العلاقات التركية-الأميركية في مرمى التصريحات النارية


٣٠ يوليه ٢٠١٨ - ٠٨:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
 
تملك تركيا نفوذا في الشرق الأوسط وما وراءه وذلك بثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي وقواتها في سوريا والعراق وقاعدة جوية لحلف شمال الأطلسي في جنوب البلاد. وكان ينظر إلى تركيا لسنوات على أنها نموذج يمزج بين الإسلام والديمقراطية لا سيما في السنوات الأولى لحكم أردوغان المستمر منذ 15 عاما.
 
وقدمت تركيا طلبات متكررة دون جدوى من أجل تسليم كولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء الإنقلاب الأخير. وتقول واشنطن: إن المحاكم تطلب أدلة كافية قبل أن تتمكن من تسليم رجل الدين. وفي داخل تركيا، يتزايد العداء للولايات المتحدة وفي حين تتباعد المشاعر الشعبية، تتباعد كذلك السياسات التي تتبعها أنقرة وواشنطن في المنطقة لا سيما بشأن سوريا وإيران.
 
ومع تمركز القوات الأميركية إلى جانب مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا، حذر أردوغان في وقت سابق من هذا العام، من أن الجنود الأميركيين قد يقعون في مرمى نيران أي عمل عسكري تركي ضد المقاتلين الأكراد قرب مدينة منبج.
 
وتلوح في الأفق خلافات جديدة بشأن إيران. وأعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع طهران ودعا إلى فرض عقوبات على الجمهورية الإسلامية.
 
وتقول تركيا، التي تشتري قدرا كبيرا من نفطها من إيران المجاورة، إن واشنطن لا تستطيع أن تملي شروطها في ما يتعلق بالتجارة مع الدول الأخرى. وقال المسؤول التركي: "ثمة شيء واحد كان دائما نقطة الخلاف في هذه العلاقة… عندما يتخذ الأميركيون قرارا بشأن شيء، يريدون من الجميع الانصياع لهم. يعتقدون أن قرارهم ملزم دوليا وهو ليس كذلك".
 
تصريحات نارية
 
تبدّدت منذ أيام أيّ آمال تركية في أن تخفّ حدة الأزمة مع الولايات المتحدة بفعل العلاقة الشخصية بين زعيمي البلدين، وذلك عندما حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تركيا مباشرة بفرض عقوبات بسبب احتجازها لقس أميركي.
 
ومع تزايد العداء لأنقرة في الكونجرس بسبب خلافات تشمل مصير القس المسيحي أندرو برانسون وعقوبات إيران وخطط تركيا لشراء نظام دفاع صاروخي روسي، كان ينظر المسؤولون الأتراك لترامب على أنه يمثل حماية محتملة في مواجهة أسوأ تداعيات لانهيار العلاقات.
 
لكن في علاقة تعاني من تبادل الاتهامات وسوء التفاهم المتبادل وسياسات الشرق الأوسط التي لا يمكن التوفيق بينها فيما يبدو، قد يتبين أن تعليق الآمال على ترامب قد يكون خطأ في التقدير.
 
حينما علق الأتراك الآمال في أن يقود ترامب العلاقة إلى أجواء هادئة، وجه الرئيس نفسه ونائبه مايك بنس تحذيرا مباشرا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الخميس الماضي بعقوبات تلوح في الأفق.
 
وقال سنان أولجن الدبلوماسي التركي السابق والمحلل في مركز كارنيجي أوروبا "تغريدة ترامب عن برونسون تظهر أن ثمة نقاط ضعف في هذه الاستراتيجية".
 
ولم يكشف ترامب عن الشكل الذي يمكن أن تتخذه العقوبات، لكن مشروع قانون في مجلس الشيوخ الأميركي لتقييد القروض إلى تركيا من المؤسسات المالية الدولية وافقت عليه لجنة يوم الخميس، وهي خطوة مبكرة مهمة لإقرار التشريع.
 
كانت اللحظة الأسوأ لتركيا عندما قررت واشنطن في عام 2017 تسليح وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها أنقرة جماعة إرهابية، لقيادة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا.
 
وأعلن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، الخميس الماضي، خلال لقاء وزاري دولي عقد تحت شعار الدفاع عن حريات الأديان في مقر الخارجية الأميركية، إن الولايات المتحدة ستفرض "عقوبات شديدة" على تركيا إذا لم تتخذ "تدابير فورية للإفراج" عن برانسون.
 
وأقر مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون الشهر الماضي يشمل إجراء يحظر على تركيا شراء طائرات (إف-35 جوينت سترايك فايتر) المقاتلة بسبب سجن برانسون وشراء أنقرة منظومة صواريخ (إس-400) للدفاع الجوي.
 
تركيا تهادن
 
بعد تهديدات ترامب، قال المتحدث باسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -السبت الماضي- إن بإمكان تركيا والولايات المتحدة إنقاذ العلاقات بينهما وذلك بعدما هدد ترامب بفرض عقوبات على أنقرة مع تفاقم التوتر بين البلدين الشريكين في حلف شمال الأطلسي.
 
وكتب إبراهيم كالين المتحدث باسم أردوغان -في مقال رأي نشرته صحيفة صباح المؤيدة للحكومة- "يمكن إنقاذ العلاقات وتحسينها إذا نظرت الإدارة الأميركية بعين الجدية لمخاوف تركيا الأمنية".
 
ونُقل برانسون إلى الإقامة الجبرية في منزله بعدما قضى أكثر من 20 شهرا في سجن تركي أثناء محاكمته بتهم تتعلق بالإرهاب.
 
وصعدت إدارة ترامب حملتها لإطلاق سراح برانسون بعد قرار المحكمة الذي يرى كثيرون أنه قد يساهم في تخفيف التوتر بين البلدين الحليفين.
 
وقال كالين: "ربما يكون لدى الرئيس ترامب نوايا حسنة تجاه العلاقات مع الرئيس أردوغان وتركيا. سيكون هناك رد على ذلك عندما تستند العلاقة إلى الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة".
 
وأضاف في مقاله أن التهديدات الموجهة لتركيا لن تجدي مشيرا إلى أنها ستضر العلاقات بين أنقرة وواشنطن.
 
لا للتهديدات
 
رفض أردوغان التراجع محذرا الولايات المتحدة في تصريحات نشرت الأحد من أن فرض عقوبات لن يجبر أنقرة على التراجع بعد أن هدد الرئيس دونالد ترامب بمعاقبة تركيا في حال لم تطلق سراح قس أميركي.
 
وقال أردوغان في أول تصريحات له منذ توتر العلاقات في أعقاب تهديد ترامب الخميس باتخاذ تدابير ما لم يطلق سراح القس أندو برانسون "لا يمكنكم أن تجعلوا تركيا تتراجع من خلال فرض عقوبات".
 
ونقلت عنه صحيفة حرييت قوله: "على الولايات المتحدة ألا تنسى أنها يمكن أن تخسر شريكا قويا ومخلصا مثل تركيا ما لم تغير موقفها".
 
وقال للصحفيين -خلال زيارة لجنوب أفريقيا- إن "تغيير الموقف مشكلة ترامب، وليس مشكلتي"، واصفا التهديدات الأميركية بالحرب النفسية.
 
القس برانسون
 
في الآونة الأخيرة، بات القس برانسون محور التركيز المعلن للغضب الأميركي من تركيا، التي كانت ذات يوم واحدة من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكن الثقة بين البلدين الحليفين في حلف شمال الأطلسي ظلت تتآكل منذ سنوات.
 
حيث يواجه برانسون حكما بالسجن يصل إلى 35 عاما في حال إدانته بالقيام بأنشطة لصالح مجموعتين تعتبرهما أنقرة منظمتين ارهابيتين - شبكة كولن (حركة الخدمة) وحزب العمال الكردستاني.
 
ويرفض برانسون التهم فيما يشدد المسؤولون الأميركيون على براءة القس.
 
وألمح أردوغان في سبتمبر إلى أن تركيا يمكن أن تطلق سراح برانسون إذا قامت الولايات المتحدة بتسليم كولن، وهو ما رفضته واشنطن.
 
وتتهم أنقرة كولن بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشل عام 2016 لإطاحة أردوغان، وهو ما ينفيه بشدة.
 
وأوردت صحيفة واشنطن بوست الجمعة تقريرا حول صفقة بين أنقرة وواشنطن للإفراج عن تركية مسجونة في إسرائيل، مقابل إطلاق سراح برانسون.
 
وسجنت التركية أبرو أوزكان (27 عاما) لأكثر من شهر في إسرائيل بتهمة نقل مئات الدولارات لصالح منظمة إرهابية، لكنها عادت إلى تركيا في 16 يوليو.
 
وقالت الصحيفة الاتفاق أبرم شخصيا من جانب ترامب، لكنه انهار عندما تقرر وضع برانسون قيد الإقامة الجبرية.
 
ورد أردوغان على تقرير الصحيفة مؤكدا أن تركيا "لم تجعل القس برانسون أبدا ورقة مقايضة". غير أنه قال إن أنقرة طلبت مساعدة واشنطن في ضمان عودة أوزكان.
 
وأكد أردوغان في تصريحات للصحفيين خلال زيارة لجنوب أفريقيا "لم نقل مقابل هذا سنعطيكم برانسون، لم تتم مناقشة أي شيء كهذا".
 
سلاح روسي أم أميركي
 
كانت تركيا قد أعلنت إنها بصدد إبرام اتفاق لشراء نظام دفاع جوي روسي في خطوة قالت واشنطن إنها ستضرّ أمن حلف شمال الأطلسي وتجازف بخطط تركية لشراء مقاتلات أميركية من طراز إف-35.
 
ويبدو أن مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أشاروا عليه باللجوء إلى المحاكم لمقاضاة الولايات المتحدة بسبب احتمالات رفضها تنفيذ صفقة المقاتلات المتطورة.
 
وفي هذا الصدد، نقلت محطة خبر ترك التلفزيونية عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوله أمس الأحد إن تركيا ستلجأ إلى التحكيم الدولي ما لم تسلمها الولايات المتحدة مقاتلات من طراز إف-35.
 
وكان السيناتور الأميركي ليندسي جراهام، قال: إن بلاده لن تسلم تركيا مقاتلات إف 35، إذا أصرت على المضي قدما في شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية إس 400، متعهدا بتزويد تركيا بصواريخ باتريوت الأميركية إذا تراجعت عن الصواريخ الروسية.
 
وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز الأميركية، قال جراهام، وهو عضو جمهوري في لجنة خدمات القوات المسلحة بمجلس الشيوخ: "لن نبيع لتركيا المقاتلات الأكثر تطورا لدينا، ونسمح لها بشراء أكثر الأنظمة السوفياتية المضادة للطائرات تقدما، إذ سيكون الأمر مجرد وقت قبل استخدام المنظومة الروسية في إسقاط إف 35".
 
وأضاف أنه يرغب في أن تشتري تركيا بطاريات صورايخ باتريوت الأميركية، لأن تركيا شريك للولايات المتحدة في حلف الناتو.
 
وكان مشرعون أميركان توصلوا إلى قانون سيحظر المضي في تسليم  الطائرات  المتقدمة إف35 إلى تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي. وحذر المشرعون أنقرة من أن النظام الروسي لا يمكن دمجه في نظام الدفاع الجوي والصاروخي لحلف الأطلسي.
 
هذا القرار الحاسم يضع مسألة التعاون العسكري التركي - الأميركي في نقطة حرجة ومنعطف خطير لا يمكن التكهن بنتائجه.
 
وفي شهادته أمام مجلس الشيوخ، أفاد ويس ميتشل مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية وشؤون أوروبا وآسيا بأنه إذا اشترت تركيا المنظومة فستخضع لعقوبات بموجب مشروع قانون وقعه الرئيس دونالد ترامب في الصيف الماضي.
 
ويسعى قانون العقوبات الشامل، والمعروف باسم (قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات)، إلى معاقبة الشركات التي تتعامل مع صناعة الدفاع الروسية.
 
وقال ميتشل أمام جلسة للجنة فرعية تابعة للجنة العلاقات الخارجية بشأن العلاقات الأميركية مع أوروبا "نحن واضحون بشأن ذلك تماما: حيازة (منظومة) إس-400 سيؤثر حتما على فرص التعاون العسكري الصناعي مع الولايات المتحدة، بما في ذلك إف-35".
 
تداعيات اقتصادية
 
من شأن توتر العلاقات بين تركيا وأنقرة أن يؤثر على مصير العلاقات الاقتصادية المتجذرة بين البلدين، والتي تبلغ 20 مليار دولار. ومثلت الولايات المتحدة، العام الماضي، خامس أكبر سوق للمنتجات التركية، إذ صدرت إليها أنقرة 5.5 بالمئة من إجمالي صادراتها.
 
وبدأ عجز ميزان التجارة الخارجية لتركيا مع الولايات المتحدة يتضاءل خلال آخر ثلاث سنوات. وقال رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية، رئيس مجلس العمل التركي الأميركي، محمد علي يالتشين داغ، إن “العالم يمر بمرحلة الكل فيها بحاجة إلى الكل”.
 
وأضاف يالتشين، في تصريح صحفي، أن “الدول المتحالفة والصديقة يجب أن تحل المشكلات بينها دون فرض عقوبات على بعضها”. وشدد على “ضرورة بقاء قنوات الاتصال بين البلدين مفتوحة، والابتعاد عن التصريحات التي لا يمكن الرجوع عنها”.
 
ويخلص متابعون إلى أن ترامب يتعامل مع تركيا ضمن دبلوماسية التوعد والتهديد التي ينتهجها منذ وصوله البيت الأبيض وهو ما يرجح مزيد تأزم العلاقات، ويستشهد هؤلاء بسيل تهديدات ترامب على دول "الناتو" بسبب عدم التزامها بتخصيص 2 بالمئة من ناتجها القومي لدعم الحلف، مرددا عبارة “لن ندافع عن أوروبا” مرارا وتكرارا، الأمر الذي تسبب باهتزاز العلاقات بين أوروبا وواشنطن.
 
كما خصص ترامب انتقادات واسعة لألمانيا، قائلا "يدفعون (الألمان) المليارات والمليارات لروسيا ثمنا للغاز والنفط، ويريدون الحماية منها".
 
وبعد القمة التي جمعت ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الفنلدية هلسنكي، في وقت سابق من الشهر الجاري، انتقد ترامب في تصريحات لقناة "فوكس نيوز" سياسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في استقبال اللاجئين، قائلا “كانت ميركل في وقت من الأوقات سوبر ستار، إلى أن سمحت بقدوم الملايين من اللاجئين إلى ألمانيا".
 
أما القشة التي قصمت ظهر البعير في زعزعة العلاقات بين واشنطن وبرلين فهي تصريحات ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية على واردات الألمنيوم والفولاذ.
 
وواصل الرئيس الأميركي عبر حسابه في "تويتر" توجيه تهديداته إلى دول الاتحاد الأوروبي، حتى وصل به الأمر لأن يصنف الاتحاد على أنه من الدول "العدوة" لبلاده. كما ضرب ترامب بالاتفاقيات الدولية عرض الحائط.



اضف تعليق