علم مصر.. جندي مخلص يرفرف حرا في اللحظات العظيمة


٣١ يوليه ٢٠١٧

أماني ربيع

"تحيا جمهورية مصر العربية".. ثلاث مرات كنا نهتف بها بقلوبنا قبل حناجرنا، يوما ما كان الطابور طقسا صباحيا حماسيا في المدارس، برنامجه الروتيني اليومي كان يبثنا -لا شعوريا- حبا وانتماء لثلاثة أحرف تكون كلمة عنت لنا وقتها كل شئ.

كان الصبي أو الفتاة اللذان يقع عليهما الاختيار يقفان في ثبات تمثالا فرعونيا وقارا يلف الوجه البرئ الصغير الصدر ينتفخ لا إراديا الوقفة عسكرية وكأنما هو مقاتلا في الميدان المدرسة تتوشح بسكون عميق قبل أن يهدر الهتاف "تحيا مصر"، يليه كورال جماعي يتغنى "بلادي بلادي" مصاحبا لأوركسترا طفولية نشازها يغرد بالوطنية والحب الصافي.

ارتبط العلم المصري في أذهان الكثير من المصريين بالألوان الثلاثة الأسود والأبيض والأحمر والنسر متربعا قلبه، كان هذا هو علم النصر الذي شاهدنا الجندي المصري يرفعه دلالة على الانتصار في أكتوبر 1973.


 يقول الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور في قصيدة رقيقة تصف لحظة ظهور الجندي والعلم إنها كانت لحظة مجردة تحولت إلى معنى كبيرا وساميا وكأنما تماهى الجندي مع العلم على الشاشة ليصنع صورة الوطن الإنسان والمكان كان العلم يرفرف حرا مزهوا كذلكا لجندي في وقفته الشامخة كالطود العظيم.

ينثر عبد الصبور كلماته مع دموع فرحته قائلا: 

تمليناك حين أهلَّ فوق الشاشة البيضاء/ وجهك يلثم العلما/ وترفعه يداك / لكي يحلق في مدار الشمس/ حر الوجه مقتحما/ ولكن كان هذا الوجه يظهر، ثم يستخفي/ ولم تعلن لنا الشاشة نعتا لك أو إسما/ ولكن، كيف كان اسم هنالك يحتويك ؟/ وأنت في لحظتك العظمي/ تحولت إلي معني كمعني الحب/ معني الخير/ معني النور/  معني القدرة الأسمي/ وقد وقفت علي قدمين/ لترفع في المدي علما/ يحلق في مدار الشمس/ حر الوجه مبتسما.


كما نبحث عنه في الانتصارات يبحث هو عنا كما حدث مع عمرو طلبة الشاب المصري الذي زرعته المخابرات المصرية في إسرائيل باسم موشى زكي رافي وكان مطلوبا منه تجميع ورصد معلومات عن خط بارليف، نجح طلبة في تقديم كل ما طلب منه وأكثر وعرض نفسه للخطر بإرسال كل ما يقع تحت يديه من معلومات عن الجيش الإسرائيلي لكنه لم يبال، وعندما شاهد طلبة، حلم النصر يتحقق أمام عينيه والطائرات المصرية في السادس من أكتوبر تعبر فوقه نسى تحذيرات السلامة والأوامر التي طلبت منه مغادرة خط بارليف قبل الساعة الثانية ظهرا من يوم السادس من أكتوبر عام 1973، وانطلق مهللا مكبرا فرحا ببشاير النصر وأخذ يوجه عبر اللاسلكي الطائرات المصرية إلى مخازن السلاح وعنابر الجنود الإسرائيليين الذين فروا كالفئران المذعورة، وطالته نيران الجنود المصريين باعتباره عدوا إسرائيليا.

مات طلبة راضيا عن نفسه ووطنه الذي انتصر انتصارا غاليا، وبعد عبورة القناة وتحطيم بارليف، عبرت بعض القيادات العسكرية مع ظباط المخابرات الضفة الشرقية وبحثوا عن جثة العريف الإسرائيلي ووضعوه في صندوق خشبي الذي وقفت أمامه القيادات في ثبات لتحييه بالتحية العسكرية، ونقل إلى القاهرة في لباس الجنود الإسرائيليين، واحتضنته مصر بعلمها الذي لف جثمانه.


ولم يكن علم الألوان الثلاثة الذي يتوسطه النسر والذي نعرفه جميعا، هو شكل العلم المصري منذ البداية فقد تغير عبر العصور المختلفة، ويذكر المؤرخون أن المصريين القدماء هم أول أمة استخدمت الرايات والأعلام كرمز، وهو ما ظهر جليا فى نقوش المعابد المصرية التي أظهرت هذا الاستخدام سواء في الاحتفالات أو الحروب.

ولم تعرف مصر العلم الوطني إلا في وقت متأخر، وقبل كلمة العلم استخدمت كلمة "الراية" لتحديد هوية الأفراد من طبقة النبلاء، أو النقابات، والمدن، والعبادة الدينية، وكذلك في المعارك، حيث كانت المجموعات العسكرية تستخدم  الأعلام لتحديد الهوية في ميدان القتال، ومع الوقت تحول العلم ليصبح رمزا للأمة أو البلد.




وكان أول علم في مصر هو علم الإمبراطورية العثمانية عندما كانت مصر ولاية تابعة للعثمانيين في عهد الوالي محمد علي الذي أصدر فرمانا بتخصيص علم يرمز لمصر، وكان العلم المصري في ذلك الوقت متشابها مع العلم العثماني ويميزه نجمة خماسية، وكانت تلك النجمة هي وسيلة التمييز الوحيدة بين سفن الأسطول المصري ونظيرتها التركية خلال حصار أساطيل الدول الأوروبية التي ساندت العثمانيين ضد محمد علي.
وطوال حكم الأسرة العلوية ظل العلم العثماني مرفوعا فوق المنشآت المصرية بلونه الأحمر يتوسطه ثلاثة أهلة أمام كل هلال نجمة ترمز إلى قارات أروبا وأفريقيا وىسيا وهي القارات التي انتصر فيها الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا في حروبه.

علم الخديو


حاول الخديو إسماعيل إقامة بعض التغييرات في علم أبيه وتحديدا عام 1867 وظل لون العلم كما هو لكن أضاف إليه 3 أهلة بيضاء أمام كل منها نجمة بيضاء خماسية ترمز إلى مصر والنوبة والسودان ظل معمولا به حتى عام 1882، وبعد الاحتلال البريطاني لمصر عاد العلم العثماني مجددا حتى عام 1914، الذي أعلنت فيه الحماية البريطانية على مصر لينتهي بذلك ارتباطها بالدولة العثمانية، وهو ما استوجب تخصيص علم جديد للدولة المصرية، ومن ثم عاد علم الخديو إسماعيل للظهور من جديد كعلم رسمي للسلطنة المصرية حتى عام 1923، وبهذا يصبح علم الخديو هو العلم الذي خرجت به ثورة الشعب المصري عام 1919، وكان كفنا لأجساد الشهداء الذين سقطو برصاص المحتل الإنجليزي.

1919.. أنا المصري كريم العنصرين


مع اندلاع ثورة 1919 ظهرت الروح الوطنية المصرية جلية في كل طوائف الشعب وغنى سيد درويش "أنا المصري كريم العنصرين/ بنيت المجد بين الأهرامين"، تلك الروح جعلت القس يخطب في الجامع والشيخ يهتف في الكنيسة ليظهر علم يعانق فيه الهلال صليبا ليصبح هذا رمزا للثورة التي رفعت شعار "الدين لله والوطن للجميع".

العلم الملكي.. مصر المستقلة


تحولت مصر رسميا إلى مملكة مستقلة بعد صدور تصريح 28 فبراير عام 1922 وتحولت من سلطنة إلى مملكة وأصبح الملك فؤاد ملكا وأصدر فى 10 ديسمبر سنة 1923 قانون العلم الأهلي الذى أصبح بمقتضاه علم مصر أخضر ذو هلال أبيض ونجوم ثلاثة بيضاء وكان اللون الأخضر يرمز لخضرة الوادي والدلتا بينما الهلال رمز الدين الإسلامي الذي يدين به غالبية المصريين، بينما النجوم الثلاثة ترمز إلى مصر والسودان والنوبة.

 تحت هذا العلم خاض الشعب المصرى كل معاركه ضد الاحتلال البريطانى بعد ثورة 1919، فهو العلم الذى رفعه أبناء الشعب فى مظاهراتهم، وهو العلم الذى رفعه الطلبة والعمال سنة 1946، ولف نعوش شهداء معارك القناة فى سنة 1951 و 1952، وهو العلم الذى رفع على قاعدة القناة بعد جلاء القوات البريطانية عنها وعلى مبنى قناة السويس بعد تأميمها، وخاض تحته الشعب فى بورسعيد معركته ضد العدوان الثلاثى سنة 1956، وظل علما لمصر حتى قامت الوحدة المصرية السورية وأعلنت الجمهورية العربية المتحدة في 22 فبراير سنة 1958.

علم أحرار 23 يوليو


بعد خروج الملك فاروق من مصر في يوليو 1952، تحول علم الضباط الأحرار رمز ثورة يوليو إلى علم مصر إيذانا بانتهاء الملكية، واستخدم لأول مرة عند الاحتفال بمرور 6 أشهر على حركة الجيش كرمز لهيئة التحرير وتم العمل به إلى جانب العلم الأخضر ذى الهلال الأبيض والنجوم الثلاثة.

وكان هذا العلم أول علم بثلاثة ألوان في مصر هي الأحمر والأبيض والأسود، يتوسطه نسر صلاح الدين المنقوش داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة والذي كان يتخذه شعاراً للدولة الأيوبية، يحمل النسر درعا أخضر يتوسطه هلالا أبيض اللون وثلاث نجوم.

علم الجمهورية المتحدة


بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 تمت إضافة بعد التغييرات لعلم الضباط الأحرار فأصبح الإقليم الشمالي رمزا لسوريا والجنوبي رمزا لمصر، وأزيل النسر ليصبح مكانه نجمتين خماسيتين باللون الأخضر ترمزان إلى مصر وسوريا، ورغم الانفصال عام 1961 ظل هذا العلم ساريا حتى عام 1971.

علم النصر


منذ عام 1971 حتى عام 1984 ظل العلم بألوانه الثلاثة واستبدلت النجمتين بالصقر رمز اتحاد الجمهوريات العربية الذي تمت إقامته بعد وفاة عبد الناصر وتولي السادات بين مصر وسوريا وليبيا، وهذا العلم هو الذي خاضت به مصر خلال حرب 1973.

العلم الحالي


بعد تولي مبارك حكم مصر بثلاثة سنوات وتحديدا في أكتوبر عام 1984 ظهر العلم المصري بشكله الذي نعرفه حاليا بألوانه الثلاثة الأحمر يرمز لدماء الشهداء والأبيض رمزا للسلام، والأسود هو الاستعمار الذي تخلصت منه مصر.


اضف تعليق