قبعات الزئبق وفساتين الزرنيخ.. كيف كانت الأناقة قاتلة في القرن 19؟


٠١ مايو ٢٠١٨ - ١٠:٥٠ ص بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

بينما كانت "فاني" زوجة الشاعر هنري وادزورث لونجفيلو تجلس في بيتها ظهيرة أحد الأيام، اشتعلت النار فيها، وكانت الحروق شديدة لدرجة أنها ماتت في اليوم التالي، وطبقا لما جاء في نعيها، فإن الحريق بدأ عندما علق عود ثقاب أو ورقة مشتعلة بثيابها.

في ذلك الوقت لم تكن تلك طريقة غريبة للموت، حيث تنتشر الشموع ومصابيح الزيت، والمواقد التي تستعمل لتدفئة المنازل في أوروبا وأمريكا، كانت التنانير النسائية الواسعة وفساتين التول تشكلان خطرا بالنسبة للحرائق، عكس ملابس الرجال الصوفية.

لم تكن مجرد فساتين، فالموضة في هذا الوقت كانت مليئة بالمخاطر، فالجوارب المصنوعة من أصباغ "الأنيلين" أصابت أقدام الرجال والعاملين في صناعة الملابس بالتقرحات، وحتى سرطان المثانة، وتسبب الماكياج المصنوع من الرصاص في تلف الأعصاب لدى النساء، بحيث لم يعدن يتمكن من رفع أيديهن، وكانت الأمشاط المصنوعة من "السيلولويد" تنفجر في شعر النساء إذا كانت الحرارة مرتفعة، وذكرت إحدى الصحف أن رجلا فقد حياته بسبب مشطه "السيلولودي"، بينما كان يعتني بلحيته الرمادية الطويلة في بروكلين.

في الواقع كانت الملابس الأنيقة والراقية يدخل في صناعتها مواد كيميائية، نعتبرها اليوم شديدة السمية، وكان منتجو هذه الملابس وليس مرتدوها، أكثر من عانوا من الأضرار.


وكان صانعو القبعات يتحملون أثارًا جانبية عقلية وبدنية نتيجة استخدام الزئبق في حرفتهم، فكانوا يصابون بتسمم الزئبق المميت، لأنه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت قبعات الرجال تصنع من فرو الأرانب ولتعزيز شكل الفرو وصقله كان يتم إضافة الزئبق.

تقول أليسون ماثيوز ديفيد، مؤلفة كتاب "ضحايا أزياء: أخطار الفستان في الماضي والحاضر": "كانت تلك المواد شديدة السمية، خاصة إذا كنت تستنشقها فهي تذهب مباشرة إلى الدماغ."

وتضيف كان واحد من الأعراض الأولى هو الارتجاف، وظهر في البداية في مدينة دانبوري بولاية كونيتيكت، وعرف المرض باسم "دانبوري شيك"، وكانت هناك مشاكل نفسية أيضا مثل الخجل الشديد أو الإصابة بجنون العظمة، هذا إلى جانب مشاكل لها علاقة بالتنفس والقلب، وفقدان الأسنان، والوفاة المبكرة.

ورغم توثيق هذه المخاطر إلا أن الكثيرين اعتبروها أخطار يجب قبولها مع الوظيفة، خاصة وأن الزئبق لم يكن يؤثر على الرجال الذين يرتدون القبعات فهم محميين ببطانة القبعة.


كان الزرنيخ في كل مكان في بريطانيا الفيكتورية، وبرغم أنه كان معروفًا باستخدامه كسلاح قتل، فقد استخدم في صناعة الشموع والستائر وورق الجدران، بحسب جيمس سي هورتون في كتابه "قرن الزرنيخ: كيف تم تسميم بريطانيا الفكتورية في المنزل والعمل واللعب."

ولأنه يصبغ النسيج باللون الأخضر الفاتح، انتهى المطاف بالزرنيخ في الفساتين والقفازات والأحذية وأكاليل الزهور الاصطناعية التي تستخدمها النساء لتزيين شعرهن وملابسهن.

وكان يمكن لأكاليل الزهور على وجه الخصوص أن تسبب طفح جلدي للنساء اللاتي يستخدمنها،. لكن مثل قبعات الزئبق، كانت أزياء الزرنيخ أكثر خطورة بالنسبة للأشخاص الذين صنعوها.

فمثلا في عام 1861 ، توفيت ماتيلدا شيهيري، صانعة زهور اصطناعية وعمرها 19 عامًا، والتي كان ضمن مهامها نشر غبار أخضر مشبع بالزرنيخ على الزهور، كان موتها عنيفا وملونا، تشنج وقئ ورغوة في الفم، وبعد التشريح وجدت أثار الزرنيخ في معدتها وكبدها ورئتيها.

وأثارت لمقالات حول محنة صانعي الزهور الاصطناعية الوعي العام بخطر استخدام الزرنيخ في الأزياء، وكتبت صحيفة "ميديكال جورنال" أن المرأة التي ترتدي ثوبا مستخدم فيه الزرنيخ تحمل في طيات تنورتها ما يكفي لقتل جميع المعجبين الذين قد تقابلهم."

ومن منتصف إلى أواخر القرن التاسع عشر بدأ الرأي العام يتحول ضد هذا القاتل الأخضر، وحظرته الدول الاسكندنافية وفرنسا وألمانيا، بينما لم تفعل بريطانيا.

بعد ذلك تم اختراع صباغت اصطناعية، ما أغلق الطريق أمام الزرنيخ بحسب  إليزابيث سيملهاك، منسق متحف باتا للأحذية في تورنتو، كندا.


هذا يثير أسئلة كثيرة حول الموضة اليوم، فإذا كانت فساتين الزرنيخ تبدو وكأنها تنتمي لعصر وحشي، فما زال بعض صناع الموضة يلجأون لتقنيات قد تكون قاتلة عند صنع الصبغات أو الملابس، على الأقل كان الرجال الذين يرتدون قبعات الزئبق والنساء اللواتي يرتدين فساتين الزرنيخ، يرون الشخاص الذين أنتجوا هذه الأشياء في شوارع لندن أو قرأوا عنها في الصحيفة المحلية، لكن في ظل اقتصاد العولمة، قد لا يرى الكثيرون منا الآثار المميتة التي قد تمثلها اختياراتنا للأزياء على الآخرين.


الكلمات الدلالية موضة قاتلة أزياء وموضة

اضف تعليق