واشنطن تترك الأكراد في مواجهة جحيم تركيا


٢١ ديسمبر ٢٠١٨ - ٠٣:٥٨ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
 
تركيا والولايات المتحدة على خلاف بشأن سوريا، حيث دعمت واشنطن مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها أنقرة منظمة إرهابية.
 
وبمساعدة الولايات المتحدة، انتزعت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد السيطرة على مساحات كبيرة من شمال وشرق سوريا من أيدي الدولة الإسلامية، لكنها تحذر من أن المتشددين لا يزالون يشكلون خطرا حتى رغم إعلان ترامب هزيمتهم.
 
وأعلن البيت الأبيض، الأربعاء، سحب ألفي عنصر من القوات الأمريكية الخاصة ينشطون إلى جانب القوات الكردية في سوريا، قد يترك الأكراد تحت رحمة الجيش التركي الذي أعلن في الأيام الأخيرة عن شن هجوم وشيك ضد معاقلهم في شمال سوريا.
 
وتأتي هذه التحولات في سوريا، في ظل اتفاق الرئيسين الإيراني حسن روحاني والتركي رجب أردوغان -خلال لقاء جمعهما الخميس الماضي في أنقرة- على تعزيز التعاون بين بلديهما حول سوريا.
 
ويترك الانسحاب الأمريكي الساحة السورية بين السلطات الحكومية المدعومة من إيران وروسيا من جهة وقوات متطرفة ومعارضة تدعمها تركيا من جهة أخرى.
 
وترعى روسيا وإيران وتركيا مباحثات أستانا الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية للنزاع في سوريا، والتي حجبت المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف.
 
وتأتي مباحثات روحاني وأردوغان على خلفية تهديدات تركية بتنفيذ هجوم جديد في شمال سوريا ضد مسلحين أكراد سوريين متحالفين مع واشنطن في مكافحة الجهاديين، لكن أنقرة تصفهم بالإرهابيين.
 
تأجيل العملية العسكرية
 
وقد كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن عزم بلاده تأجيل إطلاق عملية "شرق الفرات" شمالي سوريا، وذلك بعد إعلان الولايات المتحدة سحب قواتها الموجودة في سوريا.
 
وقال الرئيس التركي -في كلمة ألقاها الجمعة، في اسطنبول- إن مكالمة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جعلت تركيا تنتظر قليلًا بشأن العملية العسكرية المرتقبة شرقي الفرات، لكنه أكد أن فترة الانتظار ليست مفتوحة، وأن تركيا تتقاسم "نفس القناعات مع ترامب حول العديد من النقاط في القضية السورية، ومع ذلك كان من الصعب أن ينعكس هذا الرأي عمليًّا على أرض الواقع".
 
وأضاف، "سمعنا الملاحظات الواضحة والواعدة من الإدارة الأمريكية في الأيام الأخيرة، ونرحب بهذه الكلمات ولكن بحذر"، وقال: "أجّلنا عملية شرق الفرات حتى نرى نتائج خطة الولايات المتحدة للانسحاب من سوريا على أرض الواقع".
 
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود مولود جاويش أوغلو: إن تأجيل العملية العسكرية في سوريا يأتي لتجنب النيران الصديقة مع انسحاب القوات الأمريكية، وأشار إلى أن مجموعات عمل ستجتمع في واشنطن في 8 يناير لبحث الانسحاب الأمريكي من سوريا.
 
وشدد وزير الخارجية، على أن تأجيل العملية العسكرية في سوريا لا يعني أن تركيا غيرت رأيها بشأن التنظيمات الإرهابية.
 
وكان أردوغان أعلن، الأسبوع الماضي، عزم بلاده إطلاق عملية عسكرية في مناطق شرق نهر الفرات التي تسيطر عليها منظمات تابعة لـPKK المصنف إرهابيا في أنقرة، وأعربت الولايات المتحدة عن تخوّفها من العملية، غير أن اتصالًا بين الرئيسين التركي والأمريكي بدا أنه غيّر من ردود أفعال الطرفين.
 
ويفتح الانسحاب الباب أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للوفاء بتعهده بشنّ هجوم جديد على القوات الكردية السورية في شمال شرقي سوريا وهي القوات التي قادت الهجوم البري الذي يوشك أن يلحق الهزيمة الكاملة بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا بدعم أمريكي شمل ضربات جوية ومدربين ونيران المدفعية.
 
الأكراد أكبر الخاسرين
 
وبعد أن كانوا من بين أكبر الرابحين في الحرب السورية، سيصبح الأكراد أكبر الخاسرين من قرار الولايات المتحدة سحب قواتها التي ساعدتهم في المعركة ضد متشددي تنظيم الدولة الإسلامية وفي ردع أنقرة ودمشق.
 
وقال جوست هيلترمان -من مجموعة الأزمات الدولية- "ليس من الواضح بعد من سيفوز لكن من الواضح من سيخسر. وحدات حماية الشعب ستخسر وشعب الأكراد سيخسر... موقفهم التفاوضي ببساطة أصبح صفرا".
 
ويتطلع الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون، الذين يُنظر لهم على أنهم الرابحون على الأرجح من الانسحاب الأمريكي، إلى استعادة الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية والتي تمتد عبر ربع مساحة سوريا تقريبا والغنية بالأراضي الزراعية والنفط والمياه.
 
وكأن التاريخ يعيد نفسه للأكراد، كما ترى رويترز للأنباء، وهم أقلية بلا دولة موزعة على سوريا والعراق وإيران وتركيا، أحبطت قوى أجنبية تاريخيًّا طموحاتها القومية. فالأكراد هم أكبر مجموعة عرقية ظلوا بلا دولة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية قبل نحو قرن.
 
ويقول بعض المحللين إنه لكي تحمي الجماعات الكردية السورية نفسها من تركيا، فقد تضطر الآن لطرق أبواب دمشق وإبرام اتفاق مع الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه الروس الذين قد يوفرون لها الحماية مقابل التخلي عن الحكم الذاتي.
 
حليف بديل
 
حذرت مسؤولة كردية الجمعة في باريس من أن قوات سوريا الديموقراطية، وهي تحالف يضم فصائل عربية وكردية، قد يضطر للتوقف عن قتال الجهاديين في المنطقة إذا اضطر لإعادة نشر قواته لمواجهة هجوم تركي في حال حصوله.
 
كما حذرت إلهام أحمد -الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديموقراطية، الذراع السياسي لقوات سوريا الديموقراطية، والتي حضرت إلى باريس لبحث الوضع في المنطقة بعد قرار الرئيس الأمريكي سحب قواته من سوريا- من "خروج الوضع عن السيطرة" بالنسبة للجهاديين المسجونين لدى الأكراد.
 
وفيما يتوقع مُراقبون دوليون، أن تكون فرنسا هي الحليف القوي للأكراد والبديل الأفضل للولايات المتحدة في مُساندتهم، قالت المسؤولة الكردية للصحفيين: "عندما لم يكن الأمريكيون موجودين في المنطقة كنا نحارب الإرهاب، سنستمر في مهمتنا هذه لكن بمواجهة الارهاب هذا سيكون أمرا صعباً لأن قواتنا ستضطر أن تنسحب من الجبهة في دير الزور لتأخذ أماكنها على الحدود مع تركيا".
 
وقالت إلهام أحمد: "الحكومة الفرنسية كان لها مواقف واضحة في الأسبق لكنها لم تستطع أن تغير كثيرا من القرار التركي، نأمل منها أن تلعب دورها بشكل أقوى في هذه المرحلة". وأضافت "لها القدرة أن تلعب دورها ضمن الاتحاد الاوروبي وأن يتم فرض حظر جوي على هذه المناطق على الأقل كي لا يتم إعادة انتاج داعش مرة أخرى وهو لسلامة الأمن الدولي".
 
قسد تحبس داعش
 
وفي الوقت الذي ذكرت فيه صحيفة "الوطن" السورية أمس الخميس بأن أرتالا عسكرية أمريكية وفرنسية بدأت في الانسحاب من مناطق بشمال البلاد، هدّدت قوات سورية الديمقراطية بوقف قتال داعش مع انطلاق عملية تركيا العسكرية.
 
وهددت قوات "سورية الديمقراطية" (قسد) بوقف العملية ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وسحب قواتها إلى الشريط الحدودي في حال هجوم القوات التركية.
 
ويعد إقدام قوات سوريا الديمقراطية التي يشكّل المقاتلون الأكراد غالبيتها، على الإفراج عن ألف جهادي متطرف مسجونين لديهم، كابوسا بالنسبة إلى أجهزة الامن الأوروبية بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا.
 
ويَحتجز الأكرادُ السوريون -الذين يتلقون دعما وتمويلا وتسليحا وحماية من واشنطن- في سجون شمال البلاد حوالي ألف مقاتل جهادي من ثلاثين جنسية، أسروا لدى استعادة التحالف الدولي الأراضي التي كان يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.
 
كما يحتجزون ألفين من أفراد أسرهم بينهم العديد من الأطفال في مخيمات لاجئين في المنطقة نفسها.



اضف تعليق