تلوث الهواء.. وجه قبيح للتنمية يدفع ثمنه الفقراء


٠٢ مايو ٢٠١٨ - ١١:٥٤ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - أسماء حمدي

الأجواء غير الاعتيادية أصبحت هي السائدة في كثير من مدن العالم، إذ إن تبعات اندفاع البلدان المحموم نحو التطور ضرب البلاد بموجات هائلة من التلوث، والذي ارتفع إلى معدلات مرعبة وغلفت أجواء ضبابية عددا من المدن وأسدل عليها غطاء كئيبًا من عوادم السيارات والغازات المنبعثة من المصانع، ما تسبب بتلوث الهواء بشكل كبير في الأعوام الأخيرة.

لا ينبغي لأي مظهر من مظاهر التنمية أن يحدث على حساب صحة الناس، فإن وقع ذلك فالسؤال الأساسي الذي يجب طرحه هو: ما الغاية من كل هذه التنمية إن كان الناس يدفعون صحتهم وحياتهم ثمنًا لكل هذا الاستهلاك المادي؟





"إن تلوث الهواء يهددنا جميعا، لكن أفقر الناس وأكثرهم تهميشا يتحملون الجزاء الأكبر"، هذا ما قاله الدكتور تيدروس أدانوم غبريسيس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية.

ويقول أدانوم غبريسيس، إن تلوث الهواء تسبب في وفاة حوالي سبعة ملايين شخص كل عام، والتي تحدث غالبيتها في البلدان الفقيرة، وأشار إلى أن تسعة من كل 10 أشخاص يتنفسون الهواء الذي يحتوي على مستويات خطيرة من الملوثات، وفق آخر تقرير عالمي آخر عن تلوث الهواء صدر في أبريل.

 ويشير الخبراء إلى أن العبء الكبير يقع على عاتق أضعف الناس في العالم، وفي الوقت الذي تظهر فيه تقارير عن سكان عاصمة منغوليا، أولانباتار والذين يستنشقون "بخاخات الأكسجين" في محاولة لدرء الآثار الضارة لتلوث الهواء.

تعتبر مدينة أولانباتار، التي تم تصنيفها من قبل اليونيسف باعتبارها أكثر المدن تلوثًا في العالم، واحدة من المدن الآسيوية والأفريقية العديدة التي تم إبرازها على أنها معرضة بشكل خاص للتأثيرات السامة لتلوث الهواء من قبل منظمة الصحة العالمية.

ووفقا للدكتورة ماريا نيرا، التي تقود جهود الصحة العامة في منظمة الصحة العالمية، فإن العديد من المدن الضخمة في العالم - مثل بكين ودلهي وجاكرتا - تتجاوز المستويات الإرشادية لنوعية الهواء بأكثر من خمس مرات.





وفي عام 2016 تم إضافة أكثر من 1000 مدينة جديدة إلى قاعدة بيانات التلوث الجوي في منظمة الصحة العالمي ، مما يشير إلى أن المزيد من البلدان يهتم بشكل نشط بمراقبة مستويات التلوث ومراقبتها، حيث تشمل قاعدة البيانات الآن أكثر من 4300 مدينة، مما يجعلها الأكثر شمولية من نوعها في العالم.

وبرصد مستوى تلوث الهواء في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في السنوات الأخيرة، تشير الأرقام إلى حدوث أكثر من 90 % من الوفيات بسبب تلوث الهواء.

ويضيف الدكتور تيدروس قائلاً: "بدأ القادة السياسيون على جميع مستويات الحكومة، بما في ذلك رؤساء البلديات، بالانتباه لخطر التلوث وباتخاذ الإجراءات اللازمة، والخبر السار هو أننا نشهد المزيد من الحكومات برفع الالتزامات لرصد والحد من تلوث الهواء، فضلا عن المزيد من الإجراءات العالمية من القطاع الصحي والقطاعات الأخرى مثل النقل والإسكان والطاقة".

وتركز مقاييس منظمة الصحة العالمية لتلوث الهواء تحديدا على تركيزات الجسيمات الدقيقة، التي ترتبط بأمراض تشمل السكتة الدماغية وأمراض القلب وسرطان الرئة، ويقول الدكتور نيرا: "تخيلوا أن هذه الملوثات تتعمق كثيرا في رئتيك ونظام القلب والأوعية الدموية وتسبب هذا الرقم المرعب اليوم، وهو 7 ملايين حالة وفاة مبكرة كل عام".





على الرغم من أن تلوث الهواء لا يعد السبب الرئيسي لوفاة أحد الأشخاص، إلا أن الخبراء يتفقون على أنه لا شك في أنه يسهم في الأمراض ويقصر الأعمار.

"لا شك أن تلوث الهواء لا يمثل اليوم فقط أكبر خطر بيئي على صحتنا، ولكنني أود أيضا أن أقول بوضوح أن هذا يشكل تحديًا كبيرًا للصحة العامة في الوقت الحالي - ربما واحدة من أكبر التحديات التي نتأملها" حسبما قال دكتور نيرا.

إلى جانب ما يسمى تلوث الهواء المحيط أو الهواء الخارجي، أكدت الأرقام الجديدة مشكلة تلوث الهواء المنزلي من الطهي باستخدام الوقود والمواقد الملوثة للغاية، وتقول الدكتورة صوفي غومي، المسؤولة الفنية في إدارة الصحة العامة في منظمة الصحة العالمية والمحددات البيئية والاجتماعية للصحة: ​​إن المهم للغاية في تلوث الهواء هو أنه يأتي من مصادر متعددة، لذا من الضروري معرفة أين يأتي تلوث الهواء".

وتشير التقديرات إلى أن حوالي ثلاثة مليارات شخص ما زالوا لا يستطيعون الحصول على وقود أنظف وتكنولوجيات لاستخدامها في منازلهم، مما أدى إلى عبء التلوث الذي يقع في المقام الأول على النساء والأطفال.

وسلطت منظمة الصحة العالمية الضوء على الحاجة إلى تنظيف تلوث الهواء المنزلي في العالم النامي، فضلًا عن بذل جهود أوسع نطاقا لتنفيذ أنظمة نقل أنظف وطاقة أنظف.





في المملكة المتحدة، ركز الحديث حول تلوث الهواء بشكل رئيسي على ثاني أكسيد النيتروجين، وهو غاز سام ينبعث في المقام الأول من مركبات الديزل التي فشلت الحكومة مرارا وتكرارا في استيفاء حدودها القانونية.

ومع ذلك، تكشف البيانات الجديدة لمنظمة الصحة العالمية أن المملكة المتحدة مهددة أيضًا بالجسيمات، مع قيام أكثر من نصف البلدات والمدن في البلاد بقياس المعاناة من مستويات أعلى من الحدود الموصى بها.

في ضوء الإجراءات القانونية الأخيرة ضد الحكومة، أخذ علماء البيئة أرقام منظمة الصحة العالمية الجديدة كإشارة أخرى مفادها أن الوزراء بحاجة إلى العمل للتصدي للتلوث، حيث تظهر هذه الإحصاءات الجديدة مستوى مقلقا من تلوث الهواء الخطير في جميع أنحاء البلاد.

ويقول الرئيس التنفيذي لمحامي البيئة جيمس ثورنتون، "إن قانون الهواء النظيف الجديد من شأنه أن يحمي حقنا في استنشاق الهواء النظيف ودفع المزيد من الطموح للوفاء بمستويات أعلى من المبادئ التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية، وينبغي على الوزراء الالتزام بهذا الآن فبدون ذلك سيواصل العديد من الناس في جميع أنحاء المملكة المتحدة الدفع بصحتهم".

ومع ذلك، أشار البروفيسور أنتوني فرو، وهو أخصائي في أمراض الجهاز التنفسي في مستشفى رويال سوسيكس، إلى أن سكان بريطانيا يعانون إلى حد كبير من أسوأ الآثار الصحية لتلوث الهواء، ولفت إلى أن العالم النامي يتحمل وطأة تلوث الهواء جزئيا بسبب طلب المستهلكين من الدول الغنية.

"إن هذا التقرير هو تذكير في الوقت المناسب بأن الغرب بحاجة إلى أن يتذكر إن ازدهاره مبني جزئيا على الصناعات الملوثة والتي تؤثر على صحة الآخرين".




اضف تعليق