البنود مفادها أن "دولة إسرائيل هي البيت القومي للشعب اليهودي، وفيه يتبلور طموحه لتقرير المصير بناء على إرثه الثقافي والتاريخي على أرض إسرائيل الوطن التاريخي للشعب اليهودي، ويهدف هذا القانون الأساس لتحديد هوية دولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي"، وفيما يخص اللغة العربية، فالقانون ينص على أن تكون لغة ذات وضع خاص، وليست اللغة الرسمية الثانية كما هو منصوص عليه حاليا، وهذا يعني أن مواد القانون تختص فلسطيني الداخل بالإقصاء، وتسعى لتهويد أرض فلسطين.

ومن المعروف أن الحركة الصهيونية وإسرائيل تسعيان من بداية الاستيطان لنفي كل ما هو عربي وفلسطيني، وبعد سرقة الأرض جاء الدور على أهلها، بسنّ قانون يلزم الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي بيهودية الدولة، في محاولة لتغييب القومية الفلسطينية واللغة العربية. 

ورد التأكيد على مبدأ يهودية الدولة ضمن وثيقة إعلان قيام إسرائيل، التي صدرت في عام 1948م، وفيها:-

"فقد اجتمعنا، نحن أعضاء مجلس الشعب، ممثلو السكان اليهود في البلاد، وممثلو الحركة الصهيونية في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على أرض إسرائيل، وبحكم حقنا الطبيعي والتاريخي بمقتضى قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة، نعلن عن إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل هي دولة إسرائيل".

 فإسرائيل تعتبر -تقريبا- الحالة الوحيدة التي يتم فيها الانتماء إلى القومية ثم المواطنة في الدولة عبر الدين، ويتم اتباع معايير وأدوات دينية لفحص الانتماء إلى هذه القومية، كما أنها اعتمدت الصهيونية حجة دينية تاريخية، وهي وجود بني إسرائيل منذ آلاف السنين على الأرض، كحجة وحيدة لتبرير السيادة والاحتلال، رغم أن الثابت تاريخيا وجود الفلسطينيين على هذه الأرض قبل وصول بني إسرائيل.

عزل فلسطيني الداخل:-

كان العزل - وما زال - عنصرا ثابتا في سياسات إسرائيل بحق الفلسطينيين في الداخل، وتمثل في النظام الإداري، وعلى الأصعدة الاجتماعية والثقافية، وهو ما عززته النظرة للفلسطينيين في الداخل باعتبارهم "طابورا خامسا".

لا يحظى المواطنون الفلسطينيون في الداخل بحقوق متساوية مع الإسرائيلي، ولا يُعترف بهم كجماعة قومية لها صفة قانونية اعتبارية جماعية، أو حقوق ثقافية واجتماعية، وينعكس ذلك في برامج التربية والتعليم، وفي الثقافة والإعلام الإسرائيلي، وفي عدم الاعتراف بذاكرتهم التاريخية كجزء من الشعب الفلسطيني، ولا بحقهم في الحفاظ على تاريخهم وهويتهم.

لم تقتصر ممارسات إسرائيل على مصادرة الأراضي والنفي، وفرض القيود على الفلسطينيين في الداخل، وإنما امتدت لتشمل العمل على تغييب اللغة العربية، فسعت إسرائيل - شأنها شأن أي مستعمر - لمحاربة لغة أهل الأرض، حيث سنّ "الكنيست" الإسرائيلي عام 1955 قانونا نصّ على وجوب وضع أي إعلان أو لافتة في الشارع باللغة العبرية، وإن كان الأمر في إحدى المناطق ذات الأغلبية الفلسطينية التي تتحدث العربية فيشغل النص العبري ثلثي المساحة، ويُوضع على رأس الإعلان أو اللافتة، وقد شكلت إسرائيل لجان لتستبدل الأسماء العربية الفلسطينية للمدن والقرى والشوارع والمتنزهات وغيرها بمسميات عبرية بدلا من المسميات الأصلية.

تغييب اللغة العربية وأسرلة فلسطين:-

يُعد تغييب اللغة العربية وبسط العبرية أحد المساعي نحو "أسرلة" المجتمع الفلسطيني في الداخل، حيث فرضت إسرائيل سياسة احتلال تقتضي تغليب اللغة العبرية على العربية في أنحاء الأرض المحتلة، ومن ثم أصبح مفروضا على الفلسطيني العربي في إسرائيل معرفة العبرية لغة وثقافة، وذلك لموافاة ضروراته الحياتية، وليس ذلك عن رضى منه أو لرفاهية التعلم والتحدث بلغة ثانية، وإنما لأنه اضطر لأن يتحدث باللغة التي فرضها عليه الواقع الجديد على أرضه المحتلة.

لهذا فإن محاولات إسرائيل المستميتة نحو عزل الفلسطينيين في الداخل، وعدم الاعتراف بحقوقهم كأقليات على الأقل، بالتوازي مع توجهات تحديد المواطنة بناء على الدين،  وإجبار غير اليهود على الاعتراف بيهودية الدولة، والفلسطينيين على لفظ العربية لغة وثقافة وتاريخا، إنما تشير إلى تناقضا في تعريف إسرائيل كدولة لمواطنيها، فالفلسطينيون داخل إسرائيل مواطنون بلا مواطنة، فهم نظريا مواطنو دولة تعلن عن نفسها أنها ليست دولتهم، وفي نفس الوقت تجبرهم على العيش بمقاييس ومعايير من تعتبرهم مواطني الدولة.

ومن نافلة القول في مسألة الأسرلة، أن إسرائيل، بجانب التضييق والعزل والتمييز ومحاولات طمس الهوية العربية والقومية الفلسطينية، فرضت على فلسطيني الداخل سياسة تعليمية تقتضي دراسة العبرية، وتعلمها لغة وأدبا وثقافة، من خلال المصادر الدينية اليهودية، والأدب العبري.

وقد أسس التأكيد على يهودية الدولة لمعظم القوانين والسياسات الإسرائيلية، ومن بينها السياسة التعليمية، التي حرصت على تنفيذ ما ورد في وثيقة قيام الدولة على هيئة مناهج تعليمية، ومن ثم حينما صدر قانون التعليم الرسمي في إسرائيل عام 1953، والتعديلات التي أضيفت عليه في عام 2000، جعل يهودية الدولة، وأسرلة فلسطين كجوهر العملية التعليمية، حيث أكد القانون على أهداف رئيسة للتعليم، هي:-

 "تعليم الإنسان أن يكون مواطنًا مخلصًا لدولة إسرائيل... يحترم هويته الثقافية ولغته، وغرس المبادئ الواردة في إعلان قيام إسرائيل، كدولة يهودية وديمقراطية... وتدريس تاريخ أرض إسرائيل ودولة إسرائيل، وتعليم شريعة إسرائيل، وتاريخ الشعب اليهودي، وتراث إسرائيل والتقاليد اليهودية، وغرس الوعي بالمحرقة...".

الآن على بعد أيام من المائة عام الأولى على وعد بلفور لم تعد نتيجة المساعي الصهيونية خافية، فالأرض الفلسطينية تتآكل، وتتسارع عمليات تهويد المقدسات والمعالم، وتغييب اللغة العربية في مقابل تصدير اللغة العبرية كلغة أم في أوساط الفلسطينيين بالداخل، ونفي كل من هو عربي وفلسطيني، وفي المقابل ما يزال المواطن الفلسطيني يتشبث بتلابيب الأمل ليعود يوما ما إلى بيته الذي يحتفظ بمفتاحه.


اضف تعليق