"قط وفأر".. لعبة المعارضة لمواجهة أردوغان في إسطنبول


٢٣ يونيو ٢٠١٩ - ١٢:٣٢ م بتوقيت جرينيتش

كتبت - أسماء حمدي

شهدت الانتخابات البلدية التركية في شهر مارس الماضي، تنافسا شرسا بين الحزب الحاكم والمعارضة، وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات، فوز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، برئاسة بلدية إسطنبول، وأدى فوز أوغلو، إلى صدمة في البلاد، مما دفع الحكومة إلى إلغاء نتائج الانتخابات.

واليوم، يتوجه الناخبون في إسطنبول من جديد إلى مراكز الاقتراع لانتخاب عمدة بعد إلغاء نتائج انتخابات مارس من هذا العام، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الاقتراع الجديد قد يعزز التصويت ضد الحكومة.

وتتحدث صحيفة "الجارديان" البريطانية، حول انتخابات إسطنبول المُعادة، في تقرير للكاتبة بيثان مكيرنان ووصفتها بالصراع بين القط والفأر.

وتتحدث الكاتبة، حول الكتابة على الجدران في حي غاريتيب في إسطنبول، حيث ظهرت في صباح أحد الأيام من الشهر الماضي، وكتبت كلمة "العدالة" على قطعة من الورق مرفوعة بيد فيما تشعل يد أخرى النار في أحد أركانها".

وتشير الصحيفة إلى أن هذه الرسوم اختفت في غضون يوم، حيث عمل فريق تابع للبلدية على إزالتها، ويقول فنان جرافيتي في اسطنبول الذي يطلق عليه اسم "بيبي"، إن قيامه برسم الجرافيتي في شوارع اسطنبول هو لعبة مستمرة مع السلطات التي تسعى إلى إزالة إبداعاته السياسية، كما يحدث تماما بين القط والفأر.

قبل يومين من عودة المدينة إلى صناديق الاقتراع المثير للجدل، قال "بيبي": "لقد بدأت ذلك عندما ألغى حزب العدالة والتنمية انتخابات إسطنبول، لدينا الحق في الحصول على معلومات نزيهة، لكن الإعلام التركي لم يخبرنا الحقيقة، إنهم يقومون بعمل جيد لقمع المعارضة".


وبدأ الصراع بين القط والفأر، في جميع أنحاء اسطنبول في نهاية هذا الأسبوع، حيث يسعى حزب العدالة والتنمية إلى التراجع عن الانتصار الذي حققه مرشح ائتلاف المعارضة أكرم أوغلو في انتخابات مارس، الشخصية غير المعروفة سابقًا والذي أصبح واحد من أكبر التحديات التي تمثل تهديدت لقبضة الرئيس رجب طيب أردوغان على تركيا منذ سنوات.

 على الرغم من أن حزب العدالة والتنمية الحاكم وائتلاف الأحزاب القومية حصلوا على أكثر من 50٪ من الأصوات في جميع أنحاء البلاد في انتخابات  مارس، إلا أن الناخبين سلّموا صفعة غير متوقعة لحزب أردوغان في أربع مدن رئيسية، يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها توبيخ بسبب تعامله مع الوضع الاقتصادي في تركيا.

كانت اسطنبول، التي يحكمها حزب العدالة والتنمية وأسلافه من الأحزاب الإسلامية لمدة 25 عامًا، هي الخسارة الأكبر بالنسبة لأردوغان حيث تشكل المدينة ثلث الاقتصاد التركي بأكمله وهي المحرك الرئيسي لشبكات رعاية حزب العدالة والتنمية، ومنها بدأ أردوغان حياته السياسية كرئيس بلدية في التسعينيات وغالبًا ما يتحدث عن حبه العميق لبلدته، معتبرا هذه الخسارة رفضًا شخصيًا.

في حين يقول النقاد إن صلاحيات أردوغان الرئاسية الموسعة تساعد في تآكل الهياكل الديمقراطية في تركيا، إلا أن نسبة المشاركة في التصويت في مارس - مرتفعة في جميع أنحاء البلاد – حيث بلغت 84 ٪.



أصبحت إعادة الانتخابات وانتزاع المسؤولين المنتخبين من مناصبهم أمرًا معتادًا منذ 16 عامًا منذ تولي حزب العدالة والتنمية السلطة، لكن حتى بالمعايير التركية فهذا السباق مختلف، ففي النهاية أصبح منصب ببلدية اسطنبول بالنسبة لأردوغان من شأنه أن يسرع ديناميات التحول بالفعل داخل حزبه ويهدد موقفه، كما قال جملته الشهيرة: "من يخسر اسطنبول، يخسر تركيا".

وقال سينيم أدار، الباحث في جامعة هومبولت في برلين، "المخاطر كبيرة للغاية، ولكن ربما يكون الأثر الأهم الذي خلفته عملية إعادة الانتخابات هو تشكيل السلطة بعد الانتخابات بين أردوغان وحلفائه، كما تسهم التشققات داخل الحزب التي أصبحت واضحة أيضًا منذ الانتخابات في إضعاف قبضته على السلطة".

بعد خمسة أسابيع من الانتخابات، أيد المجلس الانتخابي في تركيا واحدة من العشرات من الشكاوى المقدمة من حزب العدالة والتنمية وأعلن أنه يجب إعادة الانتخابات على منصب عمدة إسطنبول، مما أثار غضبًا من أحزاب المعارضة وحتى من أعضاء حزب العدالة والتنمية نفسه، الذين كانوا قلقين من هذه الخطوة.

والآن يقاتل أوغلو لإنقاذ الديمقراطية التركية، وأصبح هذا الشاب البالغ من العمر 49 عامًا اسمًا مألوفًا في جميع أنحاء تركيا، حيث تم الترحيب به باعتباره بمثابة نسمة من الهواء السياسي المنعش ووصف بأنه مرشح رئاسي محتمل في عام 2023.

في خطابه - على العكس من خطب السياسيين المهووسين الذين سيطروا على المشهد السياسي المستقطب في تركيا - تحدث إمام أوغلو عن الحاجة إلى أن تتجمع المدينة للتغلب على مشاكل البطالة وارتفاع تكلفة المعيشة.

فاز "أوغلو" بقلوب وعقول الكثيرين في الأحياء والمناطق التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية في مختلف أنحاء المدينة من خلال، لقائاته وتواصله عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

على النقيض من ذلك، تم تهميش يلدريم بشكل شبه كامل من قبل الرئيس نفسه، الذي نظم تجمعات ضخمة حيث وضع الانتخابات المحلية على أنها مسألة "بقاء وطني" واتهم أحزاب المعارضة بصلتها بالإرهاب.


على الرغم من التغطية الإعلامية شبه المؤيدة لحزب العدالة والتنمية، إلا أن حملة "أوغلو" قد عطلت من جديد، وأعادت تنشيط حزب الشعب الجمهوري المحاصر وغير المنظم بشكل جيد والذي لم يتمكن من تقديم مرشحين يتمتعون بتأييد واسع في الماضي.

وفي حديثه لـ"الجارديان"، أوضح "أوغلو" أنه غير قلق من إعادة الانتخابات، قائلا: "لا أشعر بأي ضغط، هناك 16 مليون شخص في هذه المدينة ينتظرونني لأخدمهم وأقوم بالمهمة التي انتخبت من أجلها.

 لكن التوترات في جميع أنحاء المدينة ارتفعت قبل التصويت، وحرص الكثيرون في إسطنبول على إظهار دعمهم بعد إلغاء نتائج الانتخابات في 6 مايو، وبعد أن صرخ أحد الأطفال "eyey �ok g�zel olacak" -أي "كل شيء سيكون على ما يرام"- أصبحت هذه الصرخة الشعار الجديد لمرشح المعارضة، وردد الناس الشعار في الشوارع وفي مباريات كرة القدم وشارك الملايين الشعار في صيغة هاشتاج على وسائل التواصل الاجتماعي، كما جعله فنان الجرافيتي "بيبي" الأساس لأحد أحدث أعماله.

لقد تعلم حزب العدالة والتنمية من نجاح إمام أوغلو، بنسخ بعض أفكار مرشح حزب الشعب الجمهوري، مثل تقديم وسائل النقل العام المدعوم وبذل جهد للوصول إلى الشباب والناخبين الأكراد ذوي الميول المحافظة وأنصار حزب العدالة والتنمية الذين لم يصوتوا في المرة الأخيرة.

"لقد كان الرئيس غائبًا إلى حد كبير"، قالت مليك (38 عاما)، عاملة بلدية: "لدي كل الإيمان بأن "يلدريم" سيفوز، ففي انتخابات مارس أراد الناس معاقبة الحكومة على فشلهم".

على الرغم من الجهود الجبارة التي بذلها فريق يلدريم، ما زالت حملة "أوغلو"، تتقدم مما يعني أن حزب العدالة والتنمية يواجه الاحتمال المهين للخسارة مرة أخرى، بحسب الصحيفة.

وانتقد أردوغان إمام أوغلو، ملمحًا إلى أنه في تحالف مع حزب العمال الكردستاني المحظور، تحدّث أردوغان عن رسالة موجهة من الزعيم الكردي، عبدالله أوغلان، من سجنه الّذي يقبع فيه بجزيرة إمرالي منذ العام 1999، لحزب "الشعوب الديمقراطي"، إلا أن هذا الحزب ندد بمخطط الرئيس وأشار إلى أنه يهدف إلى "تقسيم صفوف الناخبين"، وجدد الحزب الموالي للأكراد دعوة أنصاره للتصويت لأكرم إمام أوغلو مرة أخرى كما فعل في الانتخابات الماضية، وهو الأمر ذاته الّذي دعا إليه حزب "الديمقراطي الكُردستاني ـ تركيا".

لا يعرف أنصار حزب العدالة والتنمية ولا حزب الشعب الجمهوري ما يمكن توقعه عند ظهور نتائج  الإعادة أو مسار العمل الذي قد يتخذه الرئيس إذا واجه نتيجة غير مرضية أخرى، ولكن أي محاولة جديدة لإسقاط انتصار إمام أوغلو قد تثير اضطرابات في أجزاء جديدة وغير متوقعة من المدينة.


اضف تعليق