"الكوليرا في زمن الحرب".. للموت في الشرق أسباب أخرى!


١٥ مايو ٢٠١٧

كتبت – علياء عصام الدين

هي ليست قراءة في رواية ماركيز " الحب في زمن الكوليرا" إنها الكوليرا في زمن الحرب.

في بلادنا العربية يبدو أن الحرب وحدها لا تكفي ، وليكتمل مشهد "الألم" حتى المنتهى تظهر الأمراض لتلتهم ما تبقى من بقايا نور وأمل في عيون أطفال وشباب وضعهم القدر في قلب معركة لا غالب فيها سوى الحرب والدمار والمرض والموت.

 تعاني بيئات الحروب الكثير من الأمراض وهي على اختلافها وتفاوت شدتها وخطورتها تشكل هاجسًا يطارد الضمير الإنساني.

عانى سكان سوريا الأمرين فتجرعوا من ويلات الحروب كثيرًا، ولم تشفع لهم الحرب وحدها فدخلوا في دوامة أمراضها وتبعاتها المفجعة.

تلك الأمراض كانت على صلة مباشرة مع ظروف الحرب تارة، من خلال التعرض للغازات السامة والكيماوي أوجاءت تابعة لها تارة أخرى، نظرًا للإهمال الصحي وانخفاض مستوى المعيشة وسوء التغذية وانهيار الوضع الاقتصادي.

اليمن التي كادت أن تلتهمها أحقاد الطائفية لولا تدخل التحالف العربي تتجرع هي الأخرى من ذات الكأس فقد أعلنت سلطات صنعاء حالة الطوارئ في العاصمة اليمنية واعتبرتها مدينة "منكوبة" بسبب انتشار الكوليرا بشكل فجائي  داعية الى مساعدة دولية لتجنب حصد المرض لمزيد من أرواح المواطنين.

وفي تصريحات مثيرة للقلق أكد الصليب الأحمر الدولي ارتفاع عدد ضحايا الكوليرا في اليمن إلى 180 شخصًا مشيرًا أن عدد الإصابات المشتبه في إصابتهم بالمرض 11 ألفا.

تقول منظمة الصحة العالمية أن الكوليرا اندلعت في اليمن في أكتوبر 2016 وأسفرت عن إصابة نحو 24000 حالة حتى الآن بسبب التباطؤ في التدخل الفوري لعلاج الحالات.

وحسب آخر إحصائية، للمنظمة تم تسجيل 51 حالة وفاة و2750 حالة إصابة بالكوليرا وأكدت المنظمة أن هناك 7.6 مليون شخص يعيشون في اليمن معرضون لخطر انتقال المرض.

إن عدم توفر الأدوية اللازمة للسيطرة على الوباء بكميات كافية، بسبب جفاف منابع تدفق الأدوية للداخل اليمني منذ الحرب في مارس 2015 بنسبة 70%، من شأنه أن يضاعف أعداد المصابين ويفاقم الأزمة.

كما أن توقف الخدمات وانخفضاض المرافق الصحية التي تعمل بكامل طاقتها إلى 45% بسبب تضررها وانهيارها يزيد من الأمر سوءًا.

في جنوب السودان ضاعفت وكالتان تابعتانللأمم المتحدة  تقديراتها إلى المثلين لما تحتاجهمن تمويل خلال 2017 لتغطية النفقات اللازمة لدعم النازحين، وقالت الوكالات إن هناك حاجة لجمع 1.4 مليار دولار على الأقل للمساهمةفي تخفيف مستويات المعاناة "التي لا يمكن تخيلها" فهم يقتربون إلى الهاوية حسب تعبير المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي ديفيد بيزلي. 

لقد أدت الحروب في الشرق الأوسط إلى انتشار عدد من الأمراض الفتاكة لتضيف أسبابًا أخرى للموت إلى قائمة القصف والقنابل والإعدامات والقنص والذبح.

أمراض عضوية


الكوليرا
أحد الأوبئة الخطيرة التي لا تزال موجودة حتى يومنا الحالي، تنتشر من خلال تلوث المياه والطعام.
ظهرت الكوليرا لأول مرة في الهند ومنها انتقلت إلى باقي أنحاء العالم، انتشرت بشدة في القرن الـ19 وتستهدف سنويًا من 3 إلى 5 ملايين شخص .

والكوليرا عدوى معدية تتسم بقئ غزير وإسهال مائي حاد والذي يؤدي إلى الجفاف وارتفاع درجة الحرارة تنتقل العدوى عن طريق شرب سوائل ملوثة بمايكروب الكوليرا وعن طريق الأطعمة الملوثة بالمايكروب وتتميز بفترة حضانة قصيرة.

شلل الأطفال
عرف مرض شلل الأطفال منذ آلاف السنين لكنه لم ينتشر بشكل وبائي قبل عام 1952وينتشر عبر المياه الملوثة والطعام وينتج عن تلف الجهاز العصبي.

تم السيطرة على المرض في معظم أنحاء العالم بعد تطوير لقاح خاص عام 1950 ولا يزال موجودًا في كل من باكستان والهند ونيجيريا وأفغانستان لكنه عاد ليظهر من جديد في سوريا خلال فترة الحرب.

ينتقل الفيروس المسبب للمرض عن طريق الاتصال المباشر مع المصاب به عبر الفم أو الأنف، ثم يتكاثر في الحلق والأمعاء وبعدها يمتصه الجسم وينتقل عبر الدم إلى باقي أجزائه.

فترة حضانة الفيروس ما بين 5 و35 يومًا، ولكنها في المتوسط من أسبوع إلى أسبوعين.

الجرب
مرض جلدي يصيب الإنسان والحيوان ويسببه نوع من الطفيليات المعدية لاسيما في الأماكن التي تفتقر للنظافة والعناية الصحية وتلوث المياه والغذاء وانعدام اللقاحات.

الجرب معدي وينتقل بالتلامس أو عن طريق استخدام الأدوات الشخصية وملابس المصابين زمن أعراضه الحكة القوية في الجلد والتي تنشط في الليل ويظهر على شكل بقع وحفر صغيرة محمرة في الجسم أو على شكل خطوط متعرجة رمادية اللون ويمكن تجنبه من خلال العناية بنظافة الجسم والملابس والتهوية الجيدة.

الليشمانيا
هو فيروس يصيب الدم ويضاعف مناعة الجسم ضد الالتهابات تسببه ذبابة الرمل الطفيلي والتي تنتشر في مصبات الصرف الصحي والزرائب لاسيما مخيمات اللاجئينـ ويستبب المرض في حدوث تشوهات حادة في الوجه والليشمانيا أنواع الجلدية وهي الأكثر شيوعًا والمخاطية والتي تدمر الأغشية المخاطية للأنف والفم والحلق والحشوية الأكثر خطورة والتي تسبب نقصان الوزن وتضخم الكبد وتدخل صاحبها في نوبات من الحمى, وتؤدي انعدام العناية وتراكم القمامة والدمار في الحروب بشكل عام بيئة خصبة لانتشار المرض.

التيفوئيد
واحد من أقدم الأمراض التي لازمت وجود الإنسان على الكوكب وهو مرض معدي ينتج من أكل أو شرب مواد ملوثة بأنواع بكتيريا السالمونيلا ويسبب المرض ارتفاع درجة الحرارة بشكل كبير وشعور شديد بالضعف العام وآلام شديدة في البطن فقدان للشهية ورعشة وإسهال، ويمكن تجنب المرض من خلال تطهير مياه الشرب ومراقبتها بشكل دوري والتخلص من القمامة والفضلات بالطرق السليمة.

الحصبة
فيروس حاد ومعدي يصيب الأطفال ويسبب مضاعفات خطيرة في مدة حضانته من 7 أيام إلى 18 يومًا ومن أعراضه

ارتفاع درجة الحرارة رشح وسعال احمرار في العينين وظهور بقع بيضاء في الفم في الأيام الأولى ثم طفح جلدي على باقي الجسد، تنتقل الحصبة بواسطة العطس والسعال.
 
التهاب الكبد الوبائي
ينتقل المرض من خلال الطعام أو الشراب الملوث بالفيروس وتستمر فترة حضانته 30 يومًا وينقسم إلى التهاب الكبد الوبائي "ب" الذي ينتقل عن طريق أمصال الدم والحقن الملوثة، التهاب الكبد الوبائي "ج" وهو أخطر أنواع الكبد الوبائي ينتقل عند نقل الدم الملوث والحقن والعلاقات الجنسية، والتهاب الكبد الوبائي "د".

أمراض نفسية



لايمكن إغفال ما تتركه الحروب من آثار نفسية شديدة تصاحب أصوات القنابل والرشاشات والطائرات والقصف ويعد اضطراب "ما بعد الصدمة" والمعروف بـ(PTSD) أحد أبرز الاضطرابات النفسية التي تتبع الحروب 

 عادة ما تبدأ الحالة النفسية بالتدهور قبل نشوب الحروب نتيجة للتوتر والقلق الذي يصاحب فترة الترقب وينتج عنها الضجر والعصبية الزائدة واضطرابات في النوم وصداع ويصاحب الحروب فقدان لروح المرح وكآبة وتجهم، فضلًا عن حالات الشلل الناتجة عن الصدمات العصبية عند حدوث خسائر في الأرواح أمام الجموع. 

ومن أبرز الأمراض النفسية المصاحبة لاضطراب ما بعد الصدمة  
1-  نوبات العنف وتظهر هذه بصورة عنيفة عند المرور بمواقف تحاكي موقف صادم تعرض له المريض.
2-  الانزواء حيث يفضل المصاب الاختباء  ولا يميل للاندماج في المجتمع.
3-  الاكتئاب ويظهر في البعد عن أي عمل يجلب المتعة وتغير روتين الحياة ويصاحبه استسلام ولا مبالاه في بعض الأحيان.
4-  ميول انتحارية وهي تطور خطير لاسيما بين ضحايا الاغتصاب وتزيد مع تزايد الشعور بجدوة ما يحدث
5-   العنف الشديد بحيث تكون ردود أفعال المصابين عنيفة نحو الآخرين نتيجة للصدمة
6-  يصاحب عادة الصدمات النفسية الناتجة عن الحروب  نوبات بكاء حاد ورثاء للذات حيث يسقط المصاب في نوبات بكاء طويلة.
7-  الموت المؤقت للعاطفة وهي إحدى ميكانيزمات الدفاع التي تلجأ إليها الضحايا لاستعادة السلام الداخلي لكنها في الحقيقة تقتل معنى الحياة لديهم.

وإذا كان تدارك المشكلات العضوية للحروب في الشرق الأوسط ممكنًا من خلال المنظمات الدولية والدعم المادي من الدول ومحاولة توفير اللقاحات والعلاجات وإصلاح البنيات التحتية تظل المشكلات النفسية راسخة في الوجدان تحفر في الضمير العربي ندبة لا تلتأم ولا تنسى. 
ندبة تذكرنا دائمًا بالموت القادم إلى الشرق،  فمع كل إشراقة صبح  نتذكر جراحنا تلك التي لا تسقط بالتقادم.
 



التعليقات

  1. أبو إيآد ١٥ مايو ٢٠١٧ - ١١:٥٠ ص

    مشكورة أختى ع التقرير الوافى عافانا الله وإياكم .. تحياتى

اضف تعليق