مجزرة نيوزيلندا.. هل تفتح باب الجحيم على المسلمين في الغرب؟


١٧ مارس ٢٠١٩ - ١١:٠٧ ص بتوقيت جرينيتش

هدى إسماعيل

شهد العقد الماضي ارتفاع وتيرة خطاب الكراهية الذي انعكس على شكل استهداف للمسلمين في مساجدهم وشعائرهم وحياتهم، غير أن غياب تلك الهجمات المتتابعة عن الرأي العام العالمي يرجع إلى تركيز الإعلام الغربي على "الإرهاب" الذي تمارسه أقليات مسلّحة محسوبة على الإسلام؛ مثل تنظيمي "داعش" و"القاعدة" ومن سار على نهجهما، وتغاضيهم عن "الإرهاب" اليميني المتطرف الذي يتعزز في أوروبا وأمريكا وينمو يوماً بعد آخر.

"الإسلاموفوبيا" تلك الفزاعة التي يستخدمها الغرب لتبرير كل الحوادث الإرهابية التي تقام داخل دور العبادة وبشكل متسلسل وممنهج، ليدل على مدى الكراهية التي يتعاملون بها مع المسلمين.

جريمة "نيوزيلندا" الإرهابية لن تكون آخر تلك العمليات الممنهجة ضد المسلمين في أوروبا، والتي راح ضحيتها 50 مصليا داخل المسجد، الأمر الذي يكشف الكذبة التي تشدق بها الغرب من الخوف من المسلمين.

إرهاب علني




 بعد مذبحة نيوزيلندا بساعات تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" و"تويتر"، مقطع فيديو، رصد تعرض رجل لاعتداء "بمطرقة" خارج مسجد شرق لندن، بعد ساعات من "هجوم نيوزيلندا"، وصاح مجموعة من 3 أشخاص أمام المسجد بألفاظ مسيئة للإسلام قبل وقوع الحادث، ووصفوا من يحضرون صلاة الجمعة بالإرهابيين.

 ومساء أمس، اعتقلت الشرطة في نيوزيلندا شابا يبلغ من العمر 23 عامًا، بعد أن اصطدم بسيارته في أبواب أحد المساجد، أثناء إلقاء الشتائم على المصلين بالداخل، وأشارت إلى إن الحادث وقع خارج مسجد بيت المسور في ستوكلي، حيث تم اعتقال المشتبه به بعد ساعات من الواقعة، حسب موقع "ديلي ميل".

انقراض العرق الأبيض




وتمثل المبرر الأساسي لتارانت، والذي كان دافعا لهجومه الإرهابي، هو نظرية مؤامرة الإبادة الجماعية البيضاء، التي تنص على أن "البيض" يتم استبدالهم بغير البيض في الدول الغربية، واستخدم 14 كلمة تمثل "لب نظريته" في المانيفستو، وكتب الرقم على أسلحته إلى جانب أسماء وشعارات توضح دوافعه.

وهذه الجملة هي: "يجب أن نحمي وجود شعبنا ومستقبل الأطفال البيض"، والتي يستخدمها الإرهابيون اليمينيون المتطرفون في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك مجموعة النازيين الجدد في المملكة المتحدة.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد لفت الانتباه إلى هذه النظرية في 2016، عندما أعاد نشر تغريدة لحساب عنصري متطرف يسمى "WhiteGenocideTM"، وتوجد نسخة بديلة من النظرية نفسها، تسمى "الاستبدال العظيم"، والذي نشرته جماعة "هوية الجيل" العنصرية اليمينية المتطرفة، وهو العنوان الذي حملته وثيقة تارانت.

اعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز"، "أن أيدي جميع الذين أسهموا في نشر الخرافة بأن المسلمين يشكلون خطرًا ملطخة بالدماء، فإذا كانت فكرة أن المسلمين يشكلون خطرًا أصبحت منتشرة، فإن ذلك يعود إلى استعمال مثل هذا الكلام من قبل الرئيس ترامب".

وأشارت الصحيفة إلى تصريحات ترامب خلال زيارته لبريطانيا العام الماضي، التي حذّر فيها المملكة المتحدة قائلًا: "إن الهجرة بدأت تغيّر النسيج الاجتماعي في الدول الأوروبية"، مضيفة أن الرئيس دعا إلى "العمل بسرعة للتعامل مع الهجرة".

ولفتت الصحيفة إلى تصريحات ترامب التي قال فيها: إن "الإسلام يكرهنا"، مؤكدة أنه "من غير المفاجئ أن نرى إرهابي المسجدين في نيوزيلندا يشيد بترامب كرمز للهوية الجديدة للبيض والهدف المشترك".

في وثيقة أقل ما يوصف بها أنه متناقض، زعم اليميني المتطرف "برينتون تارانت هاريسون" منفد الهجوم الإرهابي ضد مسجدين في نيوزيلندا أنه واحد من الملايين الذين يؤمنون بالمعتقدات التي ألهمته تنفيذ الهجوم، الذي أسفر عن مقتل 51 مصليا يوم الجمعة الماضي.

وأضاف، أن جماعة "فرسان الهيكل" التي ينتمى إليها "أندريس بريفيك"، المدان بقتل 77 شخصا في هجومين منفصلين بالنرويج، كانت تعرف خطته، وأنه تبرع للكثير من الجماعات القومية وتفاعل مع العديد منها، وقال إنه خطط للهجوم على المسجدين قبل عامين، عندما كان يقضي رحلة مسافرا إلى غرب أوروبا في أوائل 2017.

ونقلت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، عن مصادر أمنية قولها: إن تارانت ربما يكون قد التقى مع منظمات من اليمين المتطرف خلال رحلته، والتي تزامنت مع زيادة التوترات بشأن الهجمات الإرهابية المستوحاة من تنظيم داعش الإرهابي والانتخابات الرئاسية الفرنسية.

لكن الوثيقة، المكونة من 16 ألف كلمة، ليست جديدة، فالأفكار والأيديولوجيات، نشرتها جماعات اليمين المتطرف ورموزه عبر الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وأوروبا من قبل.

وظهرت جماعة "هوية الجيل" أو Generation Identity بالمملكة المتحدة عام 2017، وكانت ترسل أعضاءها إلى مخيمات في فرنسا، أثناء القيام بعمليات الدعاية المثيرة في الجامعات والاحتجاجات.

وعلى الرغم من أن عدد أعضاء هذه الجماعة في بريطانيا ما زال صغيرا، إلا أنه تم تضخيمها على الإنترنت من قبل شخصيات بما في ذلك المناهض للإسلام تومي روبنسون.

ويستخدم العديد من هذه المنظمات المتطرفة إحصاءات عدد المواليد للزعم بأن البيض يواجهون تهديدا في القارة، وتشير البحوث إلى أن معدلات المواليد المرتفعة ترتبط بالعوامل الثقافية والاجتماعية الاقتصادية في أسر المهاجرين الجدد، وتتقارب مع السكان المحليين مع مرور الوقت.

ولا يوجد دليل على أن البيض في طريقهم إلى الانقراض، ولا يوجد أي دليل على أن هناك عملية إزاحة جارية للعرق الأبيض.

مع سبق الإصرار




في العام الماضي، انتشرت في بريطانيا دعوة تحث المواطنين على التخلص من المسلمين، في إطار حملة دعت لاتخاذ يوم 3 أبريل موعدًا لانطلاقها بشكل متزامن، وتضمّنت توجيهًا بأن تكون هذه الأعمال على شكل ضرب مباشر أو رمي المسلم بالأحماض الحارقة، أو تفجير مسجد.

اللافت للانتباه أن الدعوة مجهولة المصدر انتشرت بسرعة، وانتقلت عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أوروبا كلها، ووصلت إلى أمريكا، حيث تبنّتها الحركات العنصرية واعتبرتها نوعاً من التضامن العالمي ضد المسلمين، والغريب أن الدعوة مرّت دون أن تترك أثراً في الإعلام العالمي، وتم تناقلها كخبر من الأخبار اليومية.

وعند تتبّع الوقائع نجد أن هذه الدعوة أتت في إطار تتابعي لصعود خطاب الكراهية ضد الإسلام في الغرب.

إذ وثقت السلطات الألمانية نحو ألف هجوم على المسلمين والمساجد، عام 2017، حيث أصيب 33 شخصا، واستهدف 60 مسجدًا ونُفّذت بعض الهجمات بدماء الخنازير، وينتمي مرتكب تلك الهجمات إلى المتطرفين اليمينيين.

وفي إسبانيا وثّقت "منصة المواطنة الإسبانية حول الإسلاموفوبيا"، وهي منظمة حقوقية، أكثر من 500 اعتداء بحق المسلمين في العام نفسه، وأشارت إلى أن 386 حادثة من مجموع 546 حادثة مرتبطة بالإسلاموفوبيا في 2017 وقعت عبر منصات إعلامية أو مواقع الإنترنت.

وشهدت مدينة كيبيك الكندية، أواخر يناير 2017، هجوما دمويا قُتل فيه 6 أشخاص وأُصيب 8، حين أطلق عليهم الرصاص وهم يؤدّون صلاة العشاء في المركز الثقافي الإسلامي بالمدينة.

وفي 28 يناير 2017، أحرق متطرفون مبنى مسجد في بلدة فيكتوريا التابعة لمدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية.

وفي 1 ديسمبر 2016، أعلن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) أن "المسجد الكريم" في ولايات رود آيلاند، وخمسة مساجد في ولاية كاليفورنيا، تلقّت خطابات تهديد وصفت المسلمين بأنهم "حقراء وقذرون".

وفي ألمانيا فجّر متطرفون عبوة ناسفة، في 28 سبتمبر 2016، بمسجد مدينة دريسدن شرقي البلاد.

وشهدت فرنسا أعنف الهجمات ضد المسلمين عام 2015؛ ففي ديسمبر، تم الهجوم على مصلى للمسلمين داخل حي شعبي في أجاكسيو بجزيرة كورسيكا، وقاموا بتخريبه وإحراق المصاحف التي فيه، وكتبوا عبارات معادية للمسلمين.



اضف تعليق