ليبرا.. عملة فيسبوك بين تعاظم العالم الافتراضي وتقليص السيادة الوطنية


١٩ يونيو ٢٠١٩ - ٠٤:٤٥ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- محمود رشدي

قد تتلافي مشاكل العملات الافتراضية الأخرى كالبيتكوين وإمكانية إخضاعها لغطاء نقدي؛ ولكنها ما زالت قيد الحظر من الدول كونها لا تخضع لرقابتها، وتحمل في طياتها ثغرات الاختراق من قبل الجماعات الإرهابية، وتعظيم مؤسسات تفوق سيادة الدول، ومن المحتمل أن تتلاشى - تدريجيًا أو تضعف سلطتها - معاها مؤسسات " بريتون وودز" مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. في وسط تلك المخاوف، أعلن مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج تأسيس عملة أفتراضية بحلول العام القادم 2020.

أعلن موقع التواصل الاجتماعي الشهير فيسبوك عن عملة رقمية جديدة تحمل اسم "ليبرا"، وكذلك أعلن عن منظمة غير هادفة للربح تحمل اسم "ليبرا" بمشاركة 27 مؤسسة حول العالم، كما أطلق فيسبوك شركة فرعية مستقلة تدعى"كيلبرا" Calibra ستقوم ببناء خدمات تتيح للمستخدمين إرسال العملة الرقمية "ليبرا" وإنفاقها بدءًا بمحفظة إلكترونية ستكون متاحة في تطبيقات واتساب وماسنجر، وبعد ذلك ستكون متاحة كتطبيق مستقل على الهواتف الذكية.

الشركة المسؤولة؟

ويتألف اتحاد Libra من مجموعة من الشركات الموزعة والمتنوعة جغرافيًا، إلى جانب المنظمات غير الربحية؛ والمتعددة الأطراف؛ والمؤسسات الأكاديمية، بما في ذلك باي بال؛ وماستركارد؛ وفودافون؛ وأوبر؛ وسبوتيفاي؛ وفيزا؛ و eBay؛ وBooking؛ وCoinbase.

وتعتبر جمعية ليبرا أو Libra Association هي الجهة المنوط بها إدارة هذه العملة الجديدة، وتتكون من شركة الفيس بوك فضلاً عن 27 مؤسسة وشركة عالمية أخرى يمثلون الأعضاء المؤسسيين لهذه العملة الجديدة، منهم شركات مثل فيزا وماستركارد وباي بال وأي باي وبوكينج وأوبر وفودافون وغيرهم، ووظيفتها الرئيسية هي ضمان استقرارها المالي وتطويرها مستقبلاً، فضلاً عن إدارة المحفظة الإلكترونية التي سيقوم المستخدمين بفتح حساباتهم الإلكترونية عليها لتداول هذه العملة عبرها.

ما هي عملة ليبرا الجديدة؟

هي عملة افتراضية جديدة، تضاف إلى قائمة العملات الافتراضية الأخرى الموجودة حول العالم والتي تجاوز عددها 3000 عملة افتراضية، وتستهدف بصورة رئيسية مستخدميها من موقع الفيس بوك والذين يقتربون على 2 مليار مستخدم نشط، فضلاً عن مليارات من البشر الذين ليس لديهم حسابات بنكية حول العالم، وتختلف عن العملات الافتراضية الأخرى الموجودة في العالم في كونها تعتمد على تقنية متطورة من البلوك تشين تسمى Libra Blockchain، تستخدم هذ التقنية لغة برمجة جديدة طورها المهندسون تسمى Move لتلافي المشاكل التقليدية التي وقعت فيها مختلف العملات المشفرة الأخرى التي تستخدم أيضاً منصات البلوك تشين وبصورة خاصة مشاكل الاختراق والقرصنة.

كما أن العملة سوف يكون لها غطاء نقدي بالدولار بهدف الحفاظ على استقرارها المالي وسيتم ربطها بالدولار لتحديد قيمتها بدلاً من أن تخضع لسوق العرض والطلب بما يحافظ في النهاية على استقرارها، حتى لا تقع في نفس المشاكل التي وقعت فيها عملة البيت كوين وعرضها لتذبذب مالي كبير، وسوف يتم تمويل هذا الغطاء النقدي من مساهمات الأعضاء المؤسسين للعملة، حيث تسهم كل شركة منهم بمبلغ 10 مليون دولار، فضلاً عن رسوم التحويل المفروضة على تداول الأفراد لهذه العملة مستقبلاً، حتى وإن كانت رسم ضئيلة للغاية.

ويستطيع الأفراد استخدام هذه العملة عبر إنشاء محفظة إلكترونية عبر الإنترنت ثم شراء العملة الجديدة من الموقع الخاص بها بطرق الدفع التقليدية ثم استخدام العملة الجديدة في التداول وشراء الخدمات التي تقدمها شركة الفيس بوك عبر منصاتها المختلفة أو الشركات الأخرى التي أعلنت قبول العملة الجديد ويمثلون الأعضاء المؤسسون، ثم تداول هذه العملة مستقبلاً مع كافة الشركات الأخرى التي سوف تعلن قبولها.

مزايا العملة الجديدة

وبحسب ما نشره مؤسس الفيسبوك مارك زوكربيرج على صفحته الرسمية على الفيسبوك، فإنه تتمثل مهمة منظمة "ليبرا" في إنشاء بنية تحتية مالية عالمية بسيطة تمكن مليارات الأشخاص حول العالم من الدفع باستخدام العملة الرقمية الجديدة مدعومة بتقنية blockchain وتهدف الخطة إلى إطلاق العملة الجديدة في عام 2020.

وأضاف زوكربيرج: "يمكن أن يكون الدفع عبر الهاتف المحمول تأثير إيجابي مهم على حياة الناس لأنك لست مضطرًا دائمًا إلى حمل الأموال النقدية أو دفع رسوم إضافية مقابل التحويلات. هذا مهم للأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى البنوك التقليدية أو الخدمات المالية، ولكن يوجد في الوقت الحالي حوالي مليار شخص ليس لديهم حساب بنكي ولكن لديهم هاتف محمول".

وعن الهدف من إطلاق "ليبرا"، قال "إننا نطمح التسهيل على الجميع إرسال الأموال واستلامها تمامًا مثلما تستخدم تطبيقاتنا لمشاركة الرسائل والصور على الفور".

وأوضح أن "شركة calibra ستكون مثل مقدمي خدمات الدفع الاخرى، وأن أي معلومات يشاركها المستخدمون مع calibra ستكون منفصلة عن المعلومات التي تشاركها على الفيس بوك".

وأضاف "في البداية ستركز خدمات "كليبرا" على إرسال الأموال، على أن تتيح بعد ذلك خدمات أخرى للقطاع التجاري وقطاع الأعمال مثل دفع الفواتير وغيرها من الخدمات المالية".

ويستهدف فيسبوك زيادة عدد الأعضاء من المؤسسات في اتحاد "ليبرا" إلى 100 عضو بحلول العام المقبل، وأوضح مؤسس الفيسبوك أن الدفع عبر "ليبرا" سيكون اعتمادًا على تقنية البلوكتشين ما يجعلها متاحة لأي شخص لديه اتصال بالإنترنت و لديه رسوم وتكاليف منخفضة. وهو مضمون من خلال التشفير الذي يساعد على الحفاظ على نقودك بأمان.

وعن تأمين البيانات قال إنه "سيتم تخصيص فريق من الخبراء في ادارة المخاطر يركز على منع الناس من استخدام "كليبرا" calibra لأغراض الاحتيال، وإذا فقد أي عميل عملاته الرقمية "ليبرا" بطرق احتيالية سيقوم الفيسبوك بتعويضه عنها.

هل ستنجح العملة الجديدة؟

ويرى إيهاب خليفة، المختص في الأمن السيبراني، إن نجاح أي عملة مرتبط بدرجة قبول الأفراد واستخدامهم لها، ولعل وجود شركات عملاقة مثل ضمن الأعضاء المؤسسين لهذه العملة مثل فيس بوك وأوبر وفودافون وبوكينج قد تعطي العملة قبولاً لدى الأفراد وتجعلهم يقبلون على استخدمها، إلا أن هناك تحديات حقيقة قد تعوق انتشار هذه العملة، خاصة مع السجل السيئ لموقع الفيس بوك في الحفاظ على بيانات المستخدمين وخصوصيتهم الشخصية.

فقد تسببت شركة الفيس بوك في عدة مشاكل خلا الفترة الأخيرة سواء مع الحكومة الأمريكية وتورطها في فضيحة شركة كامبيردج أنليتكا والتي ترتب عليه جمع معلومات شخصية عن أكثر من 87 مليون أمريكي أثناء الانتخابات الرئاسية، تلك الفضيحة التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إصدار "اللائحة العامة لحماية البيانات" General Data Protection Regulation المعروفة اختصارًا بـ (GDPR) في نهاية مايو عام 2018، وقد أعدها البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي لرسم إطار عمل واضح وقياسي لأجل التعامل مع بيانات المستخدمين داخل الاتحاد، ليشمل القانون جميع الشركات التي ترغب في التعامل مع مواطني دول الاتحاد الأوروبي أو تتواجد في أرضها، تلك المشاكل سوف تكون حاضرة بقوة عن مناقشة مستقبل هذه العملة في هذه الدول، وهو ما يحتم على جمعية ليبرا أن تضع معايير واضحة وشفافة تضمن من خلالها الحافظ على بيانات المستخدمين وضمان عدم إساءة استخدامها مرة أخرى.

وفي النهاية فإن عملة ليبرا هي تقنية جديدة وتختلف عن غيرها من العملات الافتراضية الأخرى، ويعول مؤسسيها عليها كثير من الطموح والتفاؤل في تغيير حياة المستخدمين، إلا أن هناك عقبات حقيقة تواجه العملة الجديدة، لعل أهمها مشاكل الشفافية ومشاكل الخصوصية فضلاً عن المشاكل الأمنية وتخوف استخدام الحركات الإرهابية لها، ورغم الإجراءات التي أعلن عنها مارك زوكربيرج لجعل العملة تبدو مهيئة للتداول والاستثمار إلا أن الأمر يحتاج إلى تدقيق وتحسين لضمان عدم إساءت استخدام هذه العملة الجديدة وبصورة خاصة من المنظمات الإجرامية والجماعات المتطرفة.


اضف تعليق