أسباب الإحباط والتطرف بين اللاجئين هل تتحمله الحكومة الألمانية ؟


٠٢ أغسطس ٢٠١٧

رؤية ـ جاسم محمد
 
عادت التساؤلات حول استقبال اللاجئين إلى الواجهة في ألمانيا بعد أن لقي شخص حتفه يوم 28 يوليو 2017 إثر تعرضه لاعتداء طعن بأحد المتاجر في مدينة هامبورغ.

التحقيقات الأولية، ذكرت أن المهاجم يبلغ من العمر26 عاما، ودخل ألمانيا عام 2015 قادماً من النرويج بعد أن رفض طلبه وصدر بحقه قرار الترحيل.

السلطات الألمانية  صنفته من قبل بأنه"مشتبهاً به" نتيجة "مؤشرات تدلّ على تطرف" ديني، بيد أن وزير داخلية ولاية هامبورج آندي غروته لفت إلى أن منفذ الاعتداء يعاني من مشاكل "نفسية".
 
وبات معروفا، أنه في أعقاب كل حادث إرهابي تتصاعد دعوات ساسة ألمان، داخل الائئتلاف الحاكم أو أحزاب المعارضة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة إزاء استقبال اللاجئين والهجرة، وتسريع ترحيل المرفوضة طلباتهم.

وهذه الحادثة، أعادت الجدل حول استقبال اللاجئين في ألمانيا إلى الواجهة لأن المشتبه بتنفيذه للهجوم طالب لجوء رُفض طلبه.
 
ملف اللاجئين في صدارة الحملات الانتخابية
 
تناول مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي مارتن شولتس قضية اللاجئين في برنامجه الانتخابي، وربط قضية اللاجئين بموضوع التهديات التي تواجهها المانيا من قبل الجماعات المتطرفة، وما شهدته ألمانيا من عمليات إرهابية.

ما يسعى له شولتز، هو توجيه الانتقادات الى المستشارة الألمانية ميركل، كونها اعتمدت سياسة"الأبواب المفتوحة" لينتج منها حالة تردي الأمن في المانيا وأوروبا.

وهنا من الجدير بالذكر أن المستشارة ميركل، تراجعت عن سياستها حتى وصلت حد الارتداد وقريبة من سياسة اليمين المحافظ في ألمانيا، ضمن استعدادها للحملة الانتخابية والانتخابات العامة التي ستجري خلال شهر سبتمبر من هذا العام 2017. هذه التطورات تدفع بملف اللاجئين لان يكون في صدارة الحملات الانتخابية للمرشحين.
 
كيف سيكون الوضع الأمني حتى موعد الانتخابات؟
 
تعيش ألمانيا حالة من التأهب، خلال هذه المرحلة، وضمن حسابات الحكومة الألمانية، بأن وقوع أي عملية إرهابية محتملة، سيؤثر كثيرا في مزاج موقف الناخب الألماني.

وما يدعم هذه الفكرة هي ما شهدته فرنسا خلال شهر أبريل 2017 من عمليات إرهابية وإطلاق نار ما قبل الانتخابات، وكذلك ما شهدته بريطانيا من عمليات دهس إرهابية مطلع شهر يونيو 2017، أيضا ما قبل الانتخابات، صبت جميعها نسبيا لصالح أحزاب اليمين المتطرف، رغم عدم فوزها بالانتخابات. و يقول خبير العلوم السياسية فيرنر باتزلت من درسدن: " بقدر ما تكون توجهات الأحزاب أكثر يمينية ، بقدر ما تكون المطالبة أكثر بعدم تغيير ثقافة البلاد، كما تقل العوائق لفرض هذا المطلب أيضا على المهاجرين. وهذه المطلب  يتمثل في وجوب تقبل نموذجنا الثقافي"، حسب قول الخبير.
 
سياسة الترحيل

القانون الجديد يسمح بترحيل المرفوضة طلباتهم خلال ثلاثة أشهر، بعد التاكد من اوراقهم وخاصة وثائق او جوازات السفر ويحق للسلطات الالمانية تمديد فترة الاحتجاز قبل الترحيل من أربعة إلى عشرة أيام. 
 
تقارير هيومن رايتس اكدت بان المانيا استقبلت 890 ألف مهاجر في 2015 و280 ألف طالب لجوء في 2016، ما أدى إلى حالة قلق واسعة النطاق بشأن الأمن المحلي، واندماج اللاجئين والمهاجرين الآخرين، وكذلك تعزيز الدعم لحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني. واستنادا إلى إحصائية جديدة لوزارة الداخلية الألمانية أنه قد غادر 16645 شخصا طوعا ألمانيا عائدين إلى بلادهم حتى نهاية شهر يونيو 2017 عن طريق برنامج الدعم المشترك بين الحكومة الاتحادية والولايات، وبلغ عدد الأشخاص الذين استخدموا برامج الدعم من أجل العودة إلى بلادهم 8468 شخصا خلال الربع الأول من العام الحالي 2017.

وفي سياق الانتقادات الى سياسة الترحيل القسري، تعرض مقترح وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزير الخاص بإنشاء مراكز اتحادية لتجميع طالبي اللجوء المرفوضة طلبات لجوئهم لانتقادات شديدة من قبل أحزاب المعارضة وصف حزب اليسار المعارض المقترح بأنه "معاد للإنسان".
 
النتائج
 
الإحباط وراء تنفيذ عمليات إرهابية
 
بعد مراجعة العمليات الإرهابية التي شهدتها المانية خلال عام 2016  و 2017، يظهر ان اغلب منفذي هذه العمليات هم من اللاجئين اللذين تم رفض طلبات لجوئهم. هذه الحقيقة تقود الباحث الى ان تنفيذ عمليات ارهابية من وحي تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، ليس بالضرورة ان يكون الشخص متطرفا او يحمل ايدلوجية  التطرف، بل يتخذ تنظيم داعش وسيلة يركبها من اجل الانتقام.

اعترافات بعض منفذي العمليات اشارت بان هذه الشريحة تحولت الى التطرف، بسبب الشعور بالاحباط  وبالظلم في اعقاب وصولهم الى المانيا. اللاجيء قبل ان يصل المانيا ودول اوروبا، لديه الكثير من الطموحات، لكنه يصاب بالاحباط والشعور بالظلم، بسبب رفض طلب اللجوء وكذلك سوء سياسات دوائر الهجرة وتعاملها  مع ملف اللاجئين ويكمن الخطأ ربما، في الامكانيات الادارية الى دائرة الهجرة، في مراجعة وحسم ملفات اللجوء، والبعض الاخر كان متعلقا، بقرارات سياسية اتخذتها الحكومة الالمانية، لها صلة في استعدادتها الى الانتخابات.
 
اللاجئين مادة سهلة للجماعات المتطرفة
 
الشباب من اللاجئين، اصبحوا في المانيا وغالبية دول اوروبا، مادة سهلة امام الجماعات المتطرفة، تصل الى حالات التجنيد والارتباط التنظيمي، او التأثر بأيدلوجية التطرف وعرضة الى غسل الدماغ. وهذا مادفع هيئة حماية الدستور التعبير عن قلقها حيال المحاولات التي يقوم بها سلفيون وإسلاميون بين اللاجئين لاستقطاب عناصر جدد. ويقول رئيس الهيئة هانز- غيورغ ماسن "إن هناك حتى الآن أكثر من 340 حالة معروفة بالنسبة لنا وان تلك فقط هي الحالات التي علمنا بها وربما هناك حالات أكثر". وشدد ماسن على أنه لا يتعين التركيز فقط على تنظيم "داعش" الذي من المحتمل أنه يرسل إلى أوروبا فرقا إرهابية، مثلما حدث في باريس وبروكسل،  ولكن يمكن أن يكون هناك أيضاً جناة يعملون بصورة فردية ويميلون إلى التطرف فيتلقون مهاماً في هذه الخصوص.
 
التوصيات
 
ماتسعى اليه الحكومة الالمانية خلال هذه الفترة، هو العمل تسريع عمليات ترحيل اللاجئين المرفوضة طلباتهم، علما بان اسباب رفض طلبات اللاجئين، تنظر لها المانيا انها مسألة تتعلق [ بالحفاظ على الثقافة الالمانية] اكثر ماتكون مسالة اقتصادية. وهذا خطأ وقعت فيه الحكومة الالمانية، وممكن وصفه بان اليمين المتطرف نجح بجر الحكومة الى جانبها، وينبغي عليها تنفيذ سياسات الاندماج الاجتماعي التي وعدت بها.
 
ان سياسة الترحيل القسري والاجراءات الادارية لدائرة الهجرة واللجوء في المانيا تعمل على حرمان اللاجئين من فرص البقاء والعيش، وتسلب حق اللجوء، رغم ان غالبيتهم وصلوا الى المانيا هربا من الارهاب في اوطانهم الاصلية ، وهذا مايتعارض مع اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بحق اللجوء والذي يعتبر روح الاتحاد الاوروبي. وان الاجراءات التي تتخذها المانيا ازاء اللاجئين، خاصة المرفوضة طلباتهم، ممكن ان تكون واحدة من الاسباب للاندفاع نحو التطرف وتنفيذ عمليات "انتقامية" ارهابية.

ما تحتاجه المانيا هو عدم زج المرفوضة طلباتهم في معسكرات تشبه بمعسكرات الاعتقالات والعقاب الجماعي ومعاملة اللاجئين وحتى المرفوضة طلباتهم بما يضمن كرامتهم وإنسانيتهم وفقا للمواثيق الدولية التي تضع كرامة الإنسان أولا والأخذ بنظر الاعتبار تداعيات هذه السياسة على التطرف والإرهاب.
 
*باحث في قضايا الإرهاب والاستخبارات


اضف تعليق