القوة الناعمة لمصر (1).. كيف تعود وإلى أين توجه؟


٢٥ سبتمبر ٢٠١٧


هيثم البشلاوى 


"إن رسالتي اليوم ليست حول موازنة الدفاع أو القوة العسكرية. رسالتي تتعلق بطرح استراتيجية جديدة حول كيفية مواجهة أمريكا للتحديات الدولية القادمة في العقود المقبلة. وأقترح هنا أن تعمل الولايات المتحدة  على استحداث أدوات أخرى لقوتها القومية بهدف مواجهة التحديات الخارجية. ووفقاً لخبرتي التي خدمت من خلالها سبعة رؤساء، وكمدير سابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية ( CIA )، ووزير دفاع ، أقول لكم إنني أتيت إلى هنا لأعزز فكرة استخدام القوة الناعمة لكي تصبح قوة فاعلة توفر وقود وتكلفة القوة الصلبة" 

بتلك الكلمات وقف روبرت غيتس Robert M. Gates ليدشن دخول مصطلح القوة الناعمة إلي ترسانة  الولايات المتحدة الامريكية ..ربما نعتقد  ان غيتس اطلق مسمي جديد لأدوات قديمة كالحرب النفسية  كأداة تأثير واختراق للعدو، ولكن  ان كان يقصد هذا فما هو الجديد فاغلب طرفي صراع الحرب العالمية الثانية استخدموا بالفعل  ادوات الحرب النفسية  . وهنا دعونا نوضح الفارق بين ما نعتقد نحن وبين ما يقصد غيتس

فالحرب النفسية كانت  بمثابة  الاصدار التجريبي لمفهوم القوة الناعمة الذي  اتضح  من خلاله مدي قوة تأثير المعلومات المغلوطة في انهاك واستهلاك العدو ، و مدي قوة الدعايا والاعلام في تعبئة موارد الدول ورفع حالة استعدادها  للحرب.

ولكن لما نتكبد تكاليف  الحرب الميدانية طالما يمكننا إنتاج إصدار جديد من الحرب النفسية باطار مدني اجتماعي ليكون هذا الإصدار  قادر على شل أو تشتيت عوامل قوة العدو باختراق بنيته الاجتماعية بشكل يبدوا عشوائي .

مفاد الفكرة لماذا  نترك العدو يبني قوته الاجتماعية والثقافية بما يمكنه من أمثلاك مشروع يهدد مصالحنا السياسية والاقتصادية ، هذا بالتأكيد ما قصد غيتس وهذا بالتأكيد ما يتم بالشرق الاوسط .

ودون استغراق في توصيف المصطلح اجعلونا نضع مصر كحالة تطبيق للقوة الناعمة 

بلا تحيز كانت تجربة ناصر هي الاكثر قدرة على التعبير عن قوة مصر الناعمة فهي التي جعلت العدو يدرك قدرة مصر في الاحتواء لا الهيمنة , ادعاء عدم الانحياز وفي نفس الوقت رفض الاستعمار.

تلك الحالة الإقليمية لقوة مصر الناعمة في أفريقيا والشرق الاوسط  كان ينبغي لمصر أن تدفع ثمنها من حساب قوتها العسكرية   فكانت  يونيه 1967كاشفة  لخلل في معادلة التوازن بين قوة الدولة الشاملة وبين تعبيرها عن مشروعها من خلال قوتها الناعمة. ومن هنا يجب أن ندرك الفاصل بين القوة الناعمة والحرب الناعمة فهو تماما كالفارق بين  امتلاك القوة العسكرية واستخدامها  بالهجوم  أو الدفاع. فمصر عملت على امتلاك مقومات القوة الناعمة (تعليم – ثقافة –فن ) وتسرعت في توجيهها وتشتيتها .وكان المفترض بنا امتلاك القوة الشاملة وترسيخ اركانها ثم التحرك للتعبير عنها .ربما كنا مضطرين لذلك تحت ضغط المواقف والتوقيت . ولكن اذا كان التاريخ كذلك فكيف يمكننا  وضع تصور لعودة قوة مصر الناعمة؟ ومن أين علينا أن نبدأ..

هل نبدأ من  المدرسة ,من الاعلام , من الفن ... الحقيقة  ربما الثلاثة يحققوا التكامل كعناصر للقوة الناعمة ولكن الصادم أنهم ليسوا المصدر والمرجعية لتلك القوة. فهم فقط ادوات قوية، ولكن المصدر الحقيقي  لتحقيق القوة الناعمة المستدامة بل والقوة الشاملة هو هوية مصر وشخصيتها الحضارية، تلك الهوية التي لا يمكن اختزالها في توجهات ايدلوجية لفصيل أو حتي منظومة دولة .

فهوية مصر تمتلك منفردة نصف القوة الناعمة المستدامة  .تلك الهوية التي ليست حبيسة عبادة ذاتها الوطنية كما انها ليست ناكرة لقوميتها او عقيدتها . تلك الثلاثية  التي تمتلكها هوية مصر تجعلها تقف امام مجال تأثير عربي بموروث قوميتها و مجال إسلامي بحكم تاريخها وعلمها . وبعد أفريقي بحكم امتدادها ولكن اذا كانت هويتنا الوطنية تمتلك تلك المقومات من القدرة فلما العجز ..والإجابة باختصار هو محاولات سلخ مصر من هويتها الجامعة لمفردات قواتها .. فقط اجعلونا نفتش في التاريخ وسنجد ان مصر كانت قادرة على ايجاد نمط من التوازن  بين مقومات هويتها ومسارات متوازية للتحرك من خلالها. حتي تم الانفتاح، فتم اختزال هوية مصر في التيارات الدينية والليبرالية للوقوف امام التيار القومي .

هنا لنا ان نقف لنجد ان في تلك اللحظة أنه  تم تشتيت المجتمع خلف مقومات هوية مصر وليس خلف الهوية ذاتها، وأصبح كل مكون اجتماعي يري انه يعبر منفردا عن هوية مصر. حيث عمل كل طرف علي تجريف المقومات الأخرى وتسيسها بحكم الصفقات والمصالح  وذلك بعد استيراد منهجيات جديدة أكثر تطرفا وتعصبا لرؤيتها المشوهة .

ربما يظن البعض اننا انجرفنا نحو موضوع اخر ولكننا في الحقيقة حاولنا أن نقف على صميم وعصب موضوع قوة مصر الناعمة (المستدامة وليست المرحلية )  وعلي كل ما سبق يمكننا أن ندعي كون البداية الجادة  لإعادة انتاج قوة مصر الشاملة بأدواتها الناعمة لن تكون الا بامتلاك  مصر مشروعا فكريا واجتماعيا لا يفاضل بين مقومات شخصيتها ( الوطنية- القومية- الدين ) بما يحقق لها القدرة علي التحرك لتحقيق قوتها من خلال تلك المقومات، وكان ما سبق مجرد مدخلاً للبدء فى عرض سلسلة قوة مصر الناعمة التى سنتعرف من خلالها على الأدوات المطلوب لتحقيق هذة القوة وإلى أين توجه.




اضف تعليق