التقاريرسياسة

غزة تنهار فقرًا

كتب – محمد عبد الكريم
 
غزة – “في غزة أم مريضة ترقد في المستشفى ويحضر أولادها لتطعمهم الوجبات المخصصة لها لأن والدهم لا يستطيع توفير الطعام، وأخرى حامل يحضر لها ابنها الذي في المدرسة ساندوتش الفول والذي يأخذه صدقة، لأن منزلهم يخلو من الطعام، وأطفال كثيرون ينهارون جوعا، ورجال عرضوا أبناءهم للبيع”، حالات وثقها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي منهم الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي‎ سمير حمتو.
 
فبعد نحو 4000 يوما عاشها أكثر من 2 مليون مواطن في حصار من الاحتلال، ومع نسبة بطالة فاقت الـ60%، فيما وصلت نسبة العائلات تحت خط الفقر إلى 65%، إضافة إلى أن 80% من مصانع القطاع أغلقت جزئيا أو كليا بسبب الوضع الاقتصادي الصعب، والعجز في الطاقة الكهربائية، ونسبة تلوث في المياه تصل إلى 98%، فقد بات قطاع غزة يعيش حالة انهيار كامل.
 
ويعيش مليونا فلسطيني في قطاع غزة الساحلي المحاصر، أوضاعا معيشية واقتصادية غاية في الصعوبة والقسوة، مع تزايد الضغط الذي تمارسه أطراف مختلفة ويطاول كل شيء في البقعة السكانية الأضيق في العالم، ويشبّهها كثيرون بـ”السجن الكبير”.
 
غزة دخلت مرحلة الانهيار الاقتصادي التام
 
خبراء اقتصاديون يقولون: إنّ غزة دخلت مرحلة ما قبل الانهيار الاقتصادي التام، لكن الواقع على الأرض يشير إلى أنّ القطاع دخل هذه المرحلة قبل فترة، وبات يُسمع علنًا أنّ بعض كبار التجار في القطاع مطلوبون بقضايا ذمم مالية، وبعضهم أصبح “مطاردًا” للدائنين، ما أدى إلى إغلاق منشآت اقتصادية عديدة في الأشهر الماضية، وفي العام الماضي وحده، سجلت الشرطة الفلسطينية نحو مائة ألف قضية حبس لمواطنين على خلفية ذمم مالية، وفق تصريحات للمتحدث باسمها أيمن البطنيجي قبل أيام.
 
 وتُظهر دراسة أصدرها مركز “الميزان” لحقوق الإنسان ومقره غزة، ان القطاع الصحي، أكثر القطاعات تضررًا، وبات المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، الطبيب أشرف القدرة، يصدر بشكل أسبوعي تحذيرات من الانهيار في المستشفيات والمراكز الصحية، تارة متحدثًا عن نقص أدوية، وأخرى عن نقص الوقود، وثالثة عن توقف عمال النظافة في المستشفيات، ورابعة عن وقف توريد الطعام للمرضى.
 
حماس قررت التصعيد على الحدود
 
وقررت قيادة “حماس” تصعيد الحراك الشعبي في المرحلة الحالية على نقاط التماس الحدودية مع الأراضي المحتلة، أما عند “حماس”، فبات الحديث يعلو عن تدارس خيارات قد يكون بعضها مؤلمًا إذا لم تتحرك الأطراف المعنية لحلحلة الأمور وإيجاد حلول للأزمات المتفاقمة، فالقيادتين السياسية والعسكرية لـ”حماس” عقدتا سلسلة اجتماعات داخلية أخيرا للخروج بمواقف ورؤى لتحريك الأوضاع والعمل على حل الأزمات، لكن الخيارات كانت مغلقة.
 
ولمّح رئيس المكتب السياسي لـ”حماس” إسماعيل هنية، إلى ذلك في خطابه، حين جدد التأكيد أكد على أنّ غزة “تمر بظروف غير مسبوقة”، محذرا من أنّه من الصعب أن تستمر الأوضاع على هذه الصورة “وقد نكون أمام سيناريوهات صعبة”.
 
وشلّ إضراب شامل مختلف القطاعات والمنشآت التجارية في قطاع غزة، الاثنين الماضي، احتجاجًا على تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية التي يعيشها أكثر من مليوني نسمة في القطاع المحاصر من قبل الاحتلال الإسرائيلي للعام الحادي عشر على التوالي، وشهد الإضراب الذي دعت إليه القطاعات التجارية المختلفة، مشاركة البنوك المحلية والمحال التجارية المتنوعة، وشركات النقل، ومحطات الوقود والغاز، بالإضافة إلى الشركات والقطاعات العاملة في المجال الإنشائي، والغرف التجارية وغيرها من المؤسسات.
 
ولجأت العديد من القطاعات التجارية في الآونة الأخيرة إلى طرح خصومات وتنزيلات كبرى على المنتجات التي تقوم بعرضها لزبائنها من أجل تشجيعهم على الشراء، إلا أن غياب السيولة المالية وشحها لم يغير من حالة الركود الاقتصادي.
 
يقول مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية بغزة ماهر الطباع، إن خطوة الإضراب التجاري الشامل لمدة يوم فقط تعتبر خطوة مبدئية من أجل إيصال رسائل لمختلف الأطراف والجهات المعنية بأن القطاع يقترب بشكل كبير من الانهيار الكلي، مؤكدا أن الفترة المقبلة ستشهد المزيد من الفعاليات وتصعيد الرسائل، عبر زيادة مدة الإضراب في القطاعات التجارية، والقيام بخيام اعتصام ووقفات حتى تتحرك مختلف الأطراف المسؤولة، لانتشال القطاع من الأوضاع المتردية التي يعيشها السكان.
 
وبحسب إحصائيات اللجنة الشعبية لكسر الحصار فإن متوسط دخل الفرد الغزي يوميا لا يتجاوز دولارا أميركيا واحدا، في حين يعتمد نحو 80% من السكان على المساعدات الإغاثية والإنسانية الطارئة.
 
المصالحة فشلت في تغيير الواقع المرير
 
وفي أعقاب اتفاق المصالحة الأخير الذي أبرم برعاية المخابرات المصرية في القاهرة في أكتوبر/ تشرين الأول 2017 تفاءل الغزيون بتحسن أوضاعهم المعيشية والاقتصادية، إلا أن ذلك لم يغير من الواقع شيئا، إذ استمرت الإجراءات المفروضة من قبل السلطة الفلسطينية على القطاع منذ أبريل/ نيسان 2017.
 
ووفقًا لتقديرات اقتصادية محلية، فإن السوق الغزي حرم من نحو 18 إلى 20 مليون دولار كانت تدعم الاقتصاد المحلي شهريًّا قبيل الخصومات والعقوبات التي أقرتها السلطة الفلسطينية، كما أدى نقص السيولة إلى أزمة في الشيكات المُرجعة من قبل البنوك الفلسطينية لأصحابها.
 
وانخفضت القروض البنكية للأفراد والشركات في الربع الثالث من 2017 إلى 990.4 مليون دولار، وهو أدنى رقم منذ الربع الثالث من 2016، الذي سجل 885.8 مليون دولار.
 
كما أظهرت أرقام حديثة لسلطة النقد الفلسطينية (البنك المركزي)، تراجعًا في حجم ودائع الأفراد والشركات في قطاع غزة إلى 1.122 مليار دولار حتى نهاية الربع الثالث من العام الماضي، مقارنة بنحو 1.137 مليار دولار في الربع الثاني من العام ذاته، ونحو 1.125 مليار دولار في الربع الثالث من 2016.
 
ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة فإن قطاع غزة الذي خاض ثلاث حروب شنها الاحتلال الإسرائيلي عليه في أعوام 2008 و2012 و2014، عدا عن حصار خانق منذ 11 عاما، لن يكون صالحًا للعيش بحلول عام 2020 بفعل تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية والحياتية وغياب أي رؤية تنموية.
 
80% من أهالي القطاع يعتمدون على “الأونروا”
 
واجه مواطنو غزة أسوأ أزمة اقتصادية وسط الحصار المفروض عليها، وتهديدات الرئيس الأميركي بقطع التمويل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” وضغوط الحياة المعيشية.
 
ويعتمد أكثر من مليون لاجئ فلسطيني في قطاع غزة على المساعدات الإغاثية التي تقدمها “أونروا”، وسط تخوفات من انقطاع تلك المساعدات عنهم، عقب تهديد واشنطن بوقف تمويلها للوكالة الأممية.
 
ويعتقد الطباع أن التهديد الأميركي بتقليص دعم واشنطن لـ “أونروا”، سينعكس بشكل سلبي على الوضع الاقتصادي الذي يعاني أصلًا من الانهيار.
 
ويأتي التهديد في ظل أزمة مالية تعانيها “أونروا”، تسببت بعجز مالي في خزينتها وصل إلى “60” مليون دولار. ومن المتوقع أن تنخفض الخدمات التي تقدمها “أونروا” في قطاع غزة، في حال نفذت واشنطن تهديدها.
 
وقالت لجنة تنسيق البضائع على معبر كرم أبو سالم (المعبر التجاري الوحيد حاليًّا بين إسرائيل وغزة)، إن تراجعًا بنسبة 60% طرأ على عدد الشاحنات المحملة بالبضائع الداخلة إلى القطاع لتراجع القوة الشرائية.
 
وأوردت صحيفة هآرتس العبرية أول أمس الإثنين، أن الأمن الإسرائيلي يرى أن الضغط والتدهور الاقتصادي في قطاع غزة قد يمهد “إلى انفجار خارج عن السيطرة”.
 
الأمم المتحدة: الحياة في قطاع غزة ستصبح مستحيلة بحلول 2020
 
وقال منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف: إن الحياة في قطاع غزة ستصبح مستحيلة بحلول 2020، محذرا من أن الوضع في القطاع “من الممكن أن ينفجر في أي لحظة الآن”.
 
واضاف ملادينوف عن الأوضاع الإنسانية في غزة، “أنا على يقين بأن أغلب المشاهدين لا يعيشون في غزة، فإذا اضطروا إلى العيش فيها في ظل هذه الأوضاع، لن يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة، فالوضع في غزة مريع، وأنا أكنّ احتراما كبيرا لشعب غزة، الذي استطاع أن يتعايش في ظل هذه الأوضاع، في هذا السجن المفتوح الذين يعيش فيه منذ 10 سنوات مع ثلاث صراعات”.
 
وأضاف: “عمليات الغلق من جانب إسرائيل، والعيش تحت هيمنة حماس، ووجود الحكومة الفلسطينية والرئيس الفلسطيني بعيدًا عن غزة، وبالرغم من كل هذه القيود إلا أن الشعب ما زال قادرا على التعايش، فلابد أن نظهر لهم كل الاحترام من أجل ذلك، والوضع في غزة لن يتفاقم فحسب، وتصبح الحياة به مستحيلة بحلول 2020، بل من الممكن أن ينفجر في أي لحظة الآن”.
 
ملادينوف أشار إلى أن شعب غزة ليس مذعنا لهذا الواقع، بل يشعر بغضب شديد تجاهه، و”أخشى أن ينفجر هذا الغضب في غزة قريبا، بسبب تضافر هذه العوامل معا، ونجد أنفسنا أمام صراع آخر مدمر للسكان في غزة في المقام الأول، ثم لإسرائيل وباقي الفلسطينيين فيما بعد، كما يمكن أن يجتاح أيضًا كل المنطقة بوجه عام، وهذا ما نحتاج إلى تجنبه والطريق لتجنبه.
 
قال ملادينوف: كما قلنا سابقا هو أن نكون عمليين، فعمليا توفر الأمم المتحدة حاليا الوقود للمستشفيات في غزة بسبب عدم وجود الكهرباء، كما نحتاج الآن ونحاول بالفعل أن نوفر مجموعة من المقترحات لخلق المزيد من الوظائف في غزة، والعمل مع إسرائيل على القائمة الكبيرة للقيود المفروضة على غزة بالنسبة لما يدخل غزة وما يخرج منها وضمان وجود الأموال المخصصة لعمليات إعادة البناء، والتي أصبحت خلال العامين الماضيين مصدرًا لبعض الأنشطة الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى