هيتشكوك.. "ملك السرد" الذي لم يكتب رواية واحدة


٢١ يوليه ٢٠١٨ - ١٠:٠٢ ص بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

ترقب .. لهاث.. مفاجآت متلاحقة وحالة تأهب للقادم، هذا هو حالك وأنت تشاهد فيلما من أعمال المخرج البريطاني "ألفريد هيتشكوك"، واعلم أنك لن تسترد أنفاسك إلا بعد ظهور كلمة النهاية على الشاشة، أليس هو صاحب العبارة  الشهيرة "حاول دائما جعل المشاهدين يعانون قدر ما تستطيع".

نقل هيتشكوك السينما إلى عصر آخر، وكأن عالم السينما سيصبح مختلفا تماما بدونه، حيث تمكن بأسلوبه السردي المشوق في أفلامه من إثارة مشاعر الجمهور كما لم يفعل مخرج من قبل.


       
بإبداع فريد من نوعه دشن هيتشكوك عصرا سينمائيا جديدا يعتمد على الإثارة والتشويق والاهتمام بالجانب النفسي للشخصيات، بل إنه قدم مضمونا جديدا للرعب بعيد عن القوالب المعروفة التي تعتمد على البشاعة والماكياج الصارخ، فمثلا في فيلمه الأشهر "سايكو"، نفاجأ بمقتل بطلة الفيلم في منتصف الفيلم، وبقواعد تلك الفترة، عام 1960، كانت وفاة البطل أو البطلة في منتصف الفيلم أمرا غريبا، خاصة إذا كانت الوفاة غير متوقعة، والمشاهد ليس مهيأ لمشهد كهذا، إنها مجرد نزيلة لطيفة في فندق صغير ذهبت للاستحمام قبل النوم، قد نفكر أننا سنشاهد بزوغ قصة حب بين البطلين، لكن أن تموت الفتاة اللطيفة في مشهد لا ينسى استخدم فيه المونتاج وحركة الكاميرا بشكل بديع فهو أمر يفوق كل التوقعات.

ولتحقيق رؤيته، استخدم هيتشكوك كافة عناصر العمل السينمائي لخلق عالمه، من سيناريو إلى ديكور وتصوير، ومونتاج وموسيقى متوجسة، حتى حركة الكاميرا المهزوزة المتوترة التي تنقل إلى المشاهد شعورا فوريا بالتوتر، واهتم بتصاعد الأحداث على طريقة الكريشندو حتى تصل إلى ذروتها لتحبس أنفاس المشاهدين، لتكنيكه في الإخراج علامة مميزة وحالة فنية شديدة الخصوصية.


بدأت علاقة هيتشكوك بالسينما كمصمم للوحات الحوار التي تعرض على الشاشات الجانبية لتخفيف حدة الصمت في عصر السينما الصامتة في العشرينات، ثم أخذ يتنقل بين الاستديوهات المختلفة محاولاً اكتساب العديد من الخبرات وهذا ما حدث بالفعل، فعمل في تصميم الدعاية والديكور، ثم كمساعد في كل من كتابة السيناريو والإخراج، وهو ما ألقى بظلاله على أسلوبه في الإخراج الذي يهتم بكافة التفاصيل. 
 
أما شهرة هيتشكوك كمخرج سينمائي له بصمته الخاصة جاءت في بداية الثلاثينات، حيث قدم للسينما العديد من الأفلام القوية في هذه الفترة مثل "الرجل الذي عرف أكثر من اللازم"، "الدرجات التسع والثلاثين"، "العميل السري"، "اختفاء سيدة" وغيرها.

وعندما شعر هيتشكوك أن بإمكانه جذب الجمهور ومداعبة شباك التذاكر، قرر الانتقال إلى عاصمة السينما العالمية هوليود العالمية عام 1940، وكان فيلم "ربيكا" بداية مرحلة جديدة أكثر نجاحا له.




لم تكن عملية الإخراج هي عملية الخلق الأول لأفلام هيتشكوك فكان يهتم أيضا بالقصص التي يخرجها، ويوليها عناية فائقة، وله عبارة شهيرة يقول فيها: "صناعة فيلم عظيم تحتاج إلى ثلاثة أشياء: سيناريو جيد وسيناريو جيد ثم سيناريو جيد"، وهكذا شاهدنا في أفلامه العديد من التحولات المفاجئة للشخصيات مستخدما عامل المفاجأة وعدم التوقع ليجعل المشاهد في حالة مستمرة من الترقب، ويظهر المجرم في نهاية الفيلم كأبعد شخص ممكن أن يرتكب الجريمة فيتحول الفتى الطيب إلى قاتل يقتل ضحيته بمنتهى الشراسة، وغيرها من المفاجآت التي كان يعدها هيتشكوك للمشاهد.

ركز هيتشكوك -كما قلنا سابقا- على النواحي النفسية والمشاعر المختلفة لدى أبطال أفلامه، ولم تكن يكفيه براعة الحبكة أو متعة اكتشاف من المذنب أو الجاني، بل جعلنا نرى الدوافع التي تدفعهم لارتكاب جريمة معينة، فيصدم المشاهد عندما يرى شخصية هادئة وسوية كانت وراء الجريمة ونكتشف في نهاية الفيلم أن هذه الشخصية مضطربة نفسياً، وهذا ما دفعها لارتكاب الجريمة، مثلما حدث في فيلم "سايكو" -الذي وصل فيه هيتشكوك إلى قمة إبداعه الفني ليتحول الفيلم إلى أيقونة خالدة- حيث اتضح في نهاية الفيلم أن الشاب الهادئ الوديع هو القاتل، كما قدم في فيلم "الطيور" عام 1960 نموذجا مغايرا للطيور المعروفة بالوداعة ليأتي لنا بها في سياق كابوسي مرعب كطيور قاتلة.


كانت شخصية هيتشكوك مثيرة كأفلامه، واشتهر بطريقته اللاذعة في التعامل مع الممثلين وكان يسيطر عليهم بشكل تام ويوجههم كالآلات، فليس مسموحا لممثل داخل دائرة هيتشكوك أن يرتجل أو يتصرف وفقا لهواه، وانتشرت عبارة له هي "الممثلون هم الماشية"، وكشف أنه قالها بالفعل في وقت مبكر من حياته، وظلت هذه العبارة تطارده لسنوات.

وأسفرت هذه العبارة عن واقعة طريفة أثناء تصوير فيلم "السيد والسيدة سميث" عام 1941 عندما أحضرت كارول لومبارد بعض البقر إلى مكان التصوير وعليهم علامات تحمل اسم لومبارد، روبرت مونتجمري، وريمون جين، أسماء نجوم الفيلم لمفاجأة المخرج، فقام هيتشكوك بنقلها بشكل دقيق فقال: "لقد قلت: يجب أن يعامل الممثلون مثل الماشية".

وصفته مجلة "MovieMaker " بأنه المخرج الأكثر تأثيرا على الإطلاق، أخرج خلال مسيرته التي استمرت لعقود، أكثر من خمسين فيلما روائيا ولا يزال إلى الآن واحدا من أكثر المخرجين شعبية, وغالبا ما يعتبر أعظم مخرج بريطاني على مر العصور.


ورغم هذا التأثير والشعبية، لم ينل هيتشكوك أي جائزة أوسكار، رغم ترشحه لـ6 جوائز أوسكار كأفضل مخرج، ورشح أيضاً لعدد من جوائز مهرجان "كان" السينمائي، ورشح لعدد من جوائز إيمي، وفاز بعدد كبير من الجوائز مثل الجولدن جلوب وجائزة الإكليل الذهبي كأفضل مخرج ومنتج، والأسد الذهبي وغيرها من الجوائز والتكريمات.

وصفه السينمائي الفرنسي فرانسوا تروفو كواحد من أهم الكتاب العالميين، وذلك على الرغم من أن هيتشكوك لم يكتب سيناريو أو رواية كاملة بمفرده، ودافع عنه مقابل استخفاف مجتمع السينما بأعماله التي يعتبرونها مجرد أفلام ترفيهية، قائلا: "في أمريكا تسمونه هيتش، أما في فرنسا نسميه السيد هيتشكوك".

وعن ذلك قال هيتشكوك -في مقابلة مع روجر إيبرت في سنة 1969- "أقوم أنا مع الكاتب برسم السيناريو حتى أدق التفاصيل، و حين نفرغ لا يتبقى لنا إلا تصوير الفيلم، في الواقع، تبدأ مرحلة التنازلات عندما يخطوا أحدنا برجله إلى داخل الاستديو في الحقيقة، يتمتع الروائي بأفضل طاقم حيث إنه ليس بحاجة للتعامل مع الممثلين وباقي الأشياء".

وأكمل: "عندما يكتمل السيناريو، قد أفكر في عدم تنفيذ الفيلم على الإطلاق، فعند الانتهاء من السيناريو، يكون الفيلم مثاليا، ولكنك تفقد خلال التصوير ما نسبته 40٪ من مفهومك ونظرتك الأصلية، وأنا أتمتع بعقلية تصورية قوية للغاية، فأرسم في مخيلتي الفيلم كله حتى آخر لقطة، وأقوم بكتابة كل شيء في السيناريو حتى أدق التفاصيل، ولا أقوم بالنظر في السيناريو وقت التصوير لأنني أكون قد حفظته عن ظهر قلب، تماما مثل قائد الأوركسترا الذي لا يحتاج للنظر في مقطوعته المكتوبة".


وفي كتاب "الكتابة مع هيتشكوك: دراسة مطولة للكتابة عن طرق عمل هيتشكوك مع مؤلفيه"، ذكر المؤلف ستيفن ديروزا "على الرغم من أن هيتشكوك لم يكتب أي شيء فعليًا -خصوصًا في منتجاته مع هوليود- إلا أنه أشرف وأرشد مؤلفيه في كل مسودة، وأصر على الاهتمام بالتفاصيل، كما أنه فضّل سرد القصة عن طريق الوسائل البصرية أكثر من السمعية، وفي حين أغضب هذا بعض الكُتّاب، إلا أن آخرين اعترفوا بأن المخرج ألهمهم كثيرًا لتقديم أفضل ما لديهم".

وللتأكيد على حبه للكتابة التي لم يمارسها فعليا، تحول إلى ناشر ذكي، يبتاع القصص القصيرة المخيفة التي كانت تروق له ويصدرها في سلسلة أسماها "قصص لم يسمحوا لي بتقديمها على التليفزيون".


اضف تعليق