كيف ستكون قضية الهجرة ومصير التعاون الاستخباري في أوروبا بعد الـــ"بريكست"؟


١٩ مارس ٢٠١٨

رؤية ـ جاسم محمد

تبقى قضية الهجرة وحرية التنقل، أبرز القضايا العالقة ما بين بريطانيا والاتحاد، والتي تحتل جانبا كبيرًا خلال المرحلة الانتقالية حتى عام 2020. حرية الحركة والعمل بدون شك ترتبط في ملفات عديدة أبرزها  الـتأمين والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية والتقاعد وغيرها من الملفات التي تمس حياة ومستقبل المواطنين الأوروبيين في بريطانيا وبالعكس.

البيانات كشفت عن وجود ما يقارب أربعة ملايين مواطن أوروبي في بريطانيا، وما يقارب مليون ونصف مواطن بريطاني في دول أوروبا.

وهذا ما يسترعي مراعاة مصيرهم. ووفقًا لمصدر في البرلمان الأوروبي، سيكون هناك اتفاق على جوهر الملف، أي ضمان حقوق المواطنين، بما في ذلك الأطفال الأوروبيون الذين سيولدون في المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

أفادت التحقيقات بأن أكثر من 2800 بريطاني تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية في 18 دولة بالاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2016، أي بزيادة 250 في المئة عن الفترة نفسها من العام 2015... بريطانيا التي كان أحد أسبابها الرئيسية للخروج من الاتحاد الأوروبي هو خفض أعداد المهاجرين إليها، أمام معضلة إبقاء مواطنيها على أراضيها.

التقارير الرسمية الصادرة من الحكومة البريطانية تشير إلى أن 80 في المئة من 3,6 مليون مواطن من دول الاتحاد الأوروبي يعيشون حاليا في بريطانيا، سيكونون مؤهلين تلقائيا لمواصلة إقامتهم في البلاد عندما ينبغي على لندن فعلا ترك الاتحاد في العام 2019. واستنادا إلى مشاريع وضعتها وزارة الداخلية، فإن الباقين سوف يستفيدون من استثناء بحق الإقامة غير المحدودة في المملكة المتحدة.

وأعلنت رئيسة الوزراء البريطانية المحافظة تيريزا ماي أنها تتوقع أن تكون قادرة على ضمان حق مواطني دول الاتحاد الأوروبي بالبقاء في بريطانيا، لكنها أشارت إلى أن ذلك يتوقف على الحقوق التي سيحصل عليها المواطنون البريطانيون المقيمون بدورهم في دول الاتحاد الأوروبي.

وتشدد بروكسل دائمًا منذ بدء محادثات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على أن حقوق الأوروبيين في بريطانيا والخروج مقدمة على المحادثات، من جانب آخر أكدت بريطانيا على أن لندن لن تساوم على أمن أوروبا. ولفت توسك -رئيس المفوضية الاوروبية- إلى أن عقد اتفاق حول حقوق المواطنين ومشروع قانون نهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يجب أن يسبق أي مناقشات حول الاتفاقات التجارية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

مساعٍ بريطانية لتوقيع اتفاقيات أمنية مع الاتحاد الأوروبي

تمكنت دول أوروبا خلال عام 2017، من اتباع سياسات أمنية جديدة، تتعلق بسد الثغرات وتعزيز الأمن والتعاون ما بين دول أوروبا وكذلك ما بين أجهزة استخبارات الدولة الواحدة. وكان المهم في هذه الإجراءات والسياسات هو تسريع تبادل المعلومات وتقاسم البيانات حول المقاتلين الأجانب. وأدركت دول أوروبا متأخرا، أهمية مواجهة الدعاية المتطرفة وصناعة الكراهية وتمجيد تنظيم داعش والترويج إلى الدعاية المتطرفة، وهذا ما دفعها إلى إيجاد منصات وآليات افتراضية لتبادل المعلومات.

واعتمدت دول أوروبا خلال عام 2017، منهجا جديدا في رصد ومتابعة المقاتلين الأجانب، وأنجزت تقدما نسبيا في موضوع الكشف عن الخلايا داخل أوروبا، وذلك من خلال تنفيذ عدد من الضربات الاستباقية والمداهمات القائمة على المعلومات الاستخبارية، ويبدو أن أوروبا الآن، بدأت تتجه نحو الاتجاه الصحيح في مكافحة الإرهاب ومحاربة التطرف.

هذه السياسات من شأنها ساعدت أوروبا من جعلها ساحة نظيفة على الأغلب في الربع الأخير من عام 2017 وخلال أعياد الميلاد ورأس السنة، رغم تهديد تنظيم داعش. وهذا يعني أن الجهد الاستخباري الأمني في أوروبا انتزع بالفعل عنصر المبادرة بتنفيذ عمليات إرهابية.

وهنا تجدر الإشارة، إلى أن عدم وقوع عمليات محدودة ينفذها أفراد من وحي تنظيم داعش، دون ارتباطهم بالتنظيم، أيضا تراجعت كثيرا، وهذا له دلالات كبيرة، بأن هذا التنظيم، داعش والجماعات المتطرفة، خسرت منابرها الدعائية الافتراضية ومراكزها على الأرض.

وفي اجتماع على هامش مؤتمر ميونخ للأمن يوم 16 فبراير 2018، أكد رؤساء أجهزة الاستخبارات الخارجية البريطانية (MI6) والفرنسية (DGSA) والألمانية (BND)، أن التعاون بين أجهزتهم سيتواصل حتى بعد إتمام عملية البريكست وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقال المسئولون الثلاثة:  سيتواصل التعاون الوثيق وتبادل المعلومات بين الدول الثلاثة بشأن مسائل الإرهاب الدولى والهجرة السرية والقرصنة الإلكترونية، حتى بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

لقد تمكنت دول أوروبا من تحقيق نجاح نسبي في مواجهة تهديدات تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، وعززت  الحكومات من إجراءات وتدابير مكافحة الإرهاب من خلال الرصد والتحري والمتابعة وتبادل المعلومات وتنفيذ عمليات وقائية واستباقية ضد خلايا داعش في أوروبا.
وشددت بريطانيا على التزام بلاده إزاء الأمن في أوروبا وبأن الأمر ليس موضوع مساومة في مفاوضات بريكست. وستحاول بريطانيا خلال فترة المفاوضات توقيع اتفاقيات أمنية وتجارية مع الاتحاد او مع الدول الاعضاء بشكل منفرد، لكن بروكسل اتخذت إجراءات استباقية بإبلاغ الدول الأعضاء، أي توقيع اتفاقية مع بريطانيا خلال فترة المفاوضات يعتبر مخالف لقوانين الاتحاد الداخلية.

لكن رغم هذه المعوقات، تبقى بريطانيا قوة أوروبية دولية من خلال دورها النشط داخل الناتو، إلى جانب رغبة بريطانيا في أن تكون شريكا مع الاتحاد الأوروبي، الأهم في القضية أن بريطانيا حققت رغبتها بالخروج من تحت وصاية بروكسل والاتحاد الأوروبي، وكأنها تعلمت الدرس، بأن هذا الاتحاد أصبح هشًّا وفي طريقه للتفكك.


الكلمات الدلالية الهجرة أوروبا البريكست

اضف تعليق