القمة الأمنية في القدس المحتلة .. سيناريو كوريا الشمالية يقلق إسرائيل


٢٩ يونيو ٢٠١٩ - ٠٥:٣٨ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - د. محمد عبدالدايم

تزامنا مع تدشين جلسات الورشة الاقتصادية بالبحرين، برعاية الولايات المتحدة، لوضع الخطوط الأولية لمحاور صفقة القرن الأمريكية، انعقد في الوقت ذاته اجتماع ثلاثي مشترك بين مستشاري الأمن القومي لكل من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل، في القدس.

أظهرت إسرائيل نفسها وكأنها لا تهتم بما يجري في البحرين، بينما التركيز على الاجتماع الثلاثي الذي كانت إيران وسوريا على رأس بنوده، وافتتح بنيامين نتنياهو أعمال الاجتماع، بحضور سفيري روسيا وإسرائيل، وسفيري إسرائيل لدى روسيا والولايات المتحدة.

روسيا في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة

وقفت روسيا على جانب في مقابل كل من إسرائيل والولايات المتحدة، فقد دافع مستشار الأمن القومي الروسي نيقولاي بتروشيف عن إيران، ورفض محاولات تهديدها، كما تحدث عن عدم قبول روسيا للغارات الإسرائيلية على سوريا لقصف أهداف إيرانية، كما تحدث بتروشيف عن سعي بلاده لتحقيق "السيادة السورية".

لم يفت على بتروشيف أن يتطرق إلى حادثة إسقاط الطائرة المُسيرة الأمريكية الأسبوع الماضي، بالتأكيد على أن إيران أسقطتها داخل مجالها الجوي، وفقا لحقها في الدفاع عن نفسها ضد أي اختراق جوي.

أماجون بولتون، مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي، فقد هاجم إيران،واعتبر أنها تحت سيطرة "نظام متطرف" يستفز العالم الخارجي، بينما تنضح بلاده بالفساد، وشدد بولتون على أنها، أي إيران، "تُصدر الإرهاب والعنف، وتهدد إمدادات النفط العالمية".

ورغم فرض عقوبات عليها، فإن الولايات المتحدة، وفقا لبولتون، قد تركت الباب مواربا للعودة مرة أخرى للمفاوضات مع إيران، وزعم أن بلاده تنتظر فقط أن توافق إيران على العودة من جديد للتفاوض، وعليها في البداية أن تتخلى عن مساعيها للحصول على سلاح نووي، وعدم تجاوز الحد المسموح لمخزون الـ 300 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب المنصوص عليه سابقا في الاتفاق النووي عام 2015، لكن بولتون لم يصرح بشكل مباشر عن نية بلاده للهجوم العسكري على إيران.

تحدث بنيامين نتنياهو لوسائل الإعلام، وعبر عن سعادته بهذا الاجتماع في القدس، وصرح علنًا بأن إسرائيل تحركت كثيرا لمنع الوجود الإيراني في سوريا، وحرمان حزب الله من الحصول على أسلحة، وزعم بأن إخراج كل القوات الأجنبية من سوريا "هدف مشترك" لإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة.


سعادة إسرائيلية لانعقاد الاجتماع في القدس

من جانبه، اعتبر مئير بن شبات، رئيس هيئة الأمن القومي الإسرائيلي، أن انعقاد هذا الاجتماع الثلاثي في القدس هو في حد ذاته دليل على "مكانة إسرائيل، وثقل موقفها الدولي"، وأصر على دحض الجهود الإيرانية للتوسع في المنطقة كشرط لتحقيق الأمن والاستقرار.

لا نتائج فعلية

بعيدًا عن التصريحات العلنية للأطراف الثلاثة لوسائل الإعلام، فإن الاجتماع الأمني الثلاثي لم يصل إلى قرارات عملية من المنتظر تفعيلها، في ظل الاختلافات بين روسيا والولايات المتحدة، لكن في المجمل لم تخرج إسرائيل قانطة من الاجتماع، على الأقل لأنه انعقد في القدس، ولأن الأطراف الثلاثة اتفقت على ضرورة خروج إيران من سوريا، ولو بدون جدول زمني محدد.

 إذا كان مستقبل سوريا في قلب الاجتماع، وفي بؤرة هذا القلب تتموضع إيران، بتوسعها في الشرق الأوسط، ومحاولاتها لحصار إسرائيل في سوريا ولبنان عن طريق حزب الله، لذا ضغطت إسرائيل في الاجتماع لضمان عدم تهديد إيران لها عبر الأرضي السورية، ورغم إعلان روسيا عن تذمرها من هجمات إسرائيل على سوريا، فإنها لم تحصل على رفض قاطع باستمرار هذه الهجمات، لكنها على العكس حظيت بتعهد روسي بتقليص كميات الأسلحة التي تنقلها إيران إلى حزب الله البناني، مع تشديد الرقابة على المناطق الحدودية.

إسرائيل غير معنية بتغيير نظام الأسد في سوريا، ومن المؤكد أن الكرملين الروسي يدعم وجود الأسد في المرحلة المقبلة، لكن تل أبيب تدفع لتأمين محيطها الشمالي، بإخراج طهران من سوريا، وحتى تخرج فإن روسيا ستلتزم بإبعاد القوات الإيرانية حتى 100 كم شرقي مرتفعات الجولان، إضافة إلى خنق حزب الله في لبنان، بمنع السلاح الإيراني عنه.

ارتياح إسرائيلي مشوب بالقلق

ورغم الشعور الإسرائيلي بالراحة بعد الاجتماع، فإن جهات سياسية وعسكرية قد أبدت يأسها من تراجع الولايات المتحدة عن ضرب إيران مؤخرًا، خصوصًا بعد إسقاط الطائرة المسيرة، فقد نقلت وسائل إعلام عالمية بأن ترامب وقع على أمر بشن هجوم ضد إيران ثم تراجع عنه،وهذا التراجع يعطي إحساسا لدى مراقبين إسرائيليين بأنه سيدفع واشنطن للرضوخ لضغوط طهران، حتى تضطر الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات الاقتصادية عليها كسبيل لعودة إيران للمحادثات حول ملفها النووي.

إسرائيل كانت قد أسهمت في دفع ترامب لفك الارتباط الأمريكي عن الاتفاق النووي مع إيران، وهذا نجاح لتل أبيب في صراعها مع طهران، لكنها تخشى أن يتحول الشد والجذب بين الولايات المتحدة وإيران إلى صراع مطاط بارد، على غرار ما حدث مع كوريا الشمالية، فحتى الآن لم تخضع إيران للولايات المتحدة، ولم يتجرأ ترامب في الوقت نفسه وينفذ تهديده بشن حرب ضدها، رغم إعلان طهران عن نيتها زيادة إنتاج اليورانيوم المخصب بما يتجاوز حدود الاتفاق النووي السابق.

رهان على الوقت

يراهن الإيرانيون على الوقت، وعلى العناد مع واشنطن، بينما تقف إسرائيل متحفزة، تنشد حربًا أمريكية ضد طهران، بينما تستمتع تل أبيب بالمشاهدة فقط دون الدخول المباشر في المعركة، لكنها تستشعر في جون بولتون ضعفا مستجدا، فقد لمحت وسائل إعلام إسرائيلية لضعف قبضة بولتون في البيت الأبيض، وهو كان أحد أول المشجعين لهجوم أمريكي على إيران، ففي الوقت الذي ظهر فيه نتنياهو سعيدا في صورة جمعته ببولتون، ظهر ترامب في اللحظة الأخيرة متراجعا ومتحفظا على الحرب ضد إيران.


تراجع الاهتمام بغزة وصفقة القرن

من اللافت أن نتنياهو تجنب الحديث في الاجتماع الأمني الثلاثي عن حماس وغزة، وتجنبت الأطراف الثلاثة الحديث عن صفقة القرن وورشة البحرين الاقتصادية، وربما يعود هذا الأمر لتشكك نتنياهو نفسه في تمرير صفقة القرن، خصوصا وأنه يرغب في ضم الضفة الغربية وليس التخلي عنها، كما أنه يسعى لتركيز الضوء حاليا على إيران، باعتبار أن صفقة القرن في جميع الأحوال أصبحت مؤجلة، لارتباطها بنجاحه في تشكيل حكومة، وهو الأمر الذي فشل فيه حتى الآن، وأصبح مؤجلا إلى سبتمبر المقبل.

تغطية على فشله السياسي الداخلي، وقضايا فساده؛ يدفع نتنياهو بإيران لتعود في صدارة المشهد الأمني الإسرائيلي الحالي، فيما تساعده إيران بتحركاتها في المنطقة، وعلى مقربة تنعقد ورشة اقتصادية لمناقشة "مستقبل اقتصادي" فلسطيني ضبابي.
 


اضف تعليق