الدولة الكردية في سوريا .. تهديد مباشر للقومية بتركيا


٢٩ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠١:٤٥ م بتوقيت جرينيتش

رؤية

قد تختلف الأحزاب التركية على كافة القضايا، لكنها تتفق على التصدي لأي محاولة لإنشاء كيان كردي في شمال سوريا، لأن هذا كيانًا سيؤدي إلى تشجيع كرد جنوب تركيا على التمرد وربما العودة إلى حمل السلاح ضد الدولة التركية.. حالمين بوصل المناطق التي يزعمون أنها "أرضهم التاريخية" في شمال سوريا، وجنوب تركيا، وصولا إلى استنساخ تجربتي كرد العراق وحراك كرد سوريا!

البعد الديموغرافي لتركيبة الدولة التركية سكانيا هو قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت، ولعل هذا الأمر هو أخطر ما يمكن أن تواجهه تركيا حتى وإن لم يجر الحديث عنه بشكل علني، فوجود ملايين الكرد والعلويين الأتراك يمكن أن يجعل منهم ركنا أساسيا في أي مخطط مستقبلي يستهدف وحدة الدولة التركية.

ولأسباب تتعلق بالأمن القومي للدولة التركية، نجد أن التدخل التركي اليوم بات بحكم الأمر الواقع الذي فرضه تمدد الميليشيات الكردية شرقا وغربا، وأذرع تركيا باسم محاربة الجماعات المتطرفة مثل "داعش".

أيضًا لأسباب تتعلق بخطط تركيا المستقبلية نحو تطوير النظام السياسي، فالانتقال إلى النموذج الرئاسي لم يكن من أجل إشباع رغبات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فحسب، إنما الأمر يتعلق بمساعي حكومة العدالة والتنمية لتحقيق نموذج أمريكا الشرق الأوسط، وهو هضم مناطق ودول مجاورة، وحل مشاكل العرقيات الداخلية تحت نموذج الدولة الفيدرالية، والانتقال من الدولة القومية إلى الدولة المدنية.

الحاجة إلى التدخل المباشر

بات الأمن التركي لا يتحمل الاعتماد على وكلاء وهو ما تطلب اتخاذ نهج أكثر مباشرة، فيشير المحلل السياسي جاكوب شابيرو في تقريره "تركيا والقوة الخطرة في شمال غرب سوريا" الذي نشرته جيوبوليتيكال فيوشرز إلى مسألة التدخل التركي المباشر في سوريا، وجاء في تقريره:-

بدأت القوات التركية حشوداتها على الحدود الجنوبية الغربية مع سوريا الأسبوع الماضي، وقد تم إرسال ما يصل الى 80 مركبة عسكرية، بما في ذلك عدد غير معروف من الدبابات وشاحنات المساعدات الطبية، إلى جزء من مقاطعة هاتاي التي تبعد حوالى 30 ميلا عن الحدود.

وأفيد بأن قافلة أخرى من عدد غير محدد من المركبات العسكرية أرسلت إلى منطقة أخرى في هاتاي، على بعد ميلين فقط من الحدود السورية، كما شوهدت مجموعة ثالثة من 20 مركبة عسكرية بالقرب من الحدود بالقرب عند معبر باب الهوى في سوريا، على بعد حوالي 7 أميال من الريحانية.

وفي حد ذاتها، قد تبدو هذه الحركات غير ضارة، فعادة ما يكون من الطبيعي بالنسبة لتركيا نقل الجنود والأعتدة حول حدودها اعتمادا على المكان الذي تعتقد فيه أن التهديدات قد تنشأ. ولكن السياق هو كل شيء، وسياق عمليات النشر هذه ليس روتينيا. في 15 سبتمبر / أيلول، وافقت تركيا وإيران وروسيا في أستانا على إنشاء منطقة آمنة في محافظة إدلب السورية، إلى الغرب من حلب. وأفادت الأنباء أنهما اتفقتا على تقسيم المقاطعة الى ثلاث مناطق كل منها يسيطر عليها قسم مختلف. وفي اليوم نفسه، أفادت صحيفة تركية موالية للحكومة أن 25 ألف جندي تركي كانوا يستعدون للانتشار في محافظة إدلب، بهدف السيطرة على منطقة تبلغ مساحتها نحو 2000 ميل مربع يقطنها أكثر من مليوني نسمة.

وحتى الآن، اختارت تركيا البقاء بعيدا عن المعركة في سوريا بقدر ما تستطيع، وكان الاستثناء الرئيسي هو عملية درع الفرات من أغسطس/آب 2016 إلى مارس/آذار 2017. بيد أن نطاق هذا التوغل مبالغ فيه من جانب كل من تركيا ووسائط الإعلام الرئيسية، وكانت درع الفرات عملية محدودة مدتها سبعة أشهر شارك فيها حوالي 8000 جندي تركي. وكان هدفهم المعلن دعم أنشطة الجيش السوري الحر لدفع مقاتلي الدولة الإسلامية إلى العودة عن الحدود التركية. (كان الهدف الحقيقي من ذلك هو إضعاف وحدات حماية الشعب الكردية، ولكن العملية لم تأخذ أي أراض من وحدات حماية الشعب). وتحمل الجيش السوري الحر العبء الأكبر من الضحايا.

ويبدو الوضع في شمال غرب سوريا أكثر تعقيدا. الأكراد السوريون يسيطرون على كانتون عفرين، وهو ما يسبب الكثير من الغضب التركي. كما أن هيئة تحرير الشام (تنظيم القاعدة أو جبهة النصرة سابقا) تحكم مدينة إدلب التي استولت عليها مؤخرا من أحرار الشام المدعومة من تركيا، وكذلك على الحدود التركية. غادرت قوات المعارضين المناهضة للأسد إلى مدن إدلب ومحيطها بعد أن خسرت معركة حلب. ولم يتخل نظام "بشار الأسد" عن طموحاته لاستعادة الأراضي.

إن وجود العديد من المجموعات المختلفة يعني أن هناك العديد من القوى الخارجية التي لها مصلحة في ما يحدث في شمال غرب سوريا، وتدعم تركيا المناهضين للأسد، المحاصرين في محافظة إدلب، ولكن خطوط الإمداد غير واضحة في أحسن الأحوال.

وتدعم كل من روسيا وإيران "نظام الأسد"، وعلى الرغم من أن تركيا قد توصلت إلى تفاهم معهما لكن على المدى الطويل تختلف مصالح هذه الدول الثلاث في سوريا اختلافا كبيرا.

تركيا ليست مهتمة برؤية قوة مؤيدة لروسيا أو مؤيدة لإيران مستقرة في المنطقة وربما تهدد جنوب تركيا. ويشكل الأكراد السوريون مشاكل واضحة بالنسبة لتركيا، وكذلك هيئة تحرير الشام، والتي على الرغم من أنها تراجعت عمدا من تحت الرادار العالمي الذي يركز على تنظيم الدولة فإن لديها رؤى لا تتماشى مع تركيا.

وفي هذا الوضع غير المستقر الذي يتجه نحو فراغ السلطة. إذا لم تقم تركيا بملأ الفراغ، سوف يقوم شخص آخر، وكل الخيارات المحتملة ليست جيدة لتركيا.

تركيا الكبرى

هذه ليست مجرد مشكلة حديثة، وقد واجهت القوى السابقة على البوسفور نفس التهديد من الجنوب. العثمانيون، والبيزنطيون من قبلهم، في مختلف النقاط في تاريخهم، امتدوا إلى أجزاء من سوريا الحالية. حاولت الإمبراطورية العثمانية، في الواقع، الحفاظ على بعض من سوريا الحالية داخل دولتهم.

وكان من بين آخر أعمال البرلمان العثماني في عام 1920 تمرير الميثاق الوطني، الذي كان من المفترض أن يحدد حدود تركيا المستقبلية. لم يحصل العثمانيون على ما أرادوا وتركت الجمهورية التركية الجديدة أصغر مما كان يخطط له العثمانيون وكانت إحدى المناطق الرئيسية التي فقدت فيها الجمهورية التركية أراضيها في شمال غرب سوريا. وليس من قبيل الصدفة أن العديد من وسائل الإعلام التركية وحتى الرئيس "رجب طيب أردوغان" نفسه أشار إلى "الميثاق الوطني" في السنوات الأخيرة. وتظهر الخريطة أدناه ما قد يبدو وكأنه "تركيا الكبرى"، ويعد أحد الأشياء التي ستلاحظها هذه الخريطة هو الميزة الجغرافية التي ستوفرها السيطرة على شمال غرب سوريا لتركيا.

وبموجب الاتفاق الجديد مع روسيا وايران فان المنطقة التى تمت الموافقة على دخولها تشمل الأراضي الجبلية التى تسمح لتركيا بالسيطرة على المرتفعات لصد أي عدو من شأنه أن يعبر الحدود.

إدلب في الوقت نفسه مهمة لأنها تقع بالقرب من وصلة صغيرة بين جبال النصيرية، وأراضي النظام العلوي والسهول التي يهيمن عليها العرب السنة. إذا كانت تركيا تسيطر على إدلب، فإنها يمكن أن تتحكم في هذا المرور. كما أن السيطرة على جانب هذا الوادي يسهل الدفاع عن القسم الجنوبي من تركيا و الحدود الغربية لسوريا. كما أنه سيضع تركيا في وضع أفضل بكثير من أجل إبرز قوتهم في المعارك القادمة على مستقبل سوريا.

لدى تركيا مصلحة في السيطرة على هذه الأراضي منذ فقدها العثمانيون مطلع العشرينيات، وما تفتقر إليه هو القدرة والفرصة لتغيير الوضع. وأصبح هذا أكثر وضوحا في عام 2011 حين بدا أن الجمهورية العربية السورية تختفي. لقد استمر القتال لبعض الوقت حتى الآن، وقد أضعفت الأطراف المعنية بعضها البعض بحيث أتاحت لتركيا فرصا ومخاطر: فرصة مد النفوذ على مناطقها القديمة حيث الأراضي التي يمكن أن تستخدمها تركيا كمنطقة عازلة ضد الأعداء المحتملين من الجنوب والشرق، ولكن الخطر هو أنه إذا لم تستغل تركيا إلى هذه المناسبة، فإن العدو سيظهر وسيسعى إلى تهديد الحدود الحالية لتركيا.

لن يحقق أي وكيل الأمن على المدى الطويل، وتركيا تمتلك قدرات كافية لهذه المهمة، وعلى الرغم من الحكومة في أنقرة، فإن تركيا تُسحب إلى سوريا. إنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة. وهو تذكير بقوة تركيا وكيف أن جغرافيتها تتجلى طبيعيا وتضعها في موقف القيادة الإقليمية وهو أيضا تذكير بضعف تركيا، وكيف أنها لا تملك حقا خيارا في هذا الشأن.

شمال غرب سوريا في انتظار الاستيلاء عليه، وتركيا لديها مقعد على الطاولة ليس لأنها تريد ذلك ولكن لأن النأي عن ذلك ليس خيارا.


اضف تعليق