المغرب و"البوليساريو".. وحدة التراب في مواجهة النزعة الانفصالية


٠٢ أبريل ٢٠١٨

كتبت - ولاء عدلان

طبول الحرب تقرع -على ما يبدو- أبواب ملف الصحراء المغربية، إذ أعلن الجيش المغربي حالة الاستنفار بامتداد المنطقة العازلة وتحديدا على خطوط التماس مع المنطقة الخاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو، بعد أن أقدمت الأخيرة على تشييد خيام عسكرية وحشد بعض عناصرها، في إطار خطة لفرض أمر واقع على الأرض يقوض جهود المملكة المغربية لحل الصراع التاريخي عبر مخرج "الحكم الذاتي".

شهدت الساحة المغربية بالأمس تحركات واضحة داخليا وخارجيا، حيث عقدت لجنتا الخارجية والداخلية بالبرلمان بغرفتيه، صباح الأحد، اجتماعا طارئًا بطلب من رئيسي البرلمان والحكومة، لبحث سبل الرد على استفزازات البوليساريو، وقال وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت -خلال مداخلته بالجلسة- إن المغرب لن يسمح بتغيير المعطيات على الأرض في الصحراء بأي وجه كان، ولديه أجهزة دفاعية تضمن سيادته على أراضيه.

من جانبه قال وزير الشؤون الخارجية والتعاون، ناصر بوريطة: إن المغرب سيرد بشكل صارم على جبهة البوليساريو، بعد تحركاتها الأخيرة في المنطقة العازلة على مقربة من الحدود الجنوبية الشرقية للمملكة، مشيرا إلى أن المغرب سيجري اتصالات مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لوقف هذه الأعمال التي وصفها بالاستفزازية.

وأضاف هذه الأعمال تنتهك الاتفاقات العسكرية، وتهدد وقف إطلاق النار القائم منذ 1991 وتمس بشكل خطير بالأمن والاستقرار في المنطقة، معتبرا أن هذه التحركات غير المسؤولة من طرف البوليساريو تشكل تحديا للمجتمع الدولي وإهانة للأمين العام ولمجلس الأمن.


وعلى الصعيد الخارجي، بعثت المملكة المغربية عبر ممثلها لدى الأمم المتحدة عمر هلال، رسالة شديدة اللهجة، إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن، تحذر فيها من أن تحريك أي بنية مدنية أو عسكرية أو إدارية تابعة لـ"البوليساريو"، من مخيمات تندوف في الجزائر إلى شرق الجدار الأمني الدفاعي للصحراء المغربية "المنطقة العازلة" يعد تهديدا بالحرب.

هذه التحركات جاءت ردا على تحركات من نوع خاص قامت بها البوليساريو السبت الماضي، عندما أقدمت على إرسال عناصرها واستقدام آليات عسكرية ممثلة في سيارتين عسكريتين، وتشييد خيام بالمنطقة العازلة، معلنة تحويلها إلى مقرات لوزارات تابعة لها ضمن ما تسميه جمهورية الصحراء العربية المغربية، في خطوة دفعت الأوساط المغربية لاتهام الحكومة بالتقصير في معالجة هذا الملف دبلوماسيا، كما دفعت البعض للتأكيد أن ما تقوم به البوليساريو هو محاولة لفرض أمر واقع على الأرض وتقديم نفسها للمجتمع الدولي كدولة مستقلة، قبيل الانتقال إلى المرحلة الثانية باستقبال وفود أجنبية على الأراضي المغربية تحديدا بير لحلو وتيفاريتي، ومن ثم إعلان سيطرتها رسميا على هذه الأراضي، في اعتداء سافر على حقوق المملكة التاريخية.

الواقع، أن منطقة الصحراء المغربية هي المنطقة الوحيدة في قلب أفريقيا التي لم تتم تسوية أوضاعها عقب خروجها من الحقبة الاستعمارية، إذ تسيطر المملكة المغربية على 80% من مساحتها الممتدة في جنوب البلاد مع الحدود الجزائرية والموريتانية بطول 266 ألف كم مربع مع واجهة  1100 كم على المحيط الأطلسي، فيما تسيطر جبهة البوليساريو على 20% من مساحتها، وتطالب بالانفصال عن المملكة وإعلان نفسها دولة مستقلة، فيما يعتبر المغرب الـ20% هذه ضمن حدوده الجغرافية ويعرض لتسوية النزاع منح البوليساريو الحكم الذاتي.
   


البوليساريو -أو الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب- تأسست عام 1973 لتحرير الصحراء المغربية من الاستعمار الإسباني، ومن ثم طالبت بخروج القوات المغربية من أراضي الصحراء واعتبرتهم قوات محتلة عام 1975، وفي العام التالي أعلنت تأسيس جمهورية الصحارء، لتبدأ حرب عصابات بين القوات المغربية والموريتانية من جهة -حيث أنهت اتفاقية مدريد الاستعمار الإسباني ونقلت إدارة المنطقة الحدودية للمغرب وموريتانيا سويا- وقوات البوليساريو من جهة أخرى، ومع حلول العام 1979 انسحبت موريتانيا من النزاع الصحراوي المسلح بتوقيع اتفاقية سلام مع الجبهة، لتتخلى بذلك عن حقوقها في هذه المنطقة وتعترف بجمهورية الصحراء، ما أغضب المملكة ودفعها لضم "التيريس الغربية" -وهو اسم يطلق على النصف الجنوبي من وادي الذهب- من جانب واحد في أغسطس 1979.

مع حلول منتصف العام 1980، نجح المغرب في طرد البوليساريو من جزء كبير من الصحراء وقام ببناء جدار رملي ضخم، وحشد جنوده للدفاع عن الجدار الجديد، وخلال الفترة من 1980 إلى 1989 شهد الصراع فترة من الجمود إلى أن شنت قوات البوليساريو هجوما واسعا في أكتوبر 1989 ضد القوات المغربية في وسط الصحراء الغربية، ليرد الجيش المغربي بهجمات متعددة كان آخرها عام 1991، ومن ثم وقّع الطرفان اتفاقا لوقف إطلاق النار برعاية أممية، وانتشرت قوات حفظ سلام بالمنطقة العازلة بموجب هذا الاتفاق، الذي كان يتضمن بندا يتعلق بتنظيم استفتاء على الاستقلال، إلا أن هذا الاستفتاء لم يتم إلى يومنا هذا، نتيجة خلافات بين المغرب والبوليساريو حول من يحق لهم التوصيت.

نحو ثلاثة عقود، هي عمر أزمة منطقة الصحراء المغربية، لم تفلح فيها كل الوساطات الدولية والعربية والأفريقية لتقريب وجهات النظر بين البوليساريو والمملكة المغربية، وعلى الرغم من ذلك لم تحصل البوليساريو على اعتراف دولي بدولتها "الجمهورية الصحراوية" سوى من بعض الدول الصغرى، أما الأمم المتحدة فترفض الاعتراف بها وتطالب بإجراء استفتاء تقرير مصير، ومن أجل هذا الهدف دفعت ببعثة الـ"مينورسو" لتتمركز في منطقة كركرات بين الجدار الرملي "المغربي" والحدود مع موريتانيا، ومن المقرر أن ينتهي عمل البعثة الخاص بالمراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار وتنظيم الاستفتاء نهاية الشهر الجاري، ما يعني أننا نقترب من اجتماع حاسم للأمم المتحدة في هذا الشأن لتقرر أما التمديد لعمل البعثة أو سحبها نهائيا، وهو السيناريو الأخطر إذ يفتح أبواب التوتر المسلح من جديد في هذه المنطقة.
   


اضف تعليق