تحالف تركيا مع روسيا وإيران .. تباين المصالح والرهان على اقتصاديات مضطربة


١٧ أبريل ٢٠١٨

رؤية

بينما تشكل كلٌّ من روسيا وإيران الحلفاء الجدد بالنسبة لأردوغان ضد الغرب؛ إلا أنه بالرغم من هذا لم يستطع تكوين بديل جديد من الناحية الاقتصادية بصفة خاصة. ومع أن هناك أملًا كبيرًا معقودًا بالبلدين في المجال السياحي الذي يشكل أهمية بالنسبة لعجز الحساب الجاري، فليست هناك توقعات بقدوم المزيد من الاستثمارات المباشرة، ولا حتى المحافظ الاستثمارية من هذين البلدين يمكنها أن تلبي حاجة الاقتصاد التركي من النقد الأجنبي. فوفقًا لبيانات البنك المركزي التركي فإن حصة روسيا وإيران داخل محفظة الاستثمارات المباشرة الأجنبية التي بلغت 131 مليار دولار بالنسبة لتركيا تقف عند مستوى 10.6 مليار دولار فقط.

بالإضافة إلى ذلك فإن ما قامت هاتان الدولتان بشرائه من حافظة السندات البالغة 32.6 مليار دولار والتي باعتها الخزانة العامة للدولة التركية إلى المستثمرين الأجانب تبلغ 2.2 مليار دولار فحسب. كما أن روسيا بصفة خاصة تدرس إنهاء شراكاتها في مصرف "دنيز بنك" وشركة "توركسل" للاتصالات اللذين يمثلان أهم استثماراتها في تركيا.

دخلت علاقات تركيا مع الدول الغربية حلفاءها الأقدم في موجة من الاضطرابات بسبب سلسلة من الأزمات مثل قضية رضا ضراب، ودعم قوات حماية الشعب في سوريا، وشراء صواريخ طراز إس- 400 من روسيا، والحقيقة الأكيدة أن شدة التوتر في العلاقات بين الطرفين قد زادت بصورة أكبر في الأيام القليلة الماضية.

ويلخص الحالة الراهنة التي وصلت إليها تلك العلاقات أن هذا البلد (تركيا) الذي يحمي الحدود الجنوبية لحلف الناتو قد أصبح أكثر ارتباطًا بروسيا حيث تم التوقيع خلال الأسبوع الماضي على المفاعل النووي الذي سيتم إنشاؤه في "آق قويو" في ولاية مرسين، وكذلك التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية أردوغان نهاية الأسبوع المنصرم بشأن الدول الغربية حيث خاطبهم "طريقكم يؤدي بكم إلى الجحيم". غير أن الدمار الذي تسبب فيه مثل هذا التدهور في علاقات تركيا بالكتلة الغربية التي ترتبط بها ليس سياسيًا وعسكريًا فحسب، بل واقتصاديًا أيضًا، يتضح ويبرز يومًا بعد يوم بشكل متزايد.

وبصورة تقليدية تدفع تركيا التي تجذب رؤوس الأموال الغربية إليها ثمن الصراع الذي تعيشه، فوفقًا للبيانات الرسمية التي أعلنها البنك المركزي التركي هذا العام كانت الاستثمارات المباشرة التي تم إجراؤها من أجل تأسيس مصنع جديد تمثل صفرًا. وبالمثل حدث تباطؤ في تدفقات الأموال الساخنة التي بلغت 51 مليار دولار العام الماضي، حتى إن عودة تلك الأموال إلى حيث أتت يمكن ملاحظتها من الأرقام القياسية التي تحطمت في الأسابيع الأخيرة في الدولار واليورو وفي نسب الفائدة؛ فبينما بلغت قيمة الدولار 4.07 مقابل الليرة، بلغ سعر صرف اليورو 5 ليرات مقابل الليرة، ووفقًا لمؤشر سعر الصرف الفعلي الحقيقي الذي أعلنه البنك المركزي مطلع شهر إبريل الجاري فقد تراجعت القيمة الحقيقية لليرة إلى نفس مستواها باعتبار أزمة 2001.

تباين المصالح

جاءت ردود الفعل متباينة من كل من تركيا وإيران وروسيا على الغارات الجوية المشتركة التي شنتها معا الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على سوريا يوم السبت الماضي ردا على ما يشتبه أنه هجوم كيماوي نفذته قوات النظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد ضد مدنيين.

وزارة الخارجية التركية من جانبها أصدرت بيانا صباح يوم السبت الماضي، رحبت فيه بالغارة المشتركة ووصفتها بأنها "رد فعل مناسب".

وقال بيان الخارجية التركية "تعتبر تركيا أن العملية التي نفذتها هذا الصباح الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا إنما هي رد فعل مناسب على الهجوم الكيماوي الذي أودى بحياة العديد من المدنيين في دوما يوم السابع من أبريل. نحن نرحب بهذه العملية التي أوقظت الضمير الإنساني بعد الهجوم في دوما، والذي يشتبه على نطاق واسع أن وراءه النظام (السوري)".

وأضاف البيان "إن سجل النظام السوري مليء بالجرائم ضد الإنسانية وانتهاك القوانين والقرارات الدولية الداعية لحظر استخدام الأسلحة الكيميائية".

وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في وقت لاحق يوم السبت خلال خطاب ألقاه في ألانيا "إننا لسنا في موضع اختيار بين روسيا وأميركا. كما أننا لسنا في موضع اختيار بين النظام (بشار الأسد) وأميركا وفرنسا وبريطانيا".

وأكد الوزير التركي على "ضرورة إنقاذ سوريا من نظام الأسد".

كما رحب رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بالغارات المشتركة ووصف التدخل العسكري بأنه خطوة إيجابية.

وقال يلدريم "نحن نرى هذه (الغارات التي قادتها أميركا) خطوة إيجابية لكننا بحاجة لفعل المزيد من أجل تحقيق سلام دائم.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطاب ألقاه في اسطنبول يوم السبت "نحن نعتبر أن هذه العملية في محلها" مضيفا أن "الحساسية تجاه الهجمات الكيماوية التي قام بها نظام الأسد يجب أن تظهر أيضا في مواجهة الأسلحة التقليدية التي تقتل الأبرياء في سوريا".

روسيا

أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فأكد من جانبه – في بيان - على أن الغارات مثلت انتهاكا للقانون الدولية.

وقال الرئيس الروسي "تدين روسيا بأشد العبارات الممكنة الهجوم على سوريا الذي يتواجد بها عناصر من الجيش الروسي لمساعدة الحكومة الشرعية في جهودها لمكافحة الإرهاب".

وأضاف "التصعيد الحالي حول سوريا له آثار مدمرة على العلاقات الدولية بأسرها. إن التاريخ سيظهر الحقيقة.. وتتحمل واشنطن بالفعل المسؤولية عن الفظائع التي حدثت في يوغوسلافيا والعراق وليبيا".

إيران

ونشر الزعيم الأعلى الإيراني علي خامنئي تغريدة على تويتر في ساعة مبكرة يوم السبت وصف فيها الهجوم الذي قادته الولايات المتحدة بأنه جريمة كبرى.

وقال خامنئي "الهجوم على سوريا يعد جريمة. أعلن بقوة أن رئيسي الولايات المتحدة وفرنسا ورئيسة وزراء بريطانيا قد ارتكبوا جريمة كبرى. لن يحققوا أي منفعة، تماما مثلما لم يحققوا شيئا في العراق وسوريا وأفغانستان خلال السنوات الماضية التي ارتكبوا فيها نفس الأعمال الإجرامية".

وعلى حسابه بموقع تليجرام قال خامنئي "الرئيس الأميركي والرئيس الفرنسي ورئيسة الوزراء البريطانية.. مجرمون".

اقتصاد حلفاء مضطرب

بدأت تدق أجراس الأزمة في اقتصاديات شركاء تركيا الجدد. فبينما ارتبكت أسواق المال الروسية بعد آخر العقوبات التي أعلنتها الولايات المتحدة الأميركية نهاية هذا الأسبوع شهد الروبل مستويات عالية من انخفاض قيمته؛ حيث فقدت العملة الروسية بالأمس ما نسبته 3 % من قيمتها مقابل الدولار، وبلغت نسبة الانخفاض في العملة الروسية 6.5 % على مدار الشهر الماضي. وهذا التراجع الذي شهده الروبل أكثر بكثير مما شهدته الليرة التركية التي فقدت 6.3 % من قيمتها في الفترة نفسها.

أما بالنسبة لإيران فهناك قصة أخرى؛ فوفقًا لأسعار العملات التي أعلنها البنك المركزي الإيراني فإن الريال وحدة العملة الوطنية يبدو قد فقد 1 % فحسب من قيمته منذ أوائل شهر مارس وحتى الآن. غير أنه نظرًا لأن الدولة تفرض سيطرتها وتتحكم في رؤوس الأموال، هناك شكوك في مدى صدق تلك الأرقام. وبينما يتم تداول الدولار الأميركي في السوق الإيرانية السوداء بأسعار أعلى بكثير من الأرقام التي أعلنتها الحكومة الإيرانية، قامت السلطات الحاكمة هناك بمنع الاستيراد بالعملات الأجنبية اعتبارًا من الشهر الماضي، واتخذت إلى جانب ذلك مجموعة من التدابير مثل إغلاق مكاتب الصرافة الخاصة واعتقال أولئك الذين يتاجرون في السوق السوداء.

ومن المتوقع أن تكون عوائد السياحة والصادرات التي ستأتي من هذين الحليفين الجديدين اللذين بدأت تركيا تتحرك معهما سويًا وبشكل استراتيجي محدودة بسبب هذه التطورات الجارية. ولهذا السبب فإنه، وبالرغم من خطابات أردوغان الحادة، إلا أن تركيا لا تزال غير قادرة على إنتاج بديل لرأس المال الغربي وعلاقاتها مع الغرب نفسه في المجالين العسكري والسياسي.

ووفقا للخبر الوارد في "بي بي سي" التركية فقد أعلن البنك المركزي الإيراني أنه اتخذ سلسلة من الإجراءات المهمة عقب الانخفاض الحاد الذي شهده سعر الصرف مؤخرًا، فقد ثبَّت سعر الصرف. وبناء عليه فإن سعر صرف الدولار في البلاد مقابل الريال هو 42 ألف. وكان الدولار قبل صدور هذا القرار يتداول حول 60 ألف.

وثمة تدبير آخر خاص بمقدار الأموال الأجنبية التي يحتفظ بها المواطنون في حوزتهم؛ حيث صدر قرار يسمح للمواطنين الإيرانيين بالاحتفاظ بـــ 10 آلاف يورو دون إيداعها في البنوك، أما من يحتفظون بأكثر من 10 آلاف يورو فقد تم إمهالهم حتى نهاية الشهر لإيداعها في البنوك أو تغييرها بالعملة المحلية.

بينما أُعلن أنه سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق من لا يلتزمون بالقرار.


اضف تعليق