مع ذوبان الجليد.. يبدأ موسم الصراع على ممر وثروة القطب الشمالي


٣٠ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٥:٥٤ م بتوقيت جرينيتش

رؤية

       القطب الشمالي هو أعلى نقطة بالكرة الأرضية على محور دورانها ويقع في المحيط المتجمد الشمالي. تستقبل منطقة القطب الشمالي أقل ما يمكن من أشعة الشمس فهي ثاني أبرد منطقة في الكرة الأرضية تغطيها طبقة سميكة من الثلج على مدار السنة. هناك خمس دول تحيط المنطقة القطبية الشمالية، هي الاتحاد الروسي (أكبر دولة)، كندا، النرويج،الدنمارك (عبر جرينلاند)، والولايات المتحدة.

تغير مناخي

      أشارت مجلة مونغاباي العلمية البيئية، أن معدل سُمك الجليد بالقطب الشمالي تراجع بشكل غير مسبوق، في الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، مقارنة بالفترة ذاتها من الأعوام السابقة، بسبب ارتفاع درجة حرارة مياه المحيط أسفل طبقة الجليد.

ولفت التقرير إلى أن سمك تلك الطبقة، في الأشهر الخمسة الأخيرة من كل عام، يكون عادة في أدنى مستوياته، إلا أنه قد لا يتجاوز هذا العام مترا واحدة، مقارنة بنحو مترين في الفترة ذاتها قبل 30 عاما، ما ينذر بتحوّل المحيط الشمالي إلى مياه دافئة تجول فيها ناقلات النفط والحاويات، ويُفقد الأرض عنصرا آخر في توازنها البيئي.

وبالرغم من إظهار مختلف الدول، وخصوصا التي تسيطر على أجزاء من القطب الشمالي (روسيا وأميركا وكندا والدنمارك والنرويج وأيسلندا)، اهتماما (متفاوتا) بمسألة التلوث البيئي عموما، والنشاط الإنساني في القطب خصوصا، وتبادلها الاتهامات في هذا السياق، إلا أن الأطماع الاقتصادية والإستراتيجية في المنطقة تطغى على أي اعتبارات أخرى.

ممر جديد

       في الأيام القادمة، يبدو أن الحديث سيزاداد عن أهمية القطب الشمالي في طريق التجارة العالمية. ففي إبريل/نيسان من العام الماضي، حثت الحكومة الصينية شركات الملاحة على استخدام الممر الشمالي الغربي المار عبر القطب الشمالي، الذي فتح بفضل التغير المناخي، لتقليل الزمن الذي تستغرقه الرحلات البحرية بين المحيطين الأطلسي والهادئ.

وبفضل هذا الممر ستتمكن شركات النقل البحري الصينية من توفير الوقت والمال، فعلى سبيل المثال تكون الرحلة البحرية من شنغهاي إلى ميناء هامبورج الألماني عبر الممر الشمالي الغربي أقصر بـ 2800 ميل بحري عن الطريق المار عبر قناة السويس.

ويذكر أن للصين وجودا متزايدا في المنطقة القطبية الشمالية، إذ تعتبر من أكبر المستثمرين في قطاع التعدين في جرينلاند كما أبرمت اتفاقا للتجارة الحرة مع آيسلندا.

وحسب تقرير صحيفة العرب، فقد تمكّنت روسيا، في أغسطس الماضي، من نقل شحنة غاز مسال من النرويج إلى كوريا الجنوبية، عبر المياه المتجمدة، على متن الناقلة العملاقة كريستوف دو مارجري، الأولى والوحيدة في العالم من نوعها، من حيث قدرتها على كسح الجليد دون الحاجة إلى معدّات إضافية، بسرعة وكفاءة عاليتين.

ونقل تقرير لشبكة بي بي سي البريطانية، في 24 من ذلك الشهر، عن شركة سوفكومفلوت الحكومية الروسية، المصنّعة والمالكة للناقلة، أن الرحلة استغرقت 19 يوما، مقارنة بأكثر من 27 يوما عبر طريق قناة السويس التقليدي.

يؤذن ذلك الإنجاز بدخول عدة أطراف في سباق لتصنيع ناقلات من ذلك الطراز، ولبسط النفوذ على ذلك الطريق، وإن كان أنصار البيئة يزعمون أنه لا يختصر الكثير من الوقت بحيث يستحق المغامرة باختراقه، وسط مخاطر تلوث المياه والجليد، إلا أنه يعدّ في المقابل طريقا بديلا مهما للطرق التقليدية.

ويشعل هذا الطريق الجديد تنافس الدول المصدرة على الأسواق الكبرى، وخصوصا في قطاع الطاقة، فسوق الغاز بكوريا الجنوبية، مثلا، التي وصلتها شحنة منه عبر الطريق الجديد من النرويج، تسيطر عليه دولة قطر منذ سنوات، الأمر الذي قد يشهد تراجعا في السنوات المقبلة، علاوة على تأثيرات ذلك على أسعار الطاقة عالميا.

أوروبيّا، يعدّ ذلك خبرا جيدا بالنسبة لدول شمال القارة، على حساب دول الجنوب، التي لطالما كانت مركزا مهما في التجارة بين أوروبا وبقية دول العالم، ما سيعمّق أزمات تلك الدول الاقتصادية، وخصوصا إيطاليا وإسبانيا.

إلى جانب البعد التجاري فإن ظهور طريق جديد في الشمال يعدّ تحديّا جديدا لإستراتيجية احتواء الصين التي تنتهجها الولايات المتحدة، وعدد من حلفائها، منذ سنوات.

وأطلقت بكين، عام 2013، إستراتيجية الحزام والطريق، سعيا لخلق شراكات إستراتيجية مع عدة دول لضمان وصول بضائعها إلى الأسواق الكبرى حول العالم، بالإضافة إلى عدة مشاريع موازية بالتعاون مع باكستان، للنفوذ إلى المحيط الهندي، بعيدا عن منطقة جنوب شرق آسيا، ومع روسيا، لإنشاء طريق بري مباشر إلى أوروبا.

إلا أن تلك الطرق لا تعوّض طريق مضيق ملقا الواقع في جنوب شرق آسيا في قطاع الطاقة، فمنه تعبر 82 بالمئة من واردات الصين من النفط بحسب تقرير لمجلة فوربس عام 2016، فيما سيشكل طريق القطب بديلا معقولا، بحيث ينقل موارد الطاقة من روسيا والدول الإسكندنافية، إلا أن ذلك، في المقابل، سيعمّق من اعتمادية الصين على روسيا، اقتصاديا وإستراتيجيا.

الصراع على القطب

       أشار تقرير أصدرته جامعة ستانفورد عام 2015، أن القطب الشمالي يحوي 90 مليار برميل من النفط، و17 ترليون قدم مكعب من الغاز، و44 مليار برميل من الغاز المسال، أي 16 بالمئة و30 بالمئة و26 بالمئة من احتياطات العالم من تلك المواد، على الترتيب.

تشعل تلك الأرقام الصراع بين الدول لتوسيع سيطرتها في تلك المساحات القاحلة من الجليد، وما يترتب على ذلك من تحالفات وتحركات استراتيجية، أبرزها دعوة موسكو للصين إلى الدخول في شراكة للاستثمار في ثروات المنطقة، سعيا منها لتعزيز موقفها في مواجهة أي تحالف غربي مضاد، يجمع الولايات المتحدة وكندا والنرويج والدنمارك وآيسلندا، وفق تقرير لوكالة رويترز للأنباء، عام 2013.

ومع ذوبان الجليد، وتطور تقنيات النقل والتنقيب في ظروف القطب، سيشهد العالم تحولا إستراتيجيا مهما بانتقال قدر كبير من تركيز تلك القوى العظمى إلى ذلك الجزء من العالم.

وبالمحصلة، فإن تلك المعضلة البيئية، وامتداداتها الاقتصادية، تشكل عنصر تجاذب كبير حول القطب الشمالي بين مختلف الأطراف المعنية. وقد توصل المجتمع الدولي لاتفاق تاريخي في باريس، عام 2016، لكبح جماح التلوث، والحد من ظاهرة الانحباس الحراري، التي تتسبب بارتفاع درجات الحرارة على الأرض، وخصوصا في القطبين، إلا أن ذلك ما يزال مثار أخذ ورد، خصوصا منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة في واشنطن، مطلع العام الجاري، وإعلانه الانسحاب من الاتفاقية، في يونيو الماضي.

إلا أن مراقبين للشأن البيئي يرون أن الأهم بخصوص الحفاظ على القطب الشمالي، يتمثل في وضع حد لأنشطة التنقيب على الثروات، وعسكرته في إطار الصراع على السيادة فيه، علاوة على مساعي شق طرق تجارية عبره.

ومنذ سنوات، استخدمت الأطراف التي تسيطر على مساحات في القطب ورقة البيئة في إطار ذلك الصراع، وبالرغم من ادعاء كل منها الاهتمام بالحفاظ على البيئة في المنطقة، إلا أن الأطماع الاقتصادية تطغى على أي اعتبار.


اضف تعليق