بعد مغامرة قصف الرياض .. ترسانة إيران الباليستية تحت الأضواء


١١ نوفمبر ٢٠١٧ - ١٠:١٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

حالة غضب انتابت النظام الإيراني حينما نشر رئيس تحرير صحيفة "كيهان" المقربة من مكتب المرشد خامنئي عنوانا يقول "الصاروخ القادم على دبي". كان الأمر أشبه باعتراف أن إيران تهدد جيرانها بالصواريخ الباليستية، بينما تردد دائمًا أنها لا تستهدف أحدًا، وهو ما أدى إلى قرار بتعطيل الصحيفة لمدة يومين رغم أنها مقربة من مكتب ممثل أعلى سلطة في إيران، وهو المرشد علي أكبر خامنئي.

ظلت إيران تكرر نفيها القاطع حول اتهامها بالوقوف وراء الصاروخ الذي وجهته جماعة الحوثي في اليمن تجاه مدينة الرياض السعودية، كانت تقلق من هذا الاتهام، لا سيما أن العقوبات الأمريكية الجديدة، وكذلك مساعي الرئيس الفرنسي ماكرون للوساطة للابقاء على الاتفاق النووي، قائمة على أساس المسألة الصاروخية الإيرانية.

بالطبع الصاروخ الباليستي الذي استهدف الرياض، والتصريحات الإيرانية وضعت الترسانة الصاروخية الإيرانية تحت الأضواء. فالاستهداف الفاشل للعاصمة السعودية الرياض بصاروخ إيراني من داخل الأراضي اليمنية جاء بنتائج عكسية لطهران، حيث جرّ انتباهة دولية لمخاطر ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وأضفى صدقية على دعوة الرئيس الأميركي إلى ربط الاتفاق النووي ببرنامج التسلح الباليستي الإيراني.

وبالطبع بالنسبة للقوى العربية والمجتمع الدولي، فالعيش في ظل تهديد الصواريخ الإيرانية لا يمكن أن يكون قدرا لشعوب المنطقة.

تأكيد أمريكي

وقد أعلن مسؤول في القيادة المركزية للقوات الجوية الأميركية، أمس الجمعة، أنه "من الواضح من هجمات الصواريخ الباليستية من اليمن أن إيران تقدم هذه الصواريخ"، في إشارة إلى الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون مؤخراً واعترضته القوات السعودية فوق الرياض، وغيره من الصواريخ التي يطلقها الانقلابيون.

وفي سياق متصل، قال جيفري هاريجيان -قائد وحدة جنوب غرب آسيا بالقيادة المركزية للقوات الجوية للصحافيين خلال زيارة لدبي- إن إيران جعلت شن هجمات بصواريخ باليستية من اليمن أمراً ممكناً. وقال هاريجيان -وهو أكبر مسؤول بالقوات الجوية الأميركية في الشرق الأوسط- إن السلطات تحقق في كيفية تهريب الصاروخ إلى اليمن.

وكثّفت إيران خلال السنوات الماضية من استعراض قوّتها الصاروخية عارضة في كلّ مرّة صواريخ بمديات متزايدة تقول إنّها مصنوعة بتقنيات محلّية.

وتشترك بلدان عربية وأخرى غربية في التحذير من خطر ترسانة الصواريخ تلك، خصوصا أنّها قابلة للتحميل برؤوس نووية لا تمتلكها إيران في الوقت الحالي، لكنّها تمتلك المواد الانشطارية القابلة للتحميل بشكل بدائي كقنابل قذرة من شأن تفجيرها في أي مكان أن يحدث تلوّثا إشعاعيا لا يزول سوى بعد مدد زمنية بالغة الطول.

ولهذا السبب تطالب إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب بربط الاتفاق النووي الذي أبرمته القوى العالمية الكبرى مع إيران بقضية تسلّحها الباليستي.

ويمكن اعتبار أنّ الصاروخ الذي أطلق على الرياض أعطى صدقية لذلك الطرح، لتكون المغامرة التي أقدم عليها متمرّدو اليمن بدفع من إيران قد أتت بنتائج عكسية لطهران.

رد فعل دولي

من الواضح أنّ القوّة الدبلوماسية للسعودية وشبكة علاقاتها المتينة عبر العالم ومع قواه الكبرى، كانت فاعلة في خلق رأي عام دولي مناهض للتسلّح الباليستي لإيران.

وكانت الضجّة المثارة حول المحاولة الفاشلة لقصف الرياض من داخل الأراضي اليمنية قد صادفت وجود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منطقة الخليج خلال زيارته لدولة الإمارات ثم السعودية، حيث عبّر عن إدانة بلاده الصريحة لاستهداف ميليشيات الحوثي للعملية مؤكدا وقوف فرنسا وتضامنها مع المملكة.

كما عبّر عن قلق بلاده الشديد من برنامج إيران للصواريخ الباليستية، مثيرا إلى احتمالات فرض عقوبات على طهران فيما يتعلق بأنشطتها في مجال التسلّح الصاروخي.

وفي الرياض، أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن استنكار فرنسا استهداف ميليشيات الحوثي مدينة الرياض بصاروخ باليستي، وأكد خلال اجتماعه مع ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، في زيارة قصيرة ليل أول من أمس، وقوف فرنسا وتضامنها مع المملكة.

في السياق ذاته، قالت ناطقة باسم وزارة الخارجية الألمانية أمس، إن ألمانيا تشارك السعودية قلقها في شأن تدخل إيران في اليمن، ودعم طهران الرئيس السوري بشار الأسد وجماعة "حزب الله" اللبنانية.

كذلك لم تتأخّر المملكة المتحدة الحليف التقليدي للسعودية ولدول الخليج العربي في التعبير عن موقفها المستاء من تزويد إيران لمتمرّدي اليمن بالصواريخ العابرة، داعية إلى فتح تحقيق أممي في القضية.

وقال وزير شؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية البريطانية أليستر بيرت: إنّ التحالف العربي بقيادة السعودية نشر يوم السادس من نوفمبر بيانا عرض فيه تفاصيل دعم إيران للحوثيين في اليمن، بما في ذلك تزويدهم بصواريخ باليستية.

وكانت قيادة التحالف العربي قد اعتبرت في البيان المذكور أنّ "ضلوع النظام الإيراني في تزويد الميليشيات الحوثية التابعة له بالصواريخ، انتهاك صارخ لقرارات مجلس الأمن، التي تفرض على الدول الامتناع عن تسليح تلك الميليشيات بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وعلى وجه الخصوص القرار رقم 2216".

وأضاف بيرت "لطالما شعرت المملكة المتحدة بالقلق بشأن دور إيران في اليمن، وقد أثرنا ذلك مع الحكومة الإيرانية"، مؤكّدا "أن تزويد الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح بالأسلحة يعتبر انتهاكا لقرارات مجلس الأمن الدولي".

وشدّد بالقول "تقلقني جدا أنباء تفيد بأن إيران زودت الحوثيين بصواريخ باليستية تهدد أمن المنطقة وتطيل أمد الصراع في اليمن".

كما رأى أن "من الضروري أن تجري الأمم المتحدة تحقيقا بشأن هذه التقارير"، معبّرا عن إدانة "المملكة المتحدة للاعتداء الصاروخي الذي شنّه الحوثيون على الرياض في الرابع من نوفمبر الجاري، والذي تعمّد استهداف منطقة مدنية واعترضته القوات السعودية فوق مطار الرياض". ولانتباهة البلدان الأوروبية لقضية الصواريخ الإيرانية وقع خاصّ على إيران لأنّها تأتي في وقت تكثّف فيه طهران من جهودها لاستثمار الاتفاق النووي في استمالة بعض تلك البلدان بفتح سوقها الاستثمارية أمامها، لكنّ تلك الجهود تتناقض جذريا مع حالة عدم الاستقرار التي تشيعها في الإقليم بفعل سياساتها في دعم الجماعات الإرهابية والطائفية مثل جماعة الحوثي في اليمن وحزب الله في لبنان والعشرات من الميليشيات الشيعية في العراق.

البرنامج الصاروخي الإيراني

البرنامج الصاروخي الإيراني هو البرنامج الذي بدأ بتطوير إيران لمنظومتها الصاروخية في فترة ما قبل الثورة الإسلامية. وتمتلك إيران بالفعل واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ الباليستية في منطقة الشرق الأوسط، إن لم تكن هي الأكبر بالفعل. وتمكنت إيران من تطوير قدرتها على إطلاق الأقمار الصناعية لتكون واحدة من بين دولتين، الثانية هي إسرائيل، في منطقة الشرق الأوسط التي تملك هذه القدرات المتطورة.

قد شكّل البرنامج الإيراني لتطوير الصواريخ في بداياته مسألة تكتنفها الأسرار ويلفّها الغموض بالنسبة للولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل، فالمعلومات عن البرنامج كانت ضئيلة ومتقطّعة. وكان على الجميع انتظار ما تكشفه إيران من مفاجآت تقنية. ورأى عدد من الخبراء بأنّه من الممكن مقارنة البرنامج الإيراني بالبرنامج الباكستاني. وقد استطاعت إيران خلال 25 سنة من البحث والتجارب، أن تنتج محركات صاروخية بقياسات صغيرة تعمل بالوقود الصلب، وأن تستعمل هذه المحرّكات من أجل تطوير صواريخ قصيرة المدى، يمكن استعمالها كمدفعية بعيدة المدى. كما تصنع إيران الآن نماذج عديدة من الصواريخ قصيرة المدى والتي يتراوح مداها ما بين 30 و 200 كم.

وقد واجه الإيرانيون مشاكل فنية عديدة منعتهم من تطوير محركات كبيرة تُستَعمَل في الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى. ويبدو أنّ إنتاج مكوّنات طويلة من الوقود الصلب ستتطلب المزيد من الوقت، وكان الروس والصينيون قبل الإيرانيين قد واجهوا الصعوبات نفسها لسنوات عديدة.

كما أورد تقرير نشرته "سي.أن.أن." في 12 تشرين الأول من العام 2015، بأنّ إيران قد أطلقت بنجاح تجربة على صاروخ عماد طويل المدى يمكن توجيهه بدقّة نحو الهدف، وهو صاروخ أرض – أرض جرى بناؤه على يد الخبراء الإيرانيين. ويُعتبَر "عماد" أول صاروخ بالستي يوجَّه بدقّة نحو الهدف، وفق ما تحدّث عنه وزير الدفاع الإيراني الجنرال حسين دهقان، والذي قال: "نتابع برامجنا الدفاعية ولا نطلب من أحد الإذن بذلك". وأضاف "هذا الصاروخ سيزيد من قدرات إيران للردع الاستراتيجي". يمكن لهذا الصاروخ الذي يبلغ مداه 1700 كلم الوصول إلى إسرائيل. وهو يعمل بالوقود السائل ووصلت دقته إلى مسافة 500م من الهدف، ويبلغ وزن الرأس المتفجر الذي يحمله 750 كلم.

رأى الخبير الاستراتيجي الأميركي أنطوني كوردسمان، بأنّ إيران قد حققت تقدّمًا مطرّداً في تكنولوجيا الصواريخ وبأنّها تُركّز بشكل أساسي على تحسين أجهزة التوجيه لهذه الصواريخ. وتراقب واشنطن باهتمام كبير جهود إيران لبناء قوّة صاروخية. وكان المتحدث باسم البنتاغون الأميرال جون كيربي قد صرّح إثر إعلان إيران في شباط من العام 2014 عن تجربتها لصاروخين أرض – أرض، وأرض – جو موجّهين بواسطة أشعة لايزر، بالإضافة إلى صاروخ بالستي قادر على حمل رؤوس متفجّرة متعدّدة، بأنّ "هذا البرنامج الصاروخي يشكل تهدياً خطيراً لأمن المنطقة".


اضف تعليق