اقتصادالتقارير

الاقتصاد التركي .. مزيد من انخفاض العملة وارتفاع مستوى التضخم وهروب المستثمرين

رؤية

لا تحمل أخبار الاقتصاد ما يسرّ كثيرا فيما يتعلق بتصنيف الديون السيادية لتركيا من جهة والعجز في الموازنة من جهة أخرى.

وكالة موديز كانت قد أصدرت في أواخر فبراير الماضي تقريرا أزعج السلطات التركية وشنت ضده هجومًا حادًا حيث انتقده وزير المالية التركي ناجي إقبال، قائلاً “ليس له أي قيمة بالنسبة لنا”.

لكن موديز قالت هذا اليوم الإثنين، إن الضعف المزمن في العملة التركية الليرة سلبي لتصنيف ديونها السيادية وإشكالي للاقتصاد مشيرة إلى الدرجة العالية من الانكشاف الخارجي وتدني احتياطيات النقد الأجنبي.

وذكرت موديز في تقرير عن التوقعات الائتمانية أن الليرة معرضة لتجدد الضغوط إذا أرجأت السلطات تنفيذ تعهدات التحرك لمواجهة ضعف الليرة عن طريق رفع سعر الفائدة.

تزامن ذلك مع إعلان وزير المالية التركي إن الميزانية التركية سجلت عجزا بلغ 20.2 مليار ليرة (4.9 مليار دولار) في مارس آذار ليصبح عجز الربع الأول من السنة 20.4 مليار ليرة.

وقال الوزير التركي إن ميزانية مارس آذار أظهرت عجزا أوليا قدره 10.6 مليار ليرة مما أفضى إلى فائض ربع سنوي قدره 1.9 مليار ليرة.

اتساع الهوة

ويواصل الدولار الأمريكي الارتفاع، وكذلك اليورو، في وقتٍ تتسع خلاله هوة العجز في التجارة الخارجية، وتتقلص حجم الاستثمارات الأجنبية، تزامنًا مع اتجاه الشركات التركية، الواحدة تلو الأخرى، نحو التقدم بطلبات من أجل الحصول على قروض.

وها هما شركتا ” أونال أيسال”، و”دوغوش غروب” تأخذان دوريهما أمام نفس الباب الذي طرقته شركة “أولكر” من قبل؛ حيث بلغت قيمة القروض التي تسعى شركة أولكر للحصول عليها 7.5 مليار دولار. أما دوغوش غروب، فتسعى للحصول على 6.5 مليار دولار، في حين تتجه أيسال للحصول على مبلغ 700 مليون دولار. ومن المتوقع أن تتقدم الشركات الجديدة، هي الأخرى، بطلبات مماثلة للحصول على قروض.

ومن ناحية أخرى، فقد ازداد عدد الذين يتعرضون للملاحقة القانونية بسبب تعثرهم في سداد قروضهم بنسبة 17% ، في سابقة هي الأولى من نوعها.

وعلى صعيد الخدمات، فقد أدى ارتفاع أسعار النفط إلى ارتفاع أسعار الوقود السائل، الذي أثر بدوره في حدوث ارتفاع آخر في فاتورتي الكهرباء، والغاز الطبيعي.

أما أردوغان فقد تمسك في تعليقه على هذه الصورة القاتمة بقوله “هذا هجوم تقوم به القوى الأجنبية علينا”.

تقرير موديز

كشفت وكالة موديز الدولية للتصنيف الائتماني أن استمرار التراجع في قيمة الليرة التركية سيؤثر سلبًا على تصنيف تركيا الائتماني عند الأخذ بعين الاعتبار الاضطرابات الخارجية للبلاد واحتياطي النقد الأجنبي المنخفض.

وفي مستهل تعاملات البورصة واصلت الليرة مسلسل تراجعها العنيف أمام العملات الأجنبية لتتراجع قيمة الليرة أمام الدولار إلى 4.10 ليرة.

وأفاد التقرير البحثي الذي نشرته وكالة موديز حول التراجع الشديد في قيمة الليرة التركية الأسبوع الماضي أن فقدان الليرة جزء من قيمتها سيؤثر سلبًا على قطاع البنوك التركية، مشيرًا إلى أن تراجع الليرة لفترة طويلة بجانب معدلات التضخم الكبيرة قد يزيد من القروض المتعثرة.

أضاف التقرير أيضًا أن 33 % من قروض البنوك التركية بالعملات الأجنبية، وأن استمرار التراجع في قيمة الليرة سيضعف قدرة الشركات التي لا تحقق دخلا على السداد.

وأوضح التقرير أنه من المنتظر أن يسفر التراجع في قيمة الليرة عن ارتفاع معدلات التضخم وتراجع أرباح الشركات وقدرة المستهلك على الشراء وزيادة القروض المتعثرة، مشددًا على أن التراجع المستمر في قيمة الليرة سيؤثر سلبًا على الاقتصاد والتصنيف الائتماني بسبب الاضطرابات الخارجية لتركيا واحتياطي النقد الأجنبي المنخفض.

هذا وأكد التقرير أن تصريحات الأسبوع الماضي عكست استعداد المسؤولين لمواجهة التراجع في قيمة الليرة، غير أن التأخر في اتخاذ إجراءات برفع الفائدة عقب هذه التصريحات قد يعرض الليرة لمزيد من الضغوط.

وشدد التقرير على أن هذا الوضع سيختبر التوازن بين الاقتصاد التركي الدينامكي، والمؤشرات المالية القوية والاضطرابات الخارجية المرتفعة.

انخفاض الثقة

حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المستثمرين الأجانب من استخدام الليرة كوسيلة للضغط على حكومته لإبطاء وتيرة النمو الاقتصادي.

ففي تحد يبدو مباشرا للمستثمرين الذين اتجهوا إلى بيع العملة خلال الأسابيع الأخيرة، قال أردوغان الأسبوع الماضي إن “أحدا لا يستطيع أن يرغم تركيا على النزول على رغبته باستخدام أسعار الصرف”.

أضاف في كلمة لمؤيديه يوم الأحد الماضي، “أقول لمن هم في قطاع التمويل، لا تهددوننا بأسعار الصرف أو ما شابه… لن يكون لكم الحق في الحياة في هذا البلد إذا فعلتم غير ذلك”.

وأظهرت بيانات ميزان المعاملات الجارية لشهر فبراير، والتي نشرت الأسبوع الماضي، نزوح استثمارات مباشرة من الاقتصاد التركي للمرة الخامسة في العقد المنصرم. فضلا عن ذلك، فإن تدفقات رأس المال الأجنبي على الأسهم والسندات التركية انحسر، وهو الأمر الذي يرجح أن السياسة الحكومية ربما تكون تدفع رأس المال إلى النزوح من اقتصاد البلاد البالغ حجمه 850 مليار دولار.

ويصر أردوغان على أن حكومته ستجتاز المحنة التي تمر بها الأسواق المالية بدعم من زيادة الصادرات، التي تتوقع الحكومة أن تتجاوز 170 مليار دولار هذا العام. لكن اعتماد تركيا على المواد الخام والسلع الوسيطة القادمة من الخارج أدى إلى زيادة حجم الواردات بوتيرة أسرع من وتيرة زيادة الصادرات، وهو ما يعني أن جهود إعادة التوازن إلى الاقتصاد عبر التجارة الخارجية تتجه إلى الفشل من دون تراجع كبير في الطلب المحلي. ونتيجة لذلك، ارتفع العجز في ميزان المعاملات الجارية إلى أكثر من المثلين عند 30.2 مليار دولار في أول شهرين من العام الجاري، حيث قفز حجم الواردات 30 %.

وقد يكون مثل ذلك التراجع في الطلب هو ما سيحصل عليه أردوغان إذا واصلت الليرة الهبوط إلى مستويات جديدة. وتسجل ثقة المستهلكين في تركيا المزيد من التراجع في الوقت الراهن بعدما كانت قد بلغت أعلى مستوى في ثمانية أشهر خلال شهر يناير. في الوقت ذاته، تراجعت ثقة الشركات إلى مستوى 100.2 في مارس مقارنة مع 104.9 في يناير مسجلة أكبر انخفاض خلال شهرين في أكثر من عام.

هناك قدر كبير جدًا من التآكل في كل مؤشرات الثقة بما ذلك تلك المنشورة في البنك المركزي، بدءًا من الثقة لدى المستثمرين وصولًا إلى الثقة لدى المستهلكين.

فوفقًا لبيانات البنك المركزي سجل تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر عجزًا خلال شهري فبراير ومارس من هذا العام، وهو ما يحدث لأول مرة في تاريخ تركيا. فبينما سجل حجم تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر ما قيمته 511 مليون دولار خلال شهر فبراير الماضي، سجل هروب رؤوس الأموال الأجنبية من البلاد ما قيمته 779 مليون دولار في الشهر نفسه.

لم ينته الأمر عند ذلك الحد؛ فقد غادر تركيا في آخر 3 سنوات فحسب ما يربو عن 70 علامة تجارية عالمية. ووفقًا لأحد الحسابات فإنَّ عدد أصحاب الملايين الذين غادروا تركيا قد تجاوز الـــ 13 ألفًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى