العبادي في مواجهة ضغوط طهران .. والأموال العراقية فقدت قيمتها في بنوك إيران


١٤ أغسطس ٢٠١٨ - ١٠:١٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أن بغداد تلتزم بعدم التعامل بالدولار الأمريكي مع إيران، ولكنها لا تلتزم بالعقوبات الأمريكية على طهران.
 
وقال العبادي -في المؤتمر الصحفي الأسبوعي- إن "موقفنا ثابت برفض الاعتداء على دول الجوار انطلاقا من الأراضي العراقية". وأضاف أن "التزامنا في موضوع إيران هو عدم التعامل بعملة الدولار وليس الالتزام بالعقوبات الأمريكية".
 
ويبدو أن العبادي يحاول بهذا التصريح اطفاء غضب إيران، واسترضاء الحلفاء في الداخل العراقي، حيث كان قد أعلن الأسبوع الماضي أن حكومته لا تتفاعل ولا تتعاطف مع العقوبات الاقتصادية ضد ايران وهي غير صحيحة، مؤكدا بالقول: "لكننا سنلتزم بها لأننا لا نريد أن نعرض مصالح العراقيين للخطر".
فالعبادي يأمل التجديد له في ولاية ثانية، لكن كل ذلك قد يسقط إذا أثار غضب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأعلن العبادي عن جولة يقوم بها إلى تركيا ثم إيران، لكن وزارة الخارجية الإيرانية بادرت إلى نفي الزيارة في رسالة واضحة، تؤكد غضب طهران على رئيس الوزراء العراقي، فضلا عن رفع دعمها له في جهوده للاستمرار في منصبه.
 
وإصلاح العبادي لتصريحاته، ربما الهدف منها هو الحصول على موافقة طهران لاستقباله؛ من أجل ترتيب مرحلة ما بعد عودة العقوبات، وكذلك بحث كيفية موقعه خلال المرحلة السياسية القادمة في العراق.
 
ضغوط على بغداد
 
في شهادة حول الأوضاع في العراق، قالت الباحثة جنيف عبده -المقيمة في المؤسسة العربية، في شهادة نشرها معهد واشنطن للأبحاث- إن القادة الإيرانيين يقومون بمبادرات للتقرب من المجتمع السنّي في العراق في ظلّ الوضع غير المستقر الذي تمرّ به بلادهم، إذ تم فرض عقوبات أمريكية إضافية على إيران، ويبقى العراق نافذة الأمل الأكبر بالنسبة لطهران للتعامل مع تلك العقوبات.
 
وفضلًا عن التدخل في العملية الانتخابية والاقتصاد في العراق، تعمد إيران أيضًا إلى زيادة انخراطها في “حكومة إقليم كردستان”، مستخدمةً إياها كأداة سياسية. فقد تتيح “حكومة إقليم كردستان” لطهران فرصة التحكم بتشكيل الحكومة في بغداد، فتضمن بذلك تأييد رئيس الوزراء والوزارات المختلفة للمصالح الإيرانية.
 
وتقول الباحثة نسيبة يونس -من المنتدى السياسي في معهد واشنطن، خلال شهادتها- إن انخراط إيران في أربيل هو الآن أعمق من ضلوع بغداد. ففي ظل الضعف الذي يساور الأكراد، قدّمت طهران حججًا قوية للأكراد للتحالف معها، معلنةً للمسؤولين الأكراد بأنه باستطاعتهم تحقيق هدفهم المتمثل بانتزاع قدر أكبر من الحكم الذاتي والتمويل من الحكومة المركزية إذا قاموا ببناء علاقات مع سياسيين وأحزاب شيعية مرتبطة بإيران في بغداد، بما فيها "منظمة بدر" ونوري المالكي و"تحالف الفتح". ووفقًا لهذه الحجة، يمكن لإيران أن تضمن للأكراد الكثير من الأمور التي فشلوا في تحقيقها من خلال تحالفهم مع الولايات المتحدة. وحتى الآن، يبدو أن الحزبين الكرديين الرئيسيين -“الاتحاد الوطني الكردستاني” و”الحزب الديمقراطي الكردستاني”- مقتنعان بهذا الطرح.
 
ويقول مايكل نايتس، من معهد واشنطن، إنه مع إعادة فرض عقوبات أمريكية ثقيلة على إيران، ستصبح هذه مسألة بلا شك ساخنة بالنسبة للعراقيين. فبعضهم يعتبر أنه يجب إعفاء بلادهم من هذه العقوبات لأن إيران توفر الكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى للعراق. غير أن آخرين يعتقدون أن الاقتصاد العراقي سيستفيد إذا ما أبقت العقوبات بعض الواردات الإيرانية خارج العراق.
 
وفي كافة الأحول، ففي حين أن وضع العراق الراهن ليس خطيرًا بنفس القدر الذي شهدته البلاد في الفترة 2011-2014، إلا أنه تتم إضاعة الفرص لتحسين الأمن. وبينما تم تشتيت تنظيم “الدولة الإسلامية”، إلا أنه من نواحٍ معينة أصبح التعامل مع هذا التنظيم أكثر صعوبة.
 
وما زال العراقيون غير مستعدين لتولي المرحلة التالية من القتال بمفردهم نظرًا لافتقارهم للقدرات الضرورية لمكافحة التمرد ومكافحة الإرهاب. ونتيجة لذلك، تواجه البلاد اليوم مستويين مختلفين من التهديد. فخلال ساعات النهار، يتخذ تنظيم “الدولة الإسلامية” موقفًا دفاعيًا، ولكنه يتمتع بحرية تنقل مطلقة في مناطق أساسية أثناء الليل.
 
وبذلك، يظل العراق في حيرة بين واشنطن وطهران، فهو يحتاج إلى الكهرباء والسلع ومعابر الطرق نحو العالم الخارجي، وكذلك يحتاج إلى الأمن، والمخاوف من عودة تنظيم داعش إلى ترتيب صفوفه، ما زالت مستمرة. والابتعاد عن واشنطن أو طهران يثير كل هذه المخاوف.
 
أموال العراقيين
 
تصريح العبادي بعدم التعامل بالدولار مع طهران، هل هذا يعني استمرار تعامل العراق بالعملة المحلية مع إيران، في ظل الخسارة التي تعرض لها العراقيون جراء إيداع أموالهم في البنوك الإيرانية؟
 
ففي دراسة قدمتها وحدة الدراسات العراقية في مركز الروابط للأبحاث، أدى انهيار سعر صرف العملة الإيرانية، إلى خسارة الكثير من التجار وأصحاب رؤوس الأموال من العراقيين الذين كانوا قد أودعوا أموالهم في المصارف الإيرانية.
 
فقد قدمت المصارف الإيرانية الحكومية وغير الحكومية تسهيلات كبيرة للمستثمرين العراقيين لجذب رؤوس أموالهم وتحفيزهم على إيداع أموالهم لديها، من أجل إنقاذ عملتها الوطنية “التومان” التي تعرضت إلى تدهور وانخفاض كبير بسبب قرار واشنطن بإلغاء الاتفاق النووي وفرض العقوبات على طهران، إذ قامت السلطات الإيرانية بمنح تراخيص لمكاتب في مدن كربلاء والنجف والكاظمية مرتبطة بها، تتيح للمستثمرين إيداع أموالهم بعد تحويلها إلى العملة الإيرانية في حساباتهم في تلك المصارف دون الحاجة إلى السفر لإيران.
 
فمنذ عام 2012، والآلاف من أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة من العراقيين، وخاصة الكربلائيين منهم، وهم يستثمرون أموالهم في المصارف الإيرانية بعدما رفعت السلطات الإيرانية حجم الفائدة على الودائع إلى اثنين وعشرين بالمئة سنويا.
 
وبهذه الإغراءات لجأ العراقيون إلى البنوك الإيرانية لإيداع أموالهم من أجل تحقيق أرباح كبيرة، الأمر الذي عده بعض الاقتصاديين خسارة للاقتصاد العراقي ، كان الأولى بالحكومة العراقية تشجيع المواطنين والمستثمرين على إيداع أموالهم داخل البلد.
 
إذ قدمت المصارف الإيرانية للعراقيين الذين يودعون أموالهم أرباحا مضمونة وصلت إلى مئة بالمئة، فضلا عن الشروط السهلة والميسرة التي وضعتها، بحيث يستطيع العراقي أن يسحب أمواله شهريا، أو ربع سنوي، أو نصف سنوي، أو كل سنة، كما قامت المصارف الإيرانية باحتساب فوائد تصاعدية على الودائع والفوائد المترتبة عليها، وسمحت لكل مستثمر بسحب مليوني ريال منها يوميا من خلال أجهزة الصرف الآلي المنتشرة في إيران والعراق، ولا يوجد أية شروط تعجيزية.
 
هذه العروض وغيرها كانت مغرية بالنسبة لأصحاب رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة ، ممن يخشون استثمار أموالهم في العراق، أو لا يجدون الفرصة لذلك.
 
إن إيران تستقطب الدولار وتحوله إلى الـ”تومان” ، لتستفيد من فرق العملة، وبالتالي تتعرض الأموال إلى خسائر بين فترة وأخرى، لأن العملة الإيرانية تعاني في الفترة الأخيرة من تذبذب وعدم الثبات في السعر، بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرض على طهران مؤخرًا، فهذه كلها عوامل في إيران ساعدت على جذب الأموال الخارجية، لإيداعها في بنوكها.
 
وتقدر خسائر أموال المستثمرين العراقيين المحولة لدى المصارف الإيرانية، بملايين الدولارات، بسبب تراجع قيمة الريال الإيراني، فقد فقدت ودائع العراقيين المالية في بنوك إيران ثلث قيمتها النقدية، بسبب عقوبات واشنطن على طهران، وقبلها الشروط التي وضعتها الحكومة الإيرانية على رؤوس الأموال العراقية، إذ إن الكثير من العوائل العراقية، وبالأخص خلال السنوات الأربع الماضية، باعت حتى ممتلكاتها من أجل تحويل الأموال إلى إيران، بطريقة أقل ما يمكن القول عنها إنها غير سليمة، كما أن الحكومة الإيرانية اشترطت على رؤوس الأموال العراقية عدم سحب أرصدتهم المتوسطة من بنوكها إلا بعد سنة من تاريخ إيداعها، وتعامل معاملة الوديعة الثابتة مقابل فائدة كبيرة.



اضف تعليق