التقاريرسياسة

“إخوان ألمانيا”.. صداع في رأس الاستخبارات

رؤية ـ جاسم محمد

تشير التقديرات غير رسمية، إلى أن عناصر تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا لا تقل عن 3000 عضو تحت اسم  (رابطة المسلمين في ألمانيا IGD) يروجون لدعوتهم وجماعتهم، ويستقبلون قيادات إخوانية عربية، ويعقدون اجتماعات معهم .

وتاريخ تغلغل التنظيم الدولي لجماعة الإخوان في ألمانيا، بدأ من مسجد ميونيخ الذي تم الإعلان عن إنشائه عام 1963 واستندت استراتيجية الإخوان في هذا التغلغل على  ثلاث أدوات رئيسية وهي:

المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا 

المؤسسة الإسلامية لألمانيا حيث تتحكم في نحو (60) مركزًا إسلاميًا في أنحاء ألمانيا 

جمعية “ميللي جوروش” وهي أحد روافد الإخوان في إطار مشروع الإسلام السياسي التركي 

ورصدت “هيئة حماية الدستور” الألمانية  خلال عام 2018 تزايدا ملحوظا في نفوذ جماعة  “الإخوان المسلمين” داخل ولاية سكسونيا شرقي ألمانيا، واستغلالها للعديد من المنظمات مثل الجمعية الثقافية  “ملتقى سكسونيا”، وشراء العقارات بأموال طائلة لتوسيع هياكلها ونفوذها .

وفي ذات السياق أوضح تقرير الأمن البافاري في يناير 2018، تقييم ومراجعة الأهداف الحقيقية لتنظيم الإخوان وأنصارها من “الجماعة الإسلامية “، التي لا تختلف في ألمانيا عن الأهداف التي رسمها “حسن البنا”، وهي تأسيس نظام إسلاموي بقيادة تنظيم الإخوان المسلمين.

وقدر التقرير أعضاء وأنصار “الجماعة الإسلامية” في ألمانيا بنحو (3000)، يقيم أغلبهم في ولاية بافاريا، ويمتلك التنظيم شبكة من المنظمات التابعة له بمعظم المدن الألمانية الكبيرة، إضافة لجمعيات أخرى تعمل واجهة لـ “الإخوان”، كما تسعى الجماعة لتعزيز العلاقات بالجهات السياسية الألمانية المختلفة، ومع أصحاب القرار في ألمانيا، بهدف توسيع نفوذها .

وأفادت دراسة فى فبراير 2018 بالتعاون مع الاستخبارات الألمانية، أن جماعة الإخوان تنظيم مخادع ومتطرف، يُظهر ما لا يبطن، ويقول علناً ما يخالف إيمانه وعقيدته السرية ، وأكدت الدراسة أن السلطات الألمانية بدأت في مراجعة وتقييم أحوال وأنشطة جماعة الإخوان  المسلمين ومصادر تمويلها.

ووضعت الاستخبارات الألمانية الداخلية “ملتقى سكسونيا” الثقافي  في ولاية “درسدن” الألمانية تحت المراقبة، ويقول المتحدث باسم مكتب حماية الدستور في “سكسونيا”، مارتن دورنج، إن المؤسسة  تبدو مسالمة، ولكنها غير كذلك.

إجراءات الحكومة الألمانية ضد أنشطة جماعة الإخوان

ينشط الإخوان في الشبكات الاجتماعية في المدن الألمانية، وعلى الإنترنت والاستخبارات الألمانية حددت وجود نشاط الجماعة بين اللاجئين بحسب تعليمات سرية للتنظيم عبر تقديم المساعدات والمشاركة في الترجمة لهم أمام دوائر اللجوء والهجرة والسكن، بهدف توسيع نفوذ التنظيم، وتكشف تعليقاتهم على الإنترنت  الترويج والدعم اللوجستي مع  للجماعات المتطرفة الاخرى في دول المنطقة.

وفي تعليق الأستاذ عارف جابو، إعلامي وصحفي من مدينة بون الألمانية، يقول: “إن هذه الجماعة تمكنت من ترتيب أوضعاها داخل ألمانيا وتبني شبكة علاقاتها، التنظيمية داخل ألمانيا وخارجها”، وأضاف أن الجماعة، تمثل خطرا لا يقل عن الجماعات التي التحقت بتنظيمات القاعدة وتنظيم داعش والنصرة. جماعة الإخوان أيضا كان لها نشاط داخل موجات اللاجئين أيضا بحجة تقديم المساعدة في اللغة وغيرها من الأمور التي يحتاجها اللاجئين.

وأصدرت محكمة إدارية في ولاية “هيسن” الألمانية في نوفمبر 2017  قرارًا يقضي بمنع الحصول على الجنسية لشخص ثبتت صلته بجماعة الإخوان المسلمين، وبررت المحكمة  ذلك بأن قيم هذا الشخص لا تنسجم مع الدستور الألماني والمبادئ الديمقراطية وتبني أفكارًا متطرفة، ويعتبر هذا الحكم سابقة في ألمانيا، إذ إن جمعية الإخوان المسلمين غير محظورة وفق القانون الألماني.

وتعتبر دائرة الأمن البافارية من أكثرها حزماً مع نشاط الإخوان المسلمين بالمقارنة مع الولايات الألمانية الأخرى، وسبق للولاية أن حظرت نشاط  “بيت الثقافات المتعددة” التي تنفها دائرة حماية الدستور ضمن المنظمات المتشددة، والمحسوبة على الإخوان المسلمين، في مدينة أولم سنة 2005، وحولته إلى بيت لإيواء المتشردين. وأدركت الاستخبارات الألمانية، من خطر “مهادنة” جماعة الإخوان في ألمانيا، وعدم اتخاذ إجراءات شديدة ضد أنشطتهم ومقراتهم.

شهادات بعض المعنيين في الإسلام السياسي هنا في ألمانيا، أكدت أن الجماعة تسعى حاليا لجعل ألمانيا مركز أنشطتها في أولروبا، خاصة مع حرص تنظيم الإخوان على نقل قياداتها ونشاطاتها واستثماراتها والهيكل الإداري لتنظيمها الدولي إلى مراكز أكثر أمنا، بعد الإجراءات المزمع اتخاذها ضد التنظيم في العديد من الدول الأوروبية .

تعتبر الاستخبارات الداخلية أن الجماعات الإسلاموية تشكل خطرا على أمن ألمانيا، بينها جماعة الإخوان المسلمين، رغم أن هذه الخطوة جاءت متأخرة خلال عام 2014، في أعقاب موجة الإرهاب التي ضربت ألمانيا وعواصم أوروبية.

ويعتبر مكتب المدعي العام والذي يرأسه بيتر فرانك واحدة من المؤسسات التي تكافح الإرهاب وتعمل على تجميع إجراءات قانونية ضد الإرهابيين في ألمانيا. اعترف فرانك في لقاء أجراه مع صحيفة زود دويتشه تسايتونغ بأنه يواجه “صعوبات في جمع الأدلة من سوريا أو العراق”، وقال فرانك: “نعتقد أن بعضا منهم، ملطخة أيديهم بالدماء، إلا أننا لا نستطيع إثبات ذلك في كثير من الأحيان”.

تعمل ألمانيا بشكل جاد على تعزيز قدرتها الأمنية من خلال زيادة تسليح الشرطة، وإعادة تسليح الأجهزة الأمنية، مع استحداث جهاز لمكافحة الإرهاب، تحسبا لأي استهداف إرهابي.

واعترفت الشرطة الألمانية بأنها تتعامل مع مقاتليين متمرسين على العمليات الإرهابية ويجيدون استخدام الأسلحة، ويتميز هؤلاء الإرهابيون بقدرتهم على التحرك وتنفيذ عمليات عدة في مواقع مختلفة في وقت واحد، وهذا التكتيك الذي ينهجه الإرهابيون يشكل تحديا كبيرا أمام الشرطة.

وردا على سؤال: كيف تعاملت أجهزة الاستخبارات والحكومة الألمانية مع الجماعة: أجاب الصحفي المختص في الشأن الألماني من مدينة بون الألمانية، عارف جابو قائلا: “إن الاستخبارات الألمانية تعاملت مع الجماعات الاسلاموية بضمنها جماعة الإخوان بشيء من “السذاجة” كونها لم تقدر الخطر الحقيقي لجماعة الإخوان.”

واستدرك السيد جابو قائلا: “إنه رغم أن الاستخبارات الألمانية أدركت خطر الجماعة في أعقاب الضربات الإرهابية التي تعرضت لها ألمانيا خلال الأعوام الأخيرة ومنها العاصمة برلين، فإنها لم تتعامل مع القضية بشكل جاد.”

ما زالت ألمانيا، تتعامل في موضوعات محاربة التطرف والإرهاب، بحذر، وهناك انتقادات إلى الحكومة الألمانية من قبل المعنيين في الإرهاب والتطرف، بأن هناك بيروقراطية في تعاملات ألمانيا مع الجماعات المتطرفة على أراضيها. وإلى الآن ألمانيا لم تظهر حلولا كاملة لمعالجة التطرف والإرهاب، والتي توصف بأنها نصف حلول. وهذا ربما يتعلق بطبيعة التركيبة السياسية الألمانية وربما تنطبق أيضا على الشخصية الألمانية، التي تأثرت كثير بالبيروقراطية ما بعد الحرب العالمية الثانية 1945.

رغم أن ألمانيا أدركت وبشكل متأخر، نتائج مهادنتها لجماعة الإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة على أراضيها، فهي تخشى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة أو تصنيفها ضمن الجماعات المتطرفة، ربما يدفع الجماعة لاستهداف المصالح الألمانية.

المشكلة الأكثر تعقيدا في ألمانيا، في محاربة الإرهاب والتطرف، أنها تنظر للقضية، من الناحية الجنائية، أكثر من أن تكون عملية أيديولوجية متطرفة وتسييس الدين، وأسلمة المجتمع الألماني. والمشكلة الأخرى، التي تواجه الاستخبارات الألمانية هنا هي القضاء ونصوص الدستور. وهذا ما يدفع باللوم على المشرع الألماني ربما اكثر من أجهزة الأمن والاستخبارات التنفيذية.

يبقى تنامي جماعة الإخوان في ألمانيا تحديا أمام أجهزة الاستخبارات، بسبب اتخاذ الجماعة، واجهات وأغطية لعملها السري، مثل المدارس والجمعيات الثقافية ومساعدة اللاجئين، وهذا يصعب مهمة أجهزة الاستخبارات بالحصول على الشواهد والأدلة. وبات متوقعا، أن ألمانيا بسبب سياستها هذه، سوف تعاني أكثر من أنشطة  جماعة الإخوان السرية، ومن المرجح أن تراهن جماعة الإخوان في أوروبا على وجودها في ألمانيا، ربما لأسباب تتعلق بسياسة ألمانية المهادنة، ومواقف ألمانيا المترددة، غير الحازمة بتصنيف الجماعة، منظمة إرهابية، أو على الأقل حظر أنشطتها وتحديد مقراتها في المدن الألمانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى