التقاريرسياسة

قضية صلاح عبد السلام.. نموذج لفشل الاستخبارات الأوروبية

رؤية ـ جاسم محمد
 
قضية صلاح عبد السلام تعتبر أفضل نموج لفشل الإستخبارات الأوروبية، تحديدا البلجيكية والفرنسية، في قضايا مكافحة الإرهاب، فبعد سنتين من اعتقاله، لم تستطع إصدار الحكم ضده، ولم تستطع التعامل مع القضية كما يفترض، وكما ينتظر من أجهزة الاستخبارات. قضية فشل الاستخبارات الأوروبية، تعدت ذلك لتشمل فشل الاستخبارات الألمانية والإيطالية، بالتعامل مع قضية أنس العامري، منفذ عملية شاحنة برلين ديسمبر 2016. وهذا ما يجعلنا نعيد النظر بتقييم أجهزة الاستخبارات الأوروبية بالكامل، وإن كانت فعلا، قادرة على مواجهة الإرهاب محليا ومحاربة التطرف، أكثر من توجيع الضربات العسكري للتنظيم، وهي الأخرى تجعلنا نعيد النظر حتى في العمليات العسكرية.
 
كثيرا ما وصفت أجهزة الاستخبارات البلجيكية والفرنسية، صلاح عبد السلام بالكنز المعلوماتي، والذي يمكن أن يوصلها إلى تفكيك خلايا داخل أوروبا؟
 
لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات على تفجيرات باريس الإرهابية، وسنتين على تفجيرات مطار بروكسل وإلقاء القبض على صلاح عبد السلام، والاستخبارات البلجيكية، لم تصل إلى اي معلومات!
 
فماذا حصّلت الاستخبارات الفرنسية من صلاح عبد السلام بعد أكثر من عامين؟
 
هل الموضوع يتعلق بعدم رغبة عبد السلام في التعاون مع اجهزة الاستخبارات؟ ام أن صلاح عبد السلام، لا يمتلك معلومات غير الدور اللوجستي الذي لعبه؟
 
لأول مرة، بعد مضي أكثر من سنتين، تصدر محكمة بلجيكية يوم 23 أبريل 2018 ضد صلاح عبد السلام، بتهمة تبادل إطلاق النار مع الشرطة في بروكسل، عند اعتقاله في مارس 2016.
 
  صلاح عبد السلام مغربي الاصل، بلجيكي الولادة فرنسي الجنسية، وهو الناجي الوحيد من خلايا تفجيرات باريس نوفمبر 2015… نشأ في حي مولينبيك في بلجيكا -أغلبية سكانه من المهاجرين المسلمين- وهو متهم بتدبير هجمات باريس هو وشقيقه إبراهيم، بعد عثور الأمن الفرنسي بعد هجمات باريس على سيارة استأجرها صلاح عبد السلام من بلجيكا وتحمل أرقاما بلجيكية واستخدمت في الهجمات… ويعتبر من أصحاب السوابق، وكان يحصل على دخل متوسط بامتلاكه متجرا، ووصف بأنه كان غير متطرف ومعروف بتردده على الحانات واحتساء الخمر.
 
ألقي القبض على صلاح عبد السلام في بروكسل يوم 18 مارس 2016، وجاءت عملية إلقاء القبض عليه بعد يومين من العثور على بصماته في أحد الشقق بالعاصمة البلجيكية. وكشفت الشرطة الفرنسية في وقت سابق عن إصابة شخصين أثناء عملية أمنية في حي “مولنبيك” في بروكسل الذي شهد عمليات مداهمة واسعة بحثا عن مشتبه بهم في اعتداءات باريس، نتج عنها مقتل “محمد بلقايد” جزائري الجنسية، والذي يرتبط بعلاقة بصلاح عبد السلام. الجدير بالذكر أن  صلاح عبد السلام لم يقاوم ولم يفجر نفسه، كما كان متوقعا في مشهد المداهمات ضد الجماعات المتطرفة.
 
حي “مولنبيك”
 
يعتبر حي “مولنبيك” هو أكبر مثال على تأثير تلك الخطابات على الأذهان. واكتسب الحي سمعة سيئة في جميع أنحاء العالم، وبات يوصف بأنه النواة أو الأرض الخصبة للتشدد والإرهاب في أوروبا. وتعتبر مدينة “مولينبيك” أحد أشهر معاقل الجهاديين حول العالم، حيث عاش معظم من قاموا بالهجمات الإرهابية في بروكسل وباريس في مدينة مولينبيك. كما اختبأ بها صلاح عبد السلام، والذي يعتبر العقل المدبر لهجمات باريس بمساعدة بعض أصدقائه وأقاربه إلى أن تم القبض عليه. فمولنبيك هي بلدية معروفة بأن غالبية السكان من أصول إسلامية، إن الوضع في مولنبيك له خصوصية لأنه يتمتع بظروف ووضعية خاصة. وارتبط اسم مولنبيك ببعض منفذي ومخططي هجمات إرهابية عدة جعلها تحتل مكان الأولوية ومعظم المتطرفين من سكان البلدية هم رسميًا عاطلون عن العمل، لكنهم يحصلون على الأموال بفضل التجارة.
 
شهدت بلجيكا منذ سنوات طويلة ظهور تطرف إسلاموي يتبنى إيدلوجية “جهادية” ورغم أن بلجيكا لم تشهد سوى هجمات محدودة، فإن الكثير من”الجهاديين” البلجيكيين شاركوا في عمليات إرهابية في عواصم أوروبية ودول منطقة الشرق الأوسط. وربما يعود السبب إلى تراخي الحكومة في مواجهة التطرف وكبح عوامل الإرهاب.
 
أظهرت دراسة أعدها “مركز برلين للدراسات “الاجتماعية، أن أكثر من نصف المسلمين في بلجيكا من “الأصوليين” وأنهم “الأكثر أصولية في أوروبا بعد النمسا التي احتل  مسلموها المرتبة الأولى. ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية مؤخرا أن بلجيكا أكبر مصدر لتجنيد “الجهاديين” في أوروبا، مشيرة إلى أن جماعة تدعى “الشريعة من أجل بلجيكا” هي العامل الرئيسي لتحول البلاد إلى مصدر المقاتلين الذين يتوجهون إلى الشرق الأوسط.
 
هناك جملة انتقادات موجهة ضد أجهزة الأمن وتحديدا جهاز استخبارات بلجيكا، والتي وصفت بأنها الحلقة الأضعف في أجهزة الاستخبارات الأوربية.  ويقول “الن وينانت” -رئيس جهاز المخابرات من 2006 إلى 2014- إن الساسة لم يأبهوا فيما يبدو للجهاز حتى بداية وربما يعود ذلك إلى التركيبة الديموغرافية إلى بلجيكا والتي تقوم على أساس الأصول الفرنسية والهولندية وأصول أخرى غيرهما.
 
الحكومة البلجيكية تدفع ثمن تراخي أجهزتها أمام التطرف والذي يمتد إلى سنوات طويلة. وتتحمل الحكومة من جانب آخر القصور في سياسة دمج الأجانب وتوفير فرص العمل والتعليم. المعلومات من داخل بلجيكيا كشفت وجود أحياء مثل “فيرفير ومولينبلي”، تحولتا إلى “حواضن” للجماعات والأيدلوجية المتطرفة بسبب سوء السياسات، وزيارة هذه الأحياء تكشف تدني الخدمات وانخفاض معدلات الدخل.
 
أنواع الخلايا النائمة
 
الخلايا المنظمة:- وهي خلايا منظمة ومتواصلة مع قيادة داعش ولها مسؤول وتصنف في تنظيم داعش كما يلي:-
 
خلايا “A” وتكون مهيأة من كافة النواحي اللوجستية والتدريب والتموين ويبلغ أفراد الخلية بالعملية ونوعها ومكانها وتنتظر ساعة الصفر، وفي هذه الحالة يقطع عنها الاتصال، ولا يجوز لها استخدام الهواتف وأي وسيلة اتصال، ويتم التخلص من أجهزة الجوال ومسح كل المعلومات وإتلاف أجهزة الحاسوب ورميها في مكان بعيد عن الإقامة وخفض تحركات الخلية.
 
خلايا “B” وهي خلايا قيد التدريب والتموين ولا يوجد اتصالات إلا عن طريق رئيس الخلية الذي يكون على تواصل مع الجهات التي تحدد له مهام التعبئة والتموين ومستلزمات العملية، ولا يجوز إطلاع عناصر الخلية على الخطة ولا عن مكان العملية إلا بعد اكتمال التدريبات.
 
خلايا “C” وهي خلايا تشكلت، ولكن لم تباشر التدريب ولم تحدد لها أي عملية، ويتصرف أفراد الخلية بشكل طبيعي في المجتمع ويمارسون حياتهم العادية دون قيود، ويكون اتصالهم بمسؤول الخلية بشكل خيطي أي لا يعرف أفراد الخلية أحدهم الآخر ويتصل بهم مسؤول الخلية بين فترة وأخرى بشكل منفرد.
 
الاستخبارات البلجيكية والفرنسية وصفت صلاح عبد السلام بالكنز المعلوماتي ومفتاح شفرة للكثير من الملفات ضد تنظيم داعش في أوروبا، ومن شأنه أن يعمل على تفكيك خلايا إرهابية جديدة.
 
وهو خطأ كبير وقعت فيه الاستخبارات البلجيكية والفرنسية وحتى الأوروبية، وهذ يكشف أن أجهزة الاستخبارات الأوروبية في حينها، لا تعرف شيئا عن البنية التحتية لتنظيم داعش، وكيف تدار الخلايا والشبكات داخله لتنفيذ عمليات انتحارية في أوروبا تحديدا.
 
في عرض آلية عمل الخلايا النائمة، عند تنظيم داعش، لو طبقنا هذا النموذج على خلايا تفجيرات باريس نوفمبر 2015، يكون صلاح عبد السلام ضمن التصنيف (خلايا نوع C) أي كان اتصال صلاح عبد السلام برأس الخلية المنفذة، يفترض أن يكون “أباعود” وربما شخصية أخرى كانت موجودة على الساحة الأوروبية، لم يكشف عنها، وهذا يعني أن صلاح عبد السلام، لا يعرف شيئا عن تنظيم داعش وقياداته وتفاصيل عمله، فضلا عن أنه كان يقوم بدور محدود بتقديم الدعم اللوجستي لمنفذي العملية.
 
ويفترض بجميع عناصر الخلية أن ينفذوا عمليات انتحارية، أي يقتل جميع أعضاء الخلية المنفذة، وهذا يعني أن التنظيم الخيطي يحافظ على سرية اتصالاته، ولا يتم الكشف عن الخلايا الأخرى مجموعة (A) أو مجموعة (B). لكن ما حصل هو مخالفة صلاح عبد السلام للتعليمات وتردد في تفجير حزامه، وحتى “أباعود” رغم أنه ليس موضوع البحث، فقد قتل في مواجهة بشقة داخل باريس بعد تنفيذ العملية.
 
هذه الحقائق تكشف مدى فشل الاستخبارات الأوروبية خاصة البلجيكية والفرنسية بالتعامل مع خلايا الإرهاب من الداخل، وكانت قضية صلاح عبد السلام نموذجا لهذا الفشل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى