تركيا وغاز قبرص .. دبلوماسية مدافع الأسطول قد تصطدم بالتنقيب الأمريكي


٠٦ مارس ٢٠١٨ - ١١:٣٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

شهدت منطقة شرق البحر المتوسط بعضًا من أكبر اكتشافات الغاز في العالم خلال العقد الأخير في الوقت الذي تتطلع فيه أوروبا إلى تنويع الإمدادات التي تحصل عليها من روسيا. وكان حقل ظهر العملاق للغاز في المياه الإقليمية المصرية على وجه التحديد مثيرا لقبرص التي تقع منطقتها الاقتصادية الخالصة بمحاذاة حقل الغاز الذي يقدر حجم احتياطياته بنحو 30 تريليون قدم مكعب.

لكن تركيا هي الدولة الوحيدة التي لا تعترف بسيادة حكومة الجمهورية القبرصية على كامل الجزيرة وتؤيد بدلا من ذلك دولة للقبارصة الأتراك معلنة ذاتيا في الثلث الشمالي من المنطقة التي غزتها القوات التركية في عام 1974. وتقول تركيا إن اتفاقات استكشاف الغاز حول قبرص تمثل خرقا لحقوق القبارصة الأتراك في ثروة الطاقة المحتملة.

حتمية العمل

قال وزير خارجية جمهورية شمال قبرص التركية، قدرت أوزارصاي، إن هناك حاجة للوساطة بين طرفي جزيرة قبرص خاصة فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز الطبيعي في البحر المتوسط.

وفي تصريح أدلى به أوزارصاي، لمجلة "بوليتيس" التي تصدر في قبرص اليونانية، قال إنه لا بدّ من حل الخلاف حول هذا الأمر سريعا.

وأضاف: "من الضروري البدء في التنقيب عن الغاز الطبيعي في البحر المتوسط. سواء أعجبنا هذا أم لا، نحن في وسط خلاف حول النفط والغاز".

والعام الماضي، أعلنت قبرص اليونانية، طرحها مناقصة جديدة لمنح تراخيص دولية للتنقيب عن النفط والغاز، في منطقتها الاقتصادية الحصرية المزعومة.

وتؤكد تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، على أحقية القبارصة الأتراك بموارد الجزيرة الطبيعية باعتبارهم جزءًا منها، وذلك رداً على مساعي قبرص اليونانية لعقد اتفاقات مع شركات وبلدان مختلفة لا تدرج فيها القبارصة الأتراك.

وكانت سفن حربية تركية قد منعت فبراير الماضي سفينة استأجرتها شركة "إيني" الإيطالية العملاقة للطاقة من الوصول إلى منطقة بحث وتنقيب عن الغاز الطبيعي جنوب شرقي مدينة لارنكا الساحلية القبرصية.

واكتشفت شركة "إيني" حقلا للغاز الطبيعي في "منطقة واعدة" قبالة جزيرة قبرص، وأعلنت أنها تعتزم إجراء المزيد من الدراسات والبحوث حول هذا الكشف.

وأدى هذا التنقيب إلى تأجيج التوترات القديمة في جنوب شرق البحر المتوسط بشأن قبرص، التي انقسمت إلى شطر جنوبي يسيطر عليه القبارصة اليونانيون، وآخر شمالي يسيطر عليه القبارصة الأتراك منذ عام 1974 عقب انقلاب يوناني وغزو تركي.

وبعد أن بدأت شركتا "إيني" و توتال الحفر في يوليو، أصرّت تركيا على عدم إمكانية تحرك الإدارة القبرصية اليونانية من جانب واحد لاستغلال الموارد، ونشرت سفينة عسكرية بالمنطقة في نوفمبر.

وتدعو تركيا جمهورية شمال قبرص إلى التخلي عن وصف نفسها بأنها المالك الوحيد للموارد الطبيعية للجزيرة، وتشدد على أن عدم وقف قبرص الرومية التنقيب عن الهيدروكربون من شأنه إفشال مساعي إيجاد حل شامل لأزمة الجزيرة المنقسمة.

خلاف مع الأوروبي

قضية التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، هي قضية خلافية بين شطري قبرض من جهة وبين تركيا والاتحاد الأوربي من جهة أخرى.

وفي هذا الصدد عبر الاتحاد الأوروبي عن تضامنه مع قبرص واليونان بعد اتهام تركيا بالتهديد باستخدام القوة ضد أي عمليات تنقيب عن الغاز لا يشارك فيها الجانب التركي من قبرص.

وقال دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي للصحفيين إن الاتحاد يدعو تركيا لوقف الأنشطة التي أدت إلى الحوادث التي وقعت في الآونة الأخيرة.

كان توسك يتحدث بعدما ألقى رئيس قبرص نيكوس أناستاسياديس ورئيس الوزراء اليوناني اليكسيس تسيبراس كلمة أمام باقي زعماء الاتحاد في بروكسل حول المواجهة التي وقعت مؤخرا بسبب حقوق موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.

وأكد توسك أن اليونان وقبرص لهما الحق السيادي في التنقيب عن الموارد في شرق البحر المتوسط.

ومن جهة أخرى، عبر زعماء الاتحاد الأوروبي عن تضامنهم مع قبرص واليونان بعدما اتهمت نيقوسيا تركيا بالتهديد باستخدام القوة.

وقال دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي للصحفيين إن الاتحاد يدعو تركيا لوقف الأنشطة التي أدت إلى الحوادث التي وقعت في الآونة الأخيرة.

وبعد أن كان يُنظر الى الغاز كحافز لإعادة توحيد هذه الجزيرة، بات عقبة كبرى أمام استئناف محادثات السلام المتوقفة منذ العام الماضي.

وقبرص العضو في الاتحاد الاوروبي منقسمة منذ اجتياح تركيا للشطر الشمالي من الجزيرة عام 1974، وتفصل بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك “منطقة عازلة” تحت اشراف الأمم المتحدة.

وبينما تحظى جمهورية قبرص اليونانية باعتراف دولي، فان جمهورية شمال قبرص التركية لا تعترف بها سوى أنقرة.

وطلبت نيقوسيا تدخل الإتحاد الأوروبي الذي ينظر الى الموارد في المنطقة كمصدر طاقة بديل محتمل وحذر من ان محادثات السلام لن تُستأنف ما لم تحترم تركيا “الحقوق السيادية” لقبرص.

ولا يبدو الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مستعداً لتقديم أي تنازلات، مستنهضا المشاعر القومية مع سعيه إلى حماية نفوذ أنقرة في هذه المنطقة الحيوية.

الصدام مع أمريكا

وقد وصف وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون تعطيل تركيا عمل سفينة تنقيب إيطالية عن الغاز قبالة سواحل قبرص بأنه "دبلوماسية مدافع الأسطول"، وذلك خلال لقاء الشهر الماضي بشأن القضايا الكثيرة التي تشهد انقساما بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي.

وستتجه الأنظار إلى شرق البحر المتوسط من جديد هذا الأسبوع حيث ترسل شركة إكسون موبيل الأميركية العملاقة العاملة في قطاع النفط سفينة تنقيب تابعة لها إلى الجزيرة في الوقت الذي تعزز فيه البحرية الأميركية تواجدها في المنطقة.

وعلى الرغم من أن اجتماع تيلرسون الذي استغرق ثلاث ساعات ونصف الساعة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جرى من دون حضور أي من المساعدين أو المترجمين حتى، حيث كان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الشخص الوحيد الذي حضر الاجتماع بجانبهما، فإن بعض المباحثات تكلل بالنجاح.

وبحسب مصادر دبلوماسية غربية في واشنطن، فإن مباحثات تيلرسون في أنقرة كانت في الأغلب تكرارا للمواقف القديمة للبلدين المنقسمين بشأن سوريا وتسليم رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله كولن، وإلقاء القبض على مواطنين أميركيين في تركيا، وإدانة نيويورك لمصرفي تركي بسبب دوره في مخطط للالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

بيد أن الجانبين قررا أن يعقدا المزيد من الاجتماعات من أجل وضع ثلاث آليات لحل المشكلات بينهما فيما يبدو أنه الثمرة الأنجع للمباحثات. ولم يمثل الاجتماع، انفراجة لكنه بدا على الأقل إرجاء للتوتر بين البلدين.

ورفضت الولايات المتحدة مطلب الجانب التركي بالتفاوض على تلك الآليات بين مسؤولين رفيعي المستوى يكونون على الأقل على مستوى مساعد وزير، وستجري المفاوضات بدلا من ذلك على مستوى نائب مساعد وزير، وكان ذلك بدون شك مخيبا لآمال الجانب التركي.

وكان من بين الموضوعات التي أضيفت إلى قائمة المشاكل بين الولايات المتحدة وتركيا صراع الطاقة المتنامي بشأن قبرص والتوترات في بحر إيجه.

وما زالت الأنظار تترقب لترى ما إذا كانت البحرية التركية ستحاول تعطيل سير سفينتي إكسون موبيل على النحو الذي تعاملت به مع سفينة التنقيب التابعة لإيني. وقد يكون من شأن تحرك كهذا أن يخلق أزمة جديدة بين تركيا والولايات المتحدة.

وحقيقة أن تيلرسون كان رئيسا تنفيذيا لإكسون موبيل قبل أن يصبح وزيرا للخارجية تضيف بعدا آخر للخلاف الدبلوماسي. 


اضف تعليق