"الديون الخارجية" السبب الأول لانهيار العملة التركية


١٣ أغسطس ٢٠١٨

رؤية
 
انهارت العملة التركية الأسبوع الماضي على خلفية الأزمة الدبلوماسية مع واشنطن وريبة الأسواق حيال نهج أردوغان الاقتصادي.
 
وتشهد العلاقات بين أنقرة وواشنطن توترا متصاعدا بسبب عدد من القضايا في صلبها احتجاز القس الأمريكي أندرو برانسون الذي يحاكم في تركيا بتهمة الإرهاب والتجسس، وقد وضع في نهاية يوليو قيد الإقامة الجبرية بعد اعتقاله لعام ونصف.
 
وخسرت الليرة 16% من قيمتها إزاء الدولار الجمعة.
 
وكان وزير المال التركي براءة البيرق، وهو صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، أعلن في مقابلة أجرتها معه صحيفة حرييت الواسعة الانتشار مساء الأحد أن "مؤسساتنا ستتخذ التدابير الضرورية اعتبارا من الإثنين لتخفيف الضغط عن الأسواق".
 
وراجع البنك المركزي أيضا نسب الاحتياطيات الإلزامية المفروضة على المصارف لتفادي أي مشكلة سيولة.
 
وتأتي التطورات الأخيرة في وقت يسعى فيه الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" إلى تحقيق مزيد من النمو بدون قيود، معتمدا على نظريات اقتصادية غير تقليدية، أبرزها خفض معدلات الفائدة من أجل خفض التضخم.
 
اليوم الإثنين
 
كما تراجعت الليرة التركية في الأسواق الآسيوية، اليوم الإثنين، إلى مستوى قياسي جديد بعد أن كانت قد فقدت أكثر من 20% من قيمتها يوم الجمعة في ختام تعاملات الأسبوع الماضي.
 
وجرى تداول العملة التركية بأكثر من 7 ليرات لكل دولار و8 ليرات لكل يورو.
 
وفقدت الليرة حوالي 50% من قيمتها منذ بداية العام الحالي في ظل المخاوف بشأن قوة الاقتصاد التركي وتصاعد الخلاف بين واشنطن وأنقرة على خلفية اعتقال تركيا لقس أمريكي بتهمة المشاركة في محاولة الانقلاب الفاشلة.
 
نظرية المؤامرة
 
وجاء تراجع العملة التركية اليوم بعد أن رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أي تعاط إيجابي مع الأزمة القائمة بين بلاده وبين الولايات المتحدة وقال في سلسلة خطابات له خلال الأيام الماضية في نبرة تحد انه لن يتراجع ودعا الشعب التركي للوقوف في وجه ما أسماه المؤامرة.
 
وفاقم الأمر كما يبدو، تلويح أردوغان بالطلاق مع واشنطن بقوله: "نقول مع السلامة لمن يفرط بشراكته الاستراتيجية مع تركيا من أجل علاقاته مع تنظيمات إرهابية".
 
ولفت أنه "من الحماقة الاعتقاد بأن دولة مثل تركيا ستتعثر جراء تقلبات سعرف صرف العملات الأجنبية".
 
وقال إن "الشعب التركي لن يسمح لأحد بوضع الأغلال في أعناقه ومستعد لبذل روحه ثمنا للحرية".
 
وقال أردوغان إن انخفاض قيمة عملة بلاده إلى مؤامرة تستهدف الإطاحة به وترتبط بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في صيف 2016.
 
وأضاف أردوغان أمام اجتماع لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا في إقليم طرابزون على ساحل البحر الأسود أمس الأحد "ما لم يستطيعون تحقيقه بالانقلاب والتحريض يحاولون تحقيقه بالمال".
 
يأتي ذلك فيما دخلت الرسوم الأمريكية الجديدة على منتجات الصلب التركية بنسبة 50% وعلى منتجات الألومنيوم بنسبة 20% حيز التطبيق اليوم.
 
والجمعة أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مضاعفة الرسوم على الألمنيوم والفولاذ المستوردين من تركيا، ما أدى إلى تدهور سعر الليرة أمام الدولار. وقال البيت الأبيض أنه سيبدأ العمل بالرسوم الجديدة في 13 أغسطس.
 
ليست أمريكا وحدها
 
وبينما ألقى الكثيرون باللوم في هذه الكارثة المالية على إدارة "ترامب". فبعد كل شيء، تم فرض عقوبات على عدد قليل من المسؤولين الأتراك، وهددت الإدارة بإزالة تركيا من برنامج يسمح لها بتصدير بعض المنتجات المعفاة من الرسوم الجمركية إلى الولايات المتحدة، ومنذ يومين، أعلنت أنها ستضاعف تعريفة الصلب والألومنيوم.
 
كتبت جيوبوليتيكال فيوتشرز، أنه من المؤكد أن الإجراءات التي فرضتها واشنطن ليست جيدة بالنسبة للاقتصاد التركي. لكن مشاكل تركيا الاقتصادية ليست وليدة اليوم، وتعد مشاكل هيكلية، والليرة آخذة في الانخفاض منذ بداية العام.
 
وتعد تحركات واشنطن ضد تركيا إجراءات عقابية، لكنها ليست سبب المشكلات الاقتصادية في تركيا. وترجع مشكلة تركيا إلى اعتمادها على الديون الخارجية، وبالتالي على الاحتياطيات الأجنبية. وكل ما في الأمر أن الولايات المتحدة ترى نقاط ضعف الاقتصاد التركي وتسعى إلى استغلالها.
 
وبالفعل، فإن النمو الاقتصادي لتركيا منذ عام 2002 تغذيه إلى حد كبير الديون الخارجية، أي الديون المقومة بعملة أجنبية. ويعني انخفاض معدل الادخار في تركيا أنه حتى مع رفع أسعار الفائدة، لن يكون هناك ما يكفي من رؤوس الأموال المحلية في النظام المالي التركي لتقديم قروض كافية لتحفيز النمو، ولذلك اقترضت أنقرة من دول أجنبية. والمشكلة مع الديون المقومة بعملة أجنبية هي أنه يصبح من الأصعب سدادها عندما تضعف العملة المحلية، وهذه هي معضلة تركيا.
 
وللتحوط من مخاطر الديون الخارجية، قامت تركيا بتكوين احتياطيات أجنبية كبيرة، لكنها فعلت ذلك بطريقة جديدة؛ حيث يسمح البنك المركزي التركي للبنوك التركية بالاحتفاظ باحتياطيات رأس المال، ليس فقط بالليرة التركية، بل بالعملات الأجنبية (والذهب)، ومع ذلك، إذا استبدلت البنوك العملات الأجنبية لصالح الليرة كاحتياطي لها، فعليها أن تودع تلك العملة الأجنبية في البنك المركزي.
 
ويعني هذا أن جزءا كبيرا من احتياطيات النقد الأجنبي الموجودة في البنك المركزي لا يمكن للبنك التصرف فيها حسب رغبته حيث تضم ​​جزءا من احتياطيات رأس المال للنظام المصرفي التركي.
 
ومع انخفاض الليرة هذا العام، قام البنك المركزي بتخفيض نسبة الصرف الأجنبي الاحتياطي، مما يعني أنه سمح باحتجاز كمية أقل من العملة الأجنبية كاحتياطيات في البنك المركزي كبديل لاحتياطيات الليرة.
 
وفي مايو/أيار، تم تخفيض هذا الرقم من 55% إلى 45%، وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، تم تخفيضه إلى 40%.
 
ويمكن اعتبار هذا أساسا بمثابة بيع احتياطي العملات الأجنبية لتعزيز الليرة، وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، بدا أنه يجدي مع اكتساب الليرة قوة لفترة وجيزة.
 
ولكن بما أن العديد من هذه الاحتياطيات الأجنبية الرئيسية يتم اقتراضها من قبل البنك المركزي من البنوك التركية العاملة، يمثل هذا الانخفاض أيضا إضعافا عاما للنظام المصرفي التركي.
 
شائعات الاستحواذ على الودائع
 
جاء ذلك في سلسلة تغريدات نشرها رئيس مكتب الاتصالات في الرئاسة التركية، فخر الدين ألتون، على حسابه الرسمي مساء الأحد، بحسب وكالة الاناضول، تعليقا على تحريف لتصريحات للرئيس أردوغان هدفها تضليل الرأي العام.
 
وأشار ألتون إلى أن أردوغان قال في كلمته الأحد خلال لقاء مع رجال الأعمال بولاية طرابزون "اعلموا أن دعم صمود هذا الشعب ليست مهمتنا وحدنا، بل يشاركنا فيها الصناعي والتاجر. وإلا سنضطر إلى تطبيق الخطة باء والخطة جيم".
 
وفي هذا السياق أوضح ألتون أن الرئيس أردوغان لم يطرح إطلاقا في أي من تصريحاته مسألة وضع الدولة يدها على الودائع.
 
وشدّد أنه من غير المقبول محاولة توتير الشعب والأطراف الفاعلة في السوق من خلال إنتاج سيناريوهات افتراضية، في الوقت الذي لم يكشف فيه بعد الرئيس أردوغان عن تفاصيل الخطتين.
 
وفي تعليقه على تقلبات سعر صرف الدولار مقابل الليرة، لفت ألتون إلى أن ذلك نتاج عمليات خداع للرأي العام وجزء من الحرب الاقتصادية على البلاد.
 
وجدد المسؤول التركي تأكيده على أن بلاده ستخرج منتصرة من هذه الحرب بفضل تكاتف الشعب والدولة وقوة البلاد واقتصادها.
 
تدابير عاجلة
 
سارع البنك المركزي في محاولة للحد من انهيار العملة إلى اتخاذ عدد من التدابير العاجلة.
 
وقال البنك، اليوم الإثنين، إنه سيوفر كل السيولة التي تحتاجها البنوك وسيراقب الأسواق والأسعار عن كثب لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للحفاظ على الاستقرار المالي.
 
وصدر بيان البنك بعد أن صرح وزير المالية براءت ألبيرق بأن تركيا ستبدأ في تنفيذ خطة عمل اقتصادية اليوم بعد الانخفاض الحاد لليرة.
 
وأعلن البنك المركزي اليوم أنه خفض نسب الاحتياطي الإلزامي لليرة بواقع 250 نقطة أساس لجميع الآجال، كما خفض نسب الاحتياطي الإلزامي للالتزامات غير الأساسية بالعملة الاجنبية بواقع 400 نقطة أساس للآجال التي تصل إلى ثلاث سنوات.
 
وأضاف البنك أن هذه التغييرات ستوفر للنظام المالي نحو 10 مليارات ليرة وستة مليارات دولار وما يعادل ثلاثة مليارات دولار من السيولة الذهبية، مضيفا أن الاجراءات اتخذت من أجل دعم أنشطة أسواق المال وتعزيز مرونة البنوك في إدارة سيولتها.
 
وسمح هذا الإعلان بالتعويض جزئيا عن الخسائر التي سجلتها الليرة التركية في الأسواق الآسيوية، حيث تم التداول بها بسعر 6,65 ليرة للدولار بعيد الساعة 6,00 ت غ، بعدما تراجعت إلى أدنى مستوياتها التاريخية مسجلة 7,2362 ليرة للدولار الأحد الساعة 19,51 ت ج.
 
وقال البنك إن هذه الإجراءات تتمثل في الآتي:-
 
أولا: فيما يخص إدارة السيولة بالليرة التركية:
 
1- تعهد البنك بتقديم كل السيولة التي تحتاجها البنوك، في إطار التسهيلات اليومية و الدائمة.
 
2- توفير مرونة للبنوك في إدارة الضمانات مقابل معاملات الليرة التركية، حيث سيتم مراجعة أسعار الخصم للضمانات على أساس النوع والنضج، ومن المتوقع أن تزيد القيمة المخفضة للضمانات الحالية غير المرهونة للبنوك بنحو 3.8 مليارات ليرة تركية.
 
3- رفع حدود الودائع الإضافية الخاصة بالعملات الأجنبية في البنوك التركية إلى 20 مليار يورو من 7.2 مليار يورو.
 
4- عقد مزادات اتفاقيات إعادة شراء الودائع والسندات (الريبو) مع فترة استحقاقات لا تزيد عن 91 يوما، بالإضافة إلى عقد مزادات (ريبو) لمدة أسبوع واحد.
 
5- بالنسبة للأيام ذات الحاجة التمويلية الأعلى نسبيا، يمكن إجراء أكثر من مزاد واحد للصفقات مع فترات استحقاق تتراوح ما بين 6 و 10 أيام.
 
6- لتوفير المرونة في إدارة الضمانات للبنوك، وبناء على طلب من البنوك، سيسمح باستخدام جزء من أو كامل مبلغ العطاءات الفائزة في مزادات ريبو لمدة أسبوع واحد في معاملات الإيداع بدلا من معاملات إعادة الشراء في المركزي.
 
7- تخفيض نسب متطلبات احتياطي الليرة التركية بمقدار 250 نقطة أساس لجميع أقواس الاستحقاق.
 
ثانيا: فيما يخص إدارة السيولة في الفوركس (العملات الأجنبية):-
 
1- ستتمكن البنوك من اقتراض ودائع العملات الأجنبية خلال فترة استحقاق شهر واحد، بالإضافة إلى استحقاق لمدة أسبوع واحد.
 
2- يستأنف البنك المركزي وظيفته الوسيطة في سوق الإيداع بالعملات الأجنبية، وبناء على ذلك، من خلال وساطة البنك المركزي، ستتمكن البنوك من الاقتراض والإقراض لبعضها البعض في سوق الإيداع بالعملات الأجنبية، وفقا للقواعد التي تحددها تعليمات التنفيذ في أسواق الصرف الأجنبي وأسواق الأوراق النقدية.
 
3- يجوز زيادة حدود الودائع الآجلة الحالية للبنوك بنحو 50 مليار دولار أمريكي، ويمكن تحسين شروط الاستخدام إذا رأت البنوك ذلك ضروريا.
 
4- ستستمر البنوك في شراء العملات الأجنبية من البنك المركزي عبر معاملات الصرف الأجنبي ضمن حدودها المحددة مسبقا في أسواق النقد الأجنبي وأسواق الأوراق النقدية.
 
5-  تخفيض نسب متطلبات الاحتياطي لمتطلبات الفوركس غير الأساسية بمقدار 400 نقطة أساس للاستحقاقات التالية.
 
6- رفع الحد الأقصى لمرفق الصيانة لمطلوبات الفوركس إلى 8%.
 
7- بالإضافة إلى الدولار الأمريكي، يمكن استخدام اليورو للصيانة مقابل احتياطيات الليرة التركية بموجب آلية خيارات الاحتياطي.


اضف تعليق