الأونروا.. الضحية التالية في صفقة القرن


٠٩ يناير ٢٠١٨ - ٠٥:٢١ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة - "أسقطنا القدس عن الطاولة، فقد كانت أصعب قضية في المفاوضات" بوضوح أعلن ترامب في تغريدة له كيف تخدم ما سميت بـ"صفقة القرن" المشاريع الصهيونية، إلا أن قطار ترامب لا يقف عند القدس فالمحطة التالية هي وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في مسعى لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين.

"الأونروا" التي تقدم خدماتها لقرابة 5 مليون لاجئ فلسطيني، أسست في نوفمبر 1948 لتقديم المعونة للاجئين الفلسطينيين وتنسيق الخدمات التي تقدم لهم من طرف المنظمات غير الحكومية وبعض منظمات الأمم المتحدة الأخرى، جاءت بعد ان قررت الامم المتحدة إنشاء إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، وها هي اليوم في مرمى التصفية لانهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، خدمة للمشاريع الصهيونية.

وتأسست الأونروا كوكالة تابعة للأمم المتحدة بقرار من الجمعية العامة في عام 1949، وتم تفويضها بتقديم المساعدة والحماية لحوالي خمسة ملايين لاجئ من فلسطين مسجلين لديها.

وتقتضي مهمتها بتقديم المساعدة للاجئي فلسطين في الأردن وسورية ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة ليتمكنوا من تحقيق كامل إمكاناتهم في مجال التنمية البشرية، وذلك إلى أن يتم التوصل لحل عادل ودائم لمحنتهم.

وفي هذا الإطار جمدت الولايات المتحدة الأمريكية تقديم 125 مليون دولار، من مساهمتها في ميزانية (الأونروا)، وهي خطوة فاقت في صهيونيتها المؤسسة الأمنية للاحتلال التي اعتبرت أن من شأن ذلك أن يصعد الوضع بصورة دراماتيكية.

وكانت مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هايلي هددت -في وقت سابق- بأن واشنطن ستوقف الدعم المالي المقدم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) "إلى أن يعود الفلسطينيون إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل".

وكشف مسؤول في الأمم المتحدة أن وقف تقديم الولايات المتحدة مساعدتها المالية للوكالة يعني انهيارها كون واشنطن تعد من أكبر المانحين، في وقت لم يوفِّ غالبية المانحين العرب بالتزاماتهم المالية تجاه هذه المنظمة التي شكلت من أجل مساعدة لاجئي فلسطين في خمس مناطق عمليات (الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن وسوريا ولبنان).

وكشف المسؤول ذاته النقاب عن أن "برامج الطوارئ" التي تنفذها الوكالة في غزة ستتوقف حال طبق قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي مقدمتها برنامج "الكوبونات الغذائية" الذي يستفيد منه مليون لاجئ في قطاع غزة.

وقال الناطق الرسمي باسم  "الأونروا"، سامي مشعشع، إنه لم يتم إعلامهم بأي تغييرات في التمويل الأمريكي،، مضيفا "سنعمل بلا هوادة مع كافة شركائنا لتغطية المتطلبات التمويلية لعام 2018، ونحن ممتنون لهم على دعمهم".

وفي السياق أعرب المسؤول الأممي عن خشيته من استمرار عمليات التحريض الإسرائيلية ضد "الأونروا"، وآخرها للوزير بينيت، وقال: إن الهدف من ورائها الضغط على متبرعين آخرين غير أمريكا لوقف دعمهم المالي المقدم.

وكان هذا الوزير الإسرائيلي الذي يتزعم حزب "البيت اليهودي" المتطرف قد طالب الإدارة الأمريكية أمس بوقف تمويلها، وانتقد بذلك ما نشر مساء أول من أمس من أن وزارة الخارجية الإسرائيلية تعارض تهديد الرئيس ترامب بإلغاء المساعدات المالية لـ "الأونروا" إذا رفض الفلسطينيون العودة الى المفاوضات مع "إسرائيل"؛ خشية تفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع.

وادعى أن "الأونروا" تعد "منظمة تدعم الإرهاب"، وقال: إن"وجودها يكرس الوضع السيىئ لسكان قطاع غزة".

وتقول "الأونروا": إن الدعم المالي المقدم لها لا يواكب مستوى النمو في الاحتياجات، وإنه نتيجة لذلك فإن الموازنة البرامجية لها التي تعمل على دعم تقديم الخدمات الرئيسة، تعاني من عجز كبير.
 
اتساق وتكامل أدوار بين أميركا وكيان الاحتلال اتضح أيضا في هجوم رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو على (الأونروا) بعد أن قال إنها يجب أن تختفي من العالم.

وأضاف نتنياهو: "إنني أتفق تماما مع الانتقادات الحادة التي يوجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لمنظمة "الأونروا"، بحسب ما ذكرت صفحته الرسمية على "فيسبوك".

وأضاف نتنياهو: "الأونروا منظمة تخلّد قضية اللاجئين الفلسطينيين وكذلك تخلد رواية ما يسمى بحق العودة".. "دور المنظمة يهدف إلى تدمير دولة إسرائيل".. "قدمت اقتراحا بسيطا بنقل التمويل المخصصة لأونروا تدريجيا إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين"، وذلك لتقديم الدعم للاجئين الحقيقيين، وليس لـ"لاجئين وهميين"، على حد زعمه.

قال الناطق الرسمي باسم "الأونروا" سامي مشعشع، إن مهام ولاية الأونروا تحددها الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي يقدم أعضاؤها دعما قويا وواسعا لمهمة الوكالة في مجالات التنمية البشرية والمجالات الإنسانية، في الشرق الأوسط.

وأضاف المشعشع -في بيان صحفي، ردا على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- إن ما يعمل على إدامة أزمة اللاجئين هو فشل الأطراف في التعامل مع القضية، وهذا بحاجة لأن يتم حله من قبل أطراف الصراع في سياق محادثات السلام، استنادا إلى قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، وهو يتطلب مشاركة فاعلة من قبل المجتمع الدولي.

وشدد على أن الأونروا مكلفة من الجمعية العامة بمواصلة خدماتها حتى يتم التوصل إلى حل عادل ودائم لقضية لاجئي فلسطين.

وكان المفوض العام (للأونروا) بيير كرينبول، قد ظهر في مقطع في فيديو تم بثه في الحادي عشر من الشهر الجاري، وهو يقف أمام مركز صحي تابع للوكالة في القدس المحتلة. كرينبول، الذي قرأ بياناً ابتدأه بالحديث عن ارتفاع مستوى التوتر والقلق مرة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، في إشارة إلى تبعات إعلان ترامب، القدس عاصمة لإسرائيل، ووجّه خطابه إلى لاجئي فلسطين، مطمئناً إياهم إلى أن الأونروا أكثر تصميماً من أي وقت مضى على حماية حقوقهم وتلبية احتياجاتهم، رغم عجز الاونروا الذي يقدر بـ50 مليون دولار.

مخاوف من توطين اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين

تفاعلت الأمم المتحدة مع اللاجئين بتأسيس �الأونروا� وبذلك تكون الاونروا قد ظهرت إلى العلن بعد 7 أشهر من اعتراف جمعية الأمم بـ�إسرائيل�، بالتوازي الأونروا أنشئ عام 1950 برنامج آخر �عالمي� باسم �المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، التي باشرت عملها في العام التالي متخصصة فقط باللاجئين الأوروبيين، لكنها شملت في ما بعد اللاجئين خارج أوروبا أيضاً.

لهذه المفوضية دليل للإجراءات والمعايير الواجب تطبيقها لتحديد وضع اللاجئ بمقتضى اتفاقية 1951 وبروتوكول 1967، ومن ثم هناك تعريف قانوني للاجئ ومعايير حتى تشمله خدمات UNHCR، وكذلك أسباب استبعاده منها واستثناؤه.

ومن البداية، استبعد من خدماتها �اللاجئون من فلسطين� استناداً إلى الفقرة الأولى من المادة (1 د) في الاتفاقية، التي تستثني كل من يتمتعون بحماية أو مساعدة من هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة، أي أن هذه المفوضية لا تقدم خدماتها للفلسطينيين في المناطق الخمس التي تعمل فيها "الأونروا" (الأردن، سوريا، لبنان، فلسطين المحتلة 1967 وقطاع غزة)، لكنها شملت مثلاً الفلسطينيين في العراق الذين لجأوا بعد الحرب عام 2003 إلى الأردن، ومنها إلى بلدان عدة مثل البرازيل وكندا ونيوزيلندا، ولم يكونوا مشمولين بخدمات "الأونروا" سابقاً.

الجديد في موضوع العلاقة بين UNHCR و"الأونروا" هو شمول منتفعي الأخيرة من الفلسطينيين بخدمات الأولى، لكن "بشروط" توضحها الوثيقة التي تحمل الرقم HCR/GIP/17/13، وتتضمن إرشادات وتوجهات توضيحية بخصوص المادة (1 د) من اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين القانوني وتطبيق ذلك على اللاجئين الفلسطينيين في أماكن عمل الأونروا وخارجها.

تتناول الوثيقة المنشورة في 20 صفحة بالتحليل والتمحيص المادة المثيرة للجدل (1 د) التي تستثني منتفعي "الأونروا"، لكن خطورتها تكمن في فقرتها الثانية التي تتيح الانتفاع من برامج UNHCR في حال �توقف الحماية والمساعدة من أي هيئة أو وكالة أخرى تابعة للأمم المتحدة، أي "الأونروا" في حالة اللاجئين الفلسطينيين، وهي تشرح ذلك للموظفين الأمميين وكذلك للجمهور.

الوثيقة بلغتها القانونية تظهر كأنها تتحدث عن عمل تكاملي يشدد على منع ازدواجية الحصول على الخدمات من أذرع الأمم المتحدة المختصة باللاجئين، كما تبيّن في بندها الثامن المتعلق بنطاق الأفراد المستثنين من المادة (1 د) من اتفاقية 1951 من هم الفلسطينيون غير المشمولين بخدمات المفوضية، وهم: �اللاجئون من فلسطين� عام 1948، و"المشرّدون" من ديارهم عام 1967، وذريتهم.

تحويل ملف اللاجئين إلى "المفوضية السامية" يعني إنهاء حق العودة

لكن، في البند الثاني والعشرين تعرض الأسباب الموضوعية التي تخولهم الاستفادة من �المفوضية السامية� وبرامجها، ومن أبرز الأسباب: إنهاء ولاية "الأونروا" بموجب قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو عجز "الأونروا" عن القيام بالمهمات التي وجدت من أجلها، وذلك في إقرار رسمي بأن حالة العجز المالي لـ�وكالة الغوث� تؤدي إلى نتيجة مشابهة لانتهاء ولايتها!

قانونياً، يختلف تعريف اللاجئ عند الطرفين، فـ"الأونروا" تذكر صراحة الحرب العربية - الإسرائيلية، وتحدد اللاجئين بالأشخاص الذين كانت فلسطين مكان إقامتهم ما بين عامي 1946 و1948 وفقدوا بيوتهم ومورد رزقهم إثر الحرب عام 1948، وعرّفت النازحين، سواء كانوا لاجئين أو غير لاجئين، بعد احتلال إسرائيل القدس والضفة وغزة عام 1967.

أما UNHCR، فتحصر اللاجئ بمن "خرج من الحدود الدولية للبلد الذي يحمل جنسيته وتعرّض للاضطهاد ولم يعد يتمتع بحماية حكومته". ومن ناحية أخرى، لا تسعى بدورها إلى معالجة الأسباب الجذرية للجوء، بل الى التخفيف من نتائجها، على خلاف "الأونروا" التي تعترف بحق العودة، بل تمثل بوجودها أهم الشواهد على الاحتلال الإسرائيلي وآثاره.

من زاوية أخرى، تقدّم "المفوضية السامية" حلولها لمشكلة اللاجئين بما يأتي: العودة الطوعية إلى البلد الأصلي (غير وارد في الحالة الفلسطينية لأنه "لا بلد" أصلياً للاجئين عام 1948 بعد اعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل عام 1949)، أو التوطين في بلد اللجوء (هنا يخرج اللاجئ من نطاق خدمات المفوضية في حال حصوله على جنسية بلد يستطيع حمايته، وهذا الحل يسقط حق العودة لكل الفلسطينيين في الأردن ممن يحملون أرقاماً وطنية تثبت أردنيتهم.

ووفق تقرير "الأونرو" لعام 2017، يمثل هؤلاء 41% من أعداد اللاجئين المسجلين لديها)، والحل الأخير توطين اللاجئين في بلد ثالث، أي أن المفوضية ستعمل كوكيل توطين (كما حدث مع الفلسطينيين في العراق واللاجئين القادمين من سوريا بعد الحرب إلى الأردن، ثم حصولهم على لجوء في دول أوروبية وكندا). 



اضف تعليق