عوامل استقطاب الجماعات الإسلاموية وتجنيد الشباب من داخل بريطانيا


٠٤ فبراير ٢٠١٨

رؤية ـ جاسم محمد

تعد بريطانيا واحدة من أكثر الدول الأوروبية تصديرًا للإرهابيين إلى سوريا وقد دعمت الحكومة البريطانية على مدى السنوات الماضية التنظيمات الإرهابية في سوريا، تحت مسمى "معارضة معتدلة" متجاهلة التحذيرات من ارتداد هذا الإرهاب على أراضيها وأراضي بقية الدول الداعمة لهذا الإرهاب العابر للحدود.
 
هجمات الجماعات المتطرفة كشفت عن وجود ثغرات أمنية وخروقات داخل أجهزة الاستخبارات وسياسات مكافحة الإرهاب والتطرف، وعدم جدوى البرامج الحكومية التي للحيلولة دون انجذاب الشباب نحو التطرف.
 
تستفيد الجماعات  المتطرفة مساحة الحريات في بريطانيا لنشر افكارها ودعايتها المتطرفة. وما يثير التساؤل هو حرية حركة العائدين من سورية والعراق بحرية داخل بريطانيا والمقدر عددهم بــ400 شخص. هؤلاء يشكلون تهديدًا قائمًا لأمن بريطانيا، وربما بسبب حصولهم على التدريب والخبرات وصناعة المتفجرات ضمن الإمكانيات البسيطة.
 
خلصت دراسة أجراها معهد توني بلير لتغيير العالم  خلال شهر أكتوبر 2017 إلى أنه ليس هناك فرق بين جماعات إسلامية غير متطرفة وجماعات متطرفة، بل بالعكس كشف عمل معمق على عينة تشمل 131 بريطانيًّا وبريطانية ممن تم تصنيفهم على أنهم "جهاديون".
 
إن الرحلة نحو التطرف تبدأ من تلك المنظمات الإسلامية غير المتطرفة. وتتولى هذه المنظمات عملية الاستقطاب المستقبل وتحضير الأرضية لجهاديي المستقبل. وتظهر الدراسة أن الغالبية العظمى من الجهاديين موضع البحث تحوّلوا لممارسة الجهاد بعد اعتناقهم للأيديولوجيات الإسلامية غير المتطرفة أو لهم ارتباط بتنظيمات وكيانات ليست بالضرورة سياسية نشطة لكنها تنحدر من ذراع فاعلة لتنظيمات إسلامية.
 
أئمة التطرف
 
تقارير الاستخبارات كشفت أن هناك ستة أشخاص لعبوا دورًا محوريًّا في رحلة الإسلاميين البريطانيين نحو التطرف، وهم أبو حمزة المصري وعبد الله الفيصل وأبو قتادة الفلسطيني وعمر بكري محمد وأنجم تشودري وهاني السباعي... أما زعيم جماعة �المهاجرون�، أنجم تشودري، فقد أخضع قوانين حرية التعبير في بريطانيا لاختبار عندما أطلق عددا من المناشدات النارية لحشد المتطرفين، لكنه لم يلق سوى مقاومة محدودة من السلطات البريطانية عام 2015، وكان ذلك عندما حوكم بتهمة الدعوة لحشد الدعم لتنظيم داعش وعوقب بالسجن لخمس سنوات ونصف السنة.
 
ويعتبر فرع “الجماعة الإسلاموية الليبية المقاتلة” في جنوب مانشستر ، التي تضم عبد الحكيم بلحاج وخالد الشريف (حاربا مع القاعدة في أفغانستان) وغيرهما، فإنها “جزء من الحركة الإسلامية المتطرفة العالمية التي تستقي أفكارها من تنظيم القاعدة”.
 
وفي سياق متصل، يقول بيتر نيومان، مدير "مركز لندن الدولي لدراسة التطرف: "كان هناك دائما جدل بين شرطة اسكتلنديارد، التي كانت تريد اعتقال الرموز الكبيرة، وبين أجهزة الاستخبارات التي أرادت ترك المجال أمام الجماعات المتطرفة مثل جماعة (المهاجرون) لكي تراقب أعضائها. أضاف: "كان الأمر أشبه بلعبة التوازن التي ربما تنتهي بخطأ"، فقد سمحوا لتشودري بالاستمرار في عملياته، بحسب نيومان، وتركوه يدعو أشخاصا إلى التطرف، ولو أنهم منعوه ما كان لهؤلاء الناس أن يصبحوا متطرفين.
 
أجبرت سلسلة الاعتداءات التي وقعت عام 2017 في بريطانيا، الحكومة على توجيه المكتب البريطاني لمكافحة الإرهاب الذي يراقب نحو ثلاثة آلاف شخص إلى مراقبة نحوعشرين ألف إرهابي سابق لم يتم تصنيفهم منذ زمن ضمن تصنيف “يُشكلون خطرًا جسيمًا”، وذلك باستخدام “خوارزميات حاسوبية”، نظرًا لعدم توفّر قدرات بشرية لمراقبة هذا العدد الضخم في وقت واحد.
 
هذه الأعداد من الجماعات المتطرفة، تعتبر تحديًا أمام أجهزة الاستخبارات البريطانية، وربما هذا ما دفع  الحكومة البريطانية تعلن رغبتها بقتل عناصر الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق بدل عودتهم وهذا ما صرح به “روي ستوارت”، نائب وزير الخارجية البريطاني في أكتوبر 2017.
 
استقطاب الشباب داخل بريطانيا
 
اتخذت الجماعات المتطرفة، بريطانيا مقرًّا لأنشطتها داخل أوروبا، وربما كانت هناك عوامل كثيرة تستقطب هذه الجماعات إلى بريطانيا، أبرزها، ترك الحكومة البريطانية هذه الجماعات تتنامى على أراضيها. الاستخبارات البريطانية تبرر ذلك، بأنها تركت هذه الجماعات تتحرك بحرية، لكشف مزيد من شبكات عملها وأنشطتها، قبل أن تتحول إلى تنظيمات سرية. واعترفت الاستخبارات البريطانية أيضًا بأن هدف الموازنة، مع مجموعات راديكالية يمينية ويسارية، كان وراء سياسات غض النظر. لكنْ هناك دافع آخر، لم تفصح عنه أجهزة الاستخبارات البريطانية، وهو دفع هذه الجماعات لتجنيد عناصر والعمل ضد الاتحاد السوفييتي سابقًا، ثم ضد دول البلقان، لتنفيذ سياسات بريطانية هناك.
 
بريطانيا إلى جانب فرنسا، شهدت ظاهرة تدفق شباب، خاصة من النساء، نحو سوريا والعراق، والتي أثارت التساؤل حول دوافع الاستقطاب نحو التطرف ولماذا بريطانيا. واتضح في أعقاب ذلك، أن هناك أعدادًا من المدارس الإسلامية تدار من داخل بريطانيا وتدعو إلى التطرف في مناهجها الدراسية، وفي مراجعة سيرة بعض الشباب الذين التحقوا بالقتال في صفوف داعش في سوريا والعراق، كانوا ضمن دائرة العلاقات الشخصية في مدارس بريطانيا، ومنهم ذباح داعش "جون" محمد موازي.
 
التحقيقات أظهرت مدى انسجام "العناصر الجهادية" البريطانية في "داعش"، الفريق البريطاني في التنظيم ضم جنيد حسين من برمنغهام، الذي يعتبر أشهر قرصان إلكتروني لدى التنظيم، وتزوج من سالي جونز، التي اعتنقت الإسلام.
 
إن غياب تنظيم الرقابة على المدارس والمناهج داخل بريطانيا، جعلها مراكز لتواجد ائمة التطرف التي تتخذ من الدين  والعمل "الدعوي" ستارا لها وهذا ما دفع أعدادًا من طلبة المدارس الإسلامية إلى الانحراف نحو التطرف.
 
*باحث في قضايا الإرهاب والاستخبارات
 



اضف تعليق