سنوات من الفشل الذريع.. هل ينتفض الأتراك في وجه "السلطان"


٠٩ يناير ٢٠١٩ - ٠٦:٠٩ م بتوقيت جرينيتش


كتب – علي عبدالعزيز

تعاني تركيا أزمات سياسية واقتصادية طاحنة في السنوات القليلة الماضية لم تشهدها منذ عقود، بدأت منذ محاولة الانقلاب العسكري الفاشل قبل ثلاث سنوات، ثم الانتقال إلى النظام الرئاسي الذي منح الرئيس صلاحيات شبه مطلقة، وسط تراجع ملحوظ في الديمقراطية وغياب دولة القانون، إثر حملات الاعتقالات والإجراءات التعسفية ضد معارضي الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الإسلامي.

وكانت آخر حلقة في سلسلة الأزمات هي الخسارة المدوية التي مُني بها حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، في الانتخابات المحلية الأخيرة، وأزمة إعادة الانتخابات في بلدية إسطنبول عقب خسارتها لصالح المعارضة، فضلا عما تشهده البلاد من ركود اقتصادي نتيجة ارتفاع التضخم، وتدهور سعر الليرة مقابل العملات الأجنبية بصورة غير مسبقة، لتتراكم الضغوط على الرئيس رجب طيب أردوغان ونظامه، وتعلو معها الأصوات التي تطالبه بتعزيز قيم الديمقراطية وتطبيق مزيد من الإصلاحات الاقتصادية.

أردوغان غير المكترث بالأزمات التي تعيشها بلاده حاليا، تجاهل أصوات المنتقدين لسياساته سواء من المعارضة أو حتى من أعضاء حزبه الذين كانوا جزءًا من نظامه، وفضّل الاستمرار في نهج الصوت الواحد الممتد منذ وصوله إلى سدة الحكم قبل 16 عامًا، الأمر الذي قد  يمهد قريبًا ليس فقط إلى فشل النموذج الأردوغاني، بل وفشل نموذج الإسلام السياسي الذي يمثله "السلطان"، والأحداث الأخيرة تؤكد أنها بداية النهاية لكل ديكتاتور.

تبنى أردوغان في كثير من الأحيان سياسات إيجابية نحو الحريات الدينية والإصلاحات الاقتصادية ومنح الأكرد مزيدًا من الحقوق، إلا أن غرور "السلطان" يدفعه دائما إلى ادعاء الرؤية الثاقبة في سياساته وقرارته وخطاباته، وتسبب دون أن يدري إلى معاناة البلاد من مشاكل ضخمة أدت إلى انقسام مجتمعي لم تشهده تركيا من قبل، وتعالت الأصوات الداعية إلى إسقاطه، والبحث عن تجربة جديدة تنقذهم من ويلات الركود الاقتصادي وتفادي التوترات الجيوسياسية القائمة، وهو ما حدث في الانتخابات الأخيرة، فهل يتدارك أردوغان أخطائه ويستفيق من غفوته أم يتمادى في طريقه الذي قد يطيح به بلا عودة.

الانتخابات المحلية تربك "السلطان"

شكلت هزيمة حزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا ذي المرجعية الإسلامية، في العاصمة أنقرة وإسطنبول ضربة موجعة للرئيس، حيث فقد حزب أردوغان للمرة الأولى منذ تأسيسه في 2001 السيطرة على أنقرة، وكذلك خسارة إسطنبول أكبر مدن البلاد، والتي تمثل أهمية خاصة لأردوغان كونها المدينة التي بدأ فيها مسيرته السياسية وترأس بلديتها في تسعينيات القرن الماضي.

وقررت اللجنة العليا للانتخابات في تركيا إلغاء انتخابات بلدية إسطنبول التي فاز فيها مرشح المعارضة أكرم إماما أوغلو، وإعادة إجرائها في يونيو المقبل، وسط انتقادات حادة داخلية وخارجية لقرار اللجنة الذي يعد قفز على إرادة الناخبين، كما رفضت اللجنة طلب المعارضة التركية بإلغاء الانتخابات البلدية في جميع مناطق إسطنبول بأكملها، في حين صوّتت الحكومة التركية ضد طلب إلغاء الانتخابات الرئاسية والمحلية لعام 2018م، وفقًا لوكالة الأناضول الحكومية.

وشن زعيم المعارضة "كمال أوغلو" هجومًا حادًا على لجنة الانتخابات، متهمًا إياها بعدم الاستقلالية والتبعية لحكومة أردوغان، وذلك في تصريحات ألقاها في اجتماع للكتلة النيابية لحزبه بالبرلمان، حسبما أفادت وسائل إعلام محلية.

من جانبه رفض الرئيس التركي السابق عبدالله غول قرار اللجنة العليا للانتخابات، في تدوينة له عبر حسابه الشخصي على موقع "تويتر"، قائلا: " شعرت إزاء قرار اللجنة العليا للانتخابات بالمشاعر نفسها التي انتابتني إزاء قرار المحكمة الدستورية الذي صدر عام 2007، وألغى الجولة الأولى من انتخابي رئيسًا للدولة."

في حين استنكر رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو -والذي ترأس حزب العدالة والتنمية الحاكم في الفترة بين عامي 2014 و2016- قرار اللجنة العليا للانتخابات بإعادة الاقتراع على منصب رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، وقال في سلسلة تغريدات على حسابه الشخصي بموقع "تويتر"، إن "من اتخذوا هذا القرار بعد مرور نحو 36 يومًا على إجراء الانتخابات المحلية الأخيرة أصابوا قيمنا الأساسية في مقتل."

انتقاد "أوغلو" لم يكن الأول حيث سبق أن أصدر بيانًا هاجم فيه "أردوغان" على خلفية مماطلته وعدم اعترافه بهزيمته في الانتخابات المحلية.

وبحسب وسائل إعلام تركية، تردد في الأروقة السياسية خلال الآونة الأخيرة مزاعم بوجود اتجاه لتشكيل حزب سياسي جديد يضم غول وأوغلو و رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان ما يشكل ضربة قاضية لأردوغان.

أزمة الليرة والبنك المركزي 

وعلى صعيد الوضع الاقتصادي تشهد تركيا أزمة مالية بلغت ذروتها، حيث تنوي الحكومة طلب المساعدة من البنك المركزي، حيث تشرع وزارة المالية في سن قانون بموجبه يتم تحويل احتياطيات الأموال من البنك المركزي إلى ميزانية الحكومة، وبحسب وكالة رويترز"، تعتزم الحكومة تحويل 40 مليار ليرة من البنك المركزي في خطوة تحفيزية للاقتصاد التركي، وتحسين أوضاعه المتعثرة بسبب السياسات الاقتصادية الفاشلة لأردوغان.

وتراجع ترتيب تركيا في تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2019 الصادر نهاية مايو، إلى المركز الـ 51 عالميًا من بين 63 دولة يرصدها التقرير، لتفقد 5 مراكز خلال عام واحد في مؤشر على التدهور القوي الذي يشهده الاقتصاد التركي خلال عام واحد.

وبحسب التقرير فقد شهدت تركيا خلال الثلاث سنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا على مستوى التنافسية العالمية، حيث تراجعت من المركز الـ 38 عالميًا في العام 2016 إلى المركز الـ 51 عالميًا في العام 2019 لتخسر 13 مركزًا.

وأبرزت صحيفة "زمان" التابعة للمعارضة التركية، تقرير هيئة الإحصاء الذي أكد تراجع مؤشر الثقة الاقتصادية خلال شهر مايو من العام الجاري ليسجل 77.5 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ شهر أكتوبر الماضي، ما يعكس تأزم الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها تركيا حاليًا، إذ ينبغي أن يتجاوز المؤشر حاجز المائة ليدلل على تحسن الوضع الاقتصادي.

رجال الأعمال في وجه أردوغان

من جانبها حمّلت جمعية "رجال الأعمال والصناعيين الأتراك "توسياد" أردوغان، مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي في تركيا، ورأت أن الحل السياسي هو نقطة البداية للخروج من الأزمة الاقتصادية، وأن أردوغان عليه الالتزام بما قاله سابقًا بأن الديمقراطية هي السبيل لحل أي مشكلة.

واستنكرت "توسياد"، -وهي أكبر جمعية رجال أعمال في البلاد- عبر حساباتها بمواقع التواصل الاجتماعي، قرار إعادة الانتخابات المحلية في إسطنبول، وعبرت عن قلقها البالغ إثر أجواء الانتخابات في هذه المرحلة، ودعت إلى التركيز على الإصلاحات الاقتصادية وإيجاد حلول للأزمات المالية، وتحقيق ديمقراطية حقيقية.

وبحسب صحيفة "زمان" وجه الرئيس أردوغان تحذيرًا شديد اللهجة لرجال الأعمال الذين انتقدوا قرار إعادة الانتخابات في اسطنبول، معتبرا أن البيان الذي أصدرته "توسايد" يعد خطأ شديدًا، وأنها سوف تعرف حدودها.

وأضاف "إن كنتم رجال أعمال فلتمارسوا عملكم، وفي حال إدلائكم بتصريحات تعد تدخلا سافرًا بشأن قرار أصدره القضاء الانتخابي في هذا الصدد، فإن هذا الأمر سيكشف موقفكم وسيغير نظرتنا لكم".

وقال زعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري في تركيا كمال كيليتشدار، في تصريحات نقلتها صحيفة "زمان" إن "رجال يخشون توجيه الانتقادات لسياسات أردوغان أو حكومة حزب العدالة والتنمية، وذلك على الرغم من النتائج السلبية للأزمة الاقتصادية، بسبب خوفهم من أردوغان وانعدام أي أمان على الأرواح أو الأموال.

نظام أردوغان والإسلام السياسي

وانتقدت تقارير غربية ممارسات الرئيس أردوغان ووصفته بالديكتاتور المستبد، وذلك بعد قرار إلغاء نتيجة الانتخابات في إسطنبول وإعادتها، إثر فشله أمام المعارضة ، وأكد موقع "تاجس شبيجل" الألماني في تقرير له أن ممارسات النظام التركي لا علاقة لها بالإسلام ولكنها تعود في الأساس إلى سلوك النظام السائد.

ورفض التقرير تأكيد العلمانيين أن إعادة الانتخابات في إسطنبول دليل على أن الإسلام السياسي يتعارض مع الديمقراطية، مؤكدًا أن عقلية النظام التركي المستبد التي ألغت انتخابات اسطنبول ليس لها علاقة بالإسلام، وإنما بالمناخ السياسي الحالي.

وأشار التقرير إلى أن قانون الأحزاب التركية سبب رئيسي في تخلي حزب "العدالة والتنمية" عن دوره الإصلاحي، الذي منح الرئيس سلطات مطلقة، وأثر مباشرة على المناخ الديمقراطي.



اضف تعليق