التقاريرسياسة

مصادر التطرف العنيف في أوروبا

رؤية ـ جاسم محمد

بعد جهود التحالف الدولية ومشاركة دول أوروبا في محاربة تنظيم داعش والقضاء على معاقله خلال عام 2017 و 2018، انتبهت دول أوروبا، لمخاطر التطرف، من داخلها، لكنها اعترفت بأنها لحد الآن لم تستطع وضع استراتيجية أو برامج محددة لمحاربة التطرف. 

المعنيون في محاربة التطرف ومسؤولون حكوميون، لم يترددوا بالقول إن محاربة التطرف في أوروبا أمر يحتاج جيل كامل، وهذا يمثل تحديا أمام الحكومات والمؤسسات الأوروبية التي تعنى بمحاربة التطرف والإرهاب.

يقول الدكتور حنا عيسى، في إحدى دراساته، إن حدود التطرف نسبية وغامضة ومتوقفة على حدود القاعدة الاجتماعية والأخلاقية التي يلجأ المتطرفون إلى ممارساتها، إذاً التطرف ظاهرة مرضية بكل معنى الكلمة وعلى المستويات النفسية الثلاثة، المستوى العقلي أو المعرفي، والمستوى العاطفي أو الوجداني، والمستوى السلوكي، فعلى المستوى العقلي يتسم المتطرف بانعدام القدرة على التأمل والتفكير وإعمال العقل بطريقة مبدعة وبناءة، وعلى المستوى الوجداني أو العاطفي يتسم المتطرف بالاندفاعية الوجدانية وبشدة الاندفاع والمبالغة فيه.

فالكراهية المطلقة للمخالفة في الرأي أو للمعارضة الشديدة، أو حتى للإنسان بصفة عامة، بما في ذلك الذات. هي كراهية مدمرة، والغضب يتفجر بلا مقدمات ليدمر كل ما حوله أو أمامه. وعلى المستوى السلوكي تظهر الاندفاعية من دون تعقل، ويميل السلوك دائماً إلى العنف، وأخطر أشكال العنف هو الذي يترافق مع التطرف الديني أو المذهبي أو العرقي والتي يرقى بعضها إلى مستوى الجرائم الدولية .

نماذج للتطرف في أوروبا:

فرنسا

كشفت الاستخبارات الداخلية الفرنسية في نوفمبر 2017 عن إن نحو (18) ألف شخص مدرج على قوائم مراقبة فرنسية اشتباها في تطرفهم، وإن العدد في تزايد ،وأن من بين الـ(18) ألف اسم مدرج على قوائم المراقبة هناك (4000) يخضعون لرقابة نشطة، ومن جهة أخرى أكدت السلطات تبني “بضع عشرات” من قوات الأمن الفرنسية لآراء متطرفة، كما توفر الحكومة صلاحيات تمكنها من فحص الأفراد والضباط الموجودين فى العمل حاليا، للحد من انتشار ميولات متطرفة ذات نمط إرهابي في صفوف بعضهم.

وأثبتت نتائج بحث علمي فى مارس 2017  قام به المركز الوطني للبحوث العلمية في فرنسا، زيادة نسبة التطرف والراديكالية في أوساط طلاب الثانويات الفرنسية، بالشكل الذي يدعو للقلق لأن الموضوع يثبت صعود تيار قوي من الأفكار المتطرفة في المجتمع الفرنسي ، وأظهرت النتائج بوضوح أن نسبة (25%) من هؤلاء الشبان يتقبلون بعض السلوكيات العنيفة أو المنحرفة.

بريطانيا

كشفت دراسة بريطانية بعنوان “خريطة التطرف في بريطانيا” في مارس 2017  أن (24%) من إجمالي عدد المتطرفين خرجوا من الضواحي البريطانية، أظهرت الأرقام كذلك خطأ الزعم الذي يقول إن المتطرفين تلقوا قدراً من التعليم وينتمون للطبقة المتوسطة، وإن المتطرفين يجري “تلقينهم دروس التطرف في غرف النوم أثناء الجلوس على الإنترنت”. لكن الأرقام تظهر في الحقيقة أن الموقع الجغرافي للوجود لا يزال يشكل عنصراً هاماً في انتشار الإرهاب.

وأنتجت المساجد و”المنظمات الخيرية ” (38%) من المتطرفين، حتى وإن لم يتم ذلك بموافقة من القائمين على تلك الجهات، فيما شكل الإنترنت كمصدر للتطرف بنسبة (35%) من الحالات، وأظهرت الأرقام أن (28) متطرفاً نفذوا العمليات إرهابية بشكل منفرد، من إجمالي (269) متطرفاً، بنسبة لا تتخطى (10%) ،وأن (80%) من المتطرفين في بريطانيا، كانوا على صلة بجماعات إرهابية، سواء باستلهام الفكرة أو التنفيذ أو التواصل مع شبكات .

ألمانيا

كشف التقرير السنوي لهيئة حماية الدستور(الاستخبارات الداخلية) لعام 2017 عن رصد سلطات الأمن الألمانية ارتفاعا مستمرا في عدد الأشخاص الذين ينجذبون نحو الأيديولوجيات المتطرفة ويقبلون استخدام العنف لتنفيذ أهدافهم. وبحسب البيانات، صنفت سلطات الأمن حتى نهاية مايو 2018 نحو 1900 سلفي في ألمانيا ضمن الأشخاص المحتمل انتماؤهم إلى ما وصفه بـ “التيار الإسلامي- الإرهابي”.

ويندرج تحت هؤلاء: الخطرون أمنيا والأشخاص ذوي الصلة وآخرون من التيار الإسلامي الذين تراقبهم هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية). 

ومقارنة بشهر يونيو عام 2017، فإنّ عدد السلفيين المحسوبين على هذه الفئة بلغ نحو 1700 سلفي. ويقصد بـ”الخطرين أمنيا” من لا تستبعد الشرطة قيامهم بجرائم ذات دوافع سياسية، مثل هجوم إرهابي. وبحسب البيانات، ارتفع إجمالي عدد السلفيين، الذين ينتمي إليهم أيضا متدينون متطرفون ليس لديهم مساعٍ إرهابية في غضون عام من 9700 شخص إلى 10800.

وفي مقابلة مع قناة SWR خلال شهر يوليو 2018 قال هربرت لاندولين موللر رئيس قسم في فرع وكالة حماية الدستور بولاية بادن ـ فورتمبرغ  بأن كل الدلائل تشير إلى “أننا نتعامل مع أشخاص يريدون العمل وفق منطق جماعة الإخوان المسلمين”، التي تمتلك تفكير دينيا شموليا لا يتفق مع القيم الأساسية للدستور الألماني. وأضاف مولر أنه كان يخشى من أن يتم تلقين اللاجئين رؤية للعالم بعيدة كل البعد عن الأفكار الديمقراطية.

بلجيكا

أظهرت دراسة للمركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي فى مارس 2017 أن تنظيم  “داعش” نشر في فبراير 2015، (892) مادة دعائية ، و انخفض هذا الرقم إلى (570) مادة دعائية نشرها التنظيم في شهر فبراير 2017، أي بمعدل انخفاض قدره (36%)، وأضافت أن (53%)  من المواد الدعائية التي أنتجها التنظيم في العام 2015، ركزت على صور لـ”الحياة الرغيدة” في المناطق التي يسيطر عليها، مقابل (39%) دعت إلى الانضمام للتنظيم من أجل القتال.

جيسيكا سورس، مسؤولة سياسة مكافحة التطرف، مدينة فيلفورد شددت بدورها على ضرورة الحاجة إلى رغبة سياسية لمنع التطرف بمختلف أشكاله مؤكدة على “الأدوار التي تطلع بها المؤسسات جميعها، غير أنها ترى أن الوقت حان لتنسيق المؤسسات الأوروبية جهودها وتعالج قضايا الاندماج”.

اللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية لمنع التطرف تقترح إنشاء سجل خاص بالمنظمات والهيئات غير الحكومية تلك التي تلعب دورا محوريا في الوقاية من التطرف. وشدد التقرير على أن المؤسسات الأوروبية حين تطلع بمهمة منع التطرف، فهي لا تستخدم الوسائل والأدوات المخصصة لذلك والبرامج الأوروبية التي تهدف إلى مكافحة التطرف بجميع أشكاله. كما أشاد التقرير بدور المؤسسات الدينية في منع التطرف والوقاية من حدوث أسبابه، عبر محاربة خطاب الكراهية وكل حيثيات التطرف التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

التوصيات

لقد استغلت جماعات الاسلام السياسي، أوروبا ومساحة الديمقراطية أحيانا، والعمل بالوكالة إلى بعض الحكومات الأوروبية لتنفيذ مصالحها في دول منطقة الشرق الأوسط، لتختلط ما بين هذا وذاك، لينتج حراك ممنهج للإسلام السياسي وأئمة التطرف من داخل أوروبا، لتكون مولدات عنف، ودعم لوجستي قوي للتنظيمات الإرهابية في المنطقة. 

ما تحتاجه دول أوروبا في الوقت الحاضر، مراجعة علاقاتها مع قيادات وتنظيمات الإسلام السياسي في أوروبا، وأن تخضع علاقات الحكومات إلى مراجعات اللجان المعنية في البرلمان، ليصار التأكد بأنها لا تتعارض مع الدساتير، ولم تكن وسائل عمل تستغل ضد دول المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى