تركيا تتحدث كثيرًا عن الإرهاب: الذهاب نحو النموذج الباكستاني


٠٤ مارس ٢٠١٨ - ١١:٢٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

هل أصبحت تركيا -الرجل المريض- على حافة أوروبا؟ وهل هناك باكستان جديد يؤوي المتطرفيين الذين أتوا من سوريا؟ هل هناك تهديد طالبان جديد؟

للأسف بعد عقود من الترويج لتركيا على أنها نموذج يجب اتباعه، تتعرض الآن لمخاطر الانزلاق على طريق باكستان.

ربما داخل الحزب الحاكم هناك رجل على استعداد للتحدي فقط؛ للحفاظ على قبضة الرئيس على السلطة فلا يحل أحد محله. ويبدو أن العذاب في تركيا سيستمر، ولكن نظرًا لموقعها الجغرافي السياسي الحساس، فالفوضى في تركيا تعني عدم الاستقرار للغرب أيضًا.

وللإنصاف، فالوضع التركي مختلف كثيرًا عن الوضع في باكستان؛ نظرًا لقوة الاقتصاد التركي وتفوقه على الاقتصاد الباكستاني، بالإضافة إلى المصداقية الكبيرة التي يتمتع بها البنك المركزي التركي.

وبالنسبة للمنظور السياسي للبلاد، يلاحظ أن إضفاء الطابع الإسلامي على تركيا جاء عن طريق الانتخابات الشرعية، وليس عن طريق القوة المسلحة كما حدث في باكستان.

تغيير الداخل يفرض الإنزلاق

منذ سنوات وهناك تغيير يحدث في المجتمع التركي، حيث بدأت تعرف تركيا الجماعات السلفية، وأصبحت البلاد معبرا للمتشددين من بلاد آسيا الوسطى والقوقاز، وأصبحت المخابرات التركية تجند هؤلاء لصالح عمليات خارجية. إلى جانب تصاعد العمليات العسكرية ضد الأكراد. وباتت تركيا تتحدث كثيرًا عن مكافحة الإرهاب.

في أوقات الأزمات، حين يطارد العنف كل مكان، يصرخ سكان الأرض على رجل قوي؛ ليحكم السيطرة على هذه المشكلة، ولكن ماذا لو كان الإرهاب يولد الفوضى بالفعل في البلاد تحت قيادة رجل قوي؟

حسب تقرير لصحيفة دايلي تيليجراف، فموقف تركيا الآن فريد ومؤلم، فلديها حاليًّا أقوى رئيس منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في عام 1980، وربما منذ أتاتورك نفسه قبل تسعين سنة، ولكن مهارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، غير العادية في ترسيخ سلطته لم تقابلها القدرة على حل مشكلات البلاد.

بينما كان أردوغان يجمع خيوط السلطة في يديه في تركيا الديمقراطية، بدأ القتال العشوائي والتفجيرات الانتحارية والحرب الأهلية مع الأكراد في الجنوب الشرقي تخرج عن السيطرة.

الغريب أن اردوغان مهووس بالسيطرة، بينما التهديدات التي تواجهها البلاد ليست على قائمة أولوياته، وإذا قابله أي شيء يتعارض مع حكمه أو حكومته فإنه يتخلص منه.

ومن خلال تسليح وتشجيع المتطرفين لمحاربة نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا تجاهل أردوغان مخاطر النكسة.

حينما بدأ الأكراد في سوريا إثبات ذاتهم، تحرك أردوغان لمنعهم من إقامة دويلة كردية جنوب تركيا، إلا أن الثمن كان يتطلب أن يغض الغرب الطرف عن تلك الإجراءات الصارمة.

هذه الحملات ضد الأكراد ساهمت في انطلاق الهجمات الإرهابية بتركيا، حيث تهاجم جماعات الأكراد في المقام الأول الجيش والشرطة التركية، أما داعش فيستهدف المدنيين.

سياسة أردوغان الخارجية انحرفت بشكل كبير، وأصبح شريكًا لروسيا وإيران، بحجة أن حليفته الولايات المتحدة لا تسانده؛ لأنها لا ترى الإرهاب الذي يضرب تركيا.

رغم ازدهار الاقتصاد بشكل كبير في عهد أردوغان، إلا أنه يدخل الآن حالة كساد في عهده أيضًا، فبعدما حقق أردوغان معجزة ناجحة في خلط السياسة الإسلامية باقتصاد السوق، يأتي الآن الاتجاه العكسي للاقتصاد، نتيجة الصراعات في سوريا والعراق، بالإضافة إلى الإرهاب المرعب، الذي يضرب البلاد، ويبعد السياح، ليضع تركيا في ركود عميق.

في الماضي حاول الجيش القوي استعادة الحكم بشكل وحشي، وفي سبتمبر عام 1980 بدأ الجنرال "أفرين" شن حملة عسكرية على الحرب الأهلية الدامية بين مسلحين من اليسار واليمين المتطرفين.

وبتكلفة كبيرة وثقيلة عاد الجيش للنظام، وتم البدء في الترويج للتنمية الاقتصادية وعودة الديمقراطية، ولكن بعد فشل انقلاب يوليو 2017، على الأقل، بدا نجاح انقلاب عسكري في تركيا واردًا.

بالطبع سيكون من المرغوب فيه عودة الطريق الديمقراطي للخروج من المأزق الحالي، ولكن المعارضين لأردوغان في البرلمان منقسمون، وقاعدة دعمهم عالقة بين الأقليات، مثل العلمانيين الذين تم استهدافهم رميًا بالرصاص ليلة رأس السنة الميلادية، والأكراد الذين هم تحت الهجوم، لمجرد أنهم خونة في عيون أردوغان.

شهادة من باكستان

وفي تقرير آخر، نشرته وكالة بلومبيرغ الأمريكية، اعتبر أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسير ببلاده على خطى باكستان؛ من جهة اتباع نهج يميل للتطرف والإرهاب، بالرغم من كونه يقود بلدًا عضوًا في حلف الناتو.

وبحسب ما ذكره السيد حسين حقاني -السفير الباكستاني السابق بواشنطن- فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتبع النموذج الباكستاني بشكل مؤسف، ويعد السيد حسين حقاني من أفضل الأشخاص القادرين على تقييم الوضع الباكستاني؛ نظرًا لتأليفه أفضل الكتب التي تشرح كيفية تبني الجيش الباكستاني للفكر الجهادي.

ويشدد حقاني على أن النهج الذي يتبعه أردوغان يعيد للأذهان فترة حكم السيد محمد ضياء الحق رئيس باكستان الأسبق، الذي حكم البلاد بين الأعوام 1978 و1988.. وعلى غرار ضياء الحق أجرى أردوغان بعض التعديلات القانونية والاجتماعية لإضفاء الطابع السياسي على البلاد، وعلى سبيل المثال، أسس أردوغان في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، خطة تقضي بصرف الأموال الحكومية على المدارس الإسلامية.

ويستطرد حقاني "اتخذ أردوغان النهج الباكستاني للخلط بين القومية والتشدد الديني، إذ قام ضياء الحق بتطبيق الشريعة الإسلامية عن طريق تعديل الدستور وتهميش العلماء وقادة الحركة العلمانية بالبلاد، وإنشاء بعض المؤسسات الدينية لترسيخ المبادئ الإسلامية بالبلاد".

ومِن أكثر ما يظهر التشابه بين النهج التركي والباكستاني هو الحرب الحالية التي يخوضها الجيش التركي ضد الأكراد بمدينة عفرين السورية، ويعد هذا الأمر أقل من الذي ارتكبه الجيش ووكالة الاستخبارات الباكستانية حيث تم التهاون، وفي بعض الأحيان تشجيع تنظيم مسلح يعرف باسم "حقاني" يعمل على مساعدة التنظيمات الإرهابية المسلحة مثل: طالبان؛ من أجل مهاجمة القوات الأمريكية والحكومة المنتخبة في كابول.

وتؤكد الوكالة الأمريكية أن تركيا لم تصل لهذه المراحل المتدنية من النهج الإرهابي؛ إلا أنها تسير على الخطى بشكل منتظم، فمنذ قيام الحرب السورية في العام 2011 أصبحت الحدود التركية مفتوحة على مصراعيها لمد تنظيم داعش الإرهابي بالعناصر المسلحة في مدينة الرقة السورية.

وفي مطلع هذا الأسبوع أكد الدبلوماسي الأمريكي إيريك إس إدلمان، سفير الولايات المتحدة السابق بتركيا، أن الحالة التركية لا تزال بعيدة عن الوضع الباكستاني، ولكن إذا استمر الأمر على المسار الذي رسمه أردوغان للدولة العريقة فمن المحتمل أن تصبح تركيا مثالًا جديدًا للمأساة الباكستانية.



اضف تعليق