ألمانيا.. مساعي جديدة من أجل مكافحة الإرهاب


١٤ يوليه ٢٠١٩ - ٠٩:١٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

في أعقاب تهديدات موجات داعش والهجرة غير الشرعية إلى ألمانيا، إلى جانب باقي دول أوروبا، عام 2014 أعتمدت برلين مبدأ مراجعة سياستها الأمنية، ورغم أن برلين لم تتمكن انذاك من توضيح أي استراتيجية في مكافحة الإرهاب والتطرف، لكن سلسلة الإجراءات والقوانين التي أصدرتها في هذا الإطار كانت مكملة مع بعضها وجاءت بنتائجها الإيجابية.

الثغرة الأبرز في أمن ألمانيا، كانت مراحل اللجوء، أي المراحل أو سلسلة الإجراءات الإدارية التي يمر فيها مقدم طللب اللجوء إلى ألمانيا، وتكمن هذه الثغرة، في إن يمنح مقدم طلب اللجوء أو المهاجر غير الشرعي بطاقة لمدة سنة، تمكنه من التحرك داخل الولايات الألمانية، الإجراء هذا كان بسبب النقص الحاد في العاملين في دائرة الهجرة.

الاستطلاعات وتقارير الاستخبارات الالمانية - وكالة حماية الدستور، كشفت عن حقيقة، أن أغلب منفذي العمليات الإرهابية خلال عام 2017 و2018، هم من المرفوضة طلبات لجوئهم، بعضهم نفذ العمليات بدوافع "ثأر" أكثر من أن يكون مؤمنا بأيديولوجية داعش والجماعات المتطرفة.

وبعد تشكيل الائتلاف الألماني الحاكم في سبتمبر 2017، واستلام "البافاري" زيهوفر، منصب وزارة الداخلية،اتخذت الداخلية الألمانية ومن ضمنها وكالة حماية الدستور، جملة سياسات وإجراءات وقوانين، كانت مدروسة تم التحضير لها مسبقا، أو بالأحرى حصل "زيهوفر" على موافقة شريكه الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة ميركل، مسبقا، وهذا ما جعل خطط "زيهوفر" تمضي بلا عقبات وبشكل سريع نسبيا.

لقد وضع وزير الداخلية الجديد "زيهوفر" أصبعه على الثغرات الأمنية التي تعاني منها ألمانيا وأبرزها:

1ـ تسريع إجراءات استقبال اللاجئين والبت في قضاياهم

ـ الترحيل السريع للاجئين المرفوضة طلباتهم وتشجيع العودة الطوعية

قرارات ترحيل الخطيرين أمنيا يتخذه مركز تابع لوحدة مكافحة الإرهاب المشتركة على المستوى الاتحادي والولايات. والمركز عبارة عن هيئة تنسيق مشتركة لسلطات الأمن على المستوى الاتحادي والولايات، ويختص فقط بمكافحة الإرهاب الإسلاموي.

ـ إيجاد مقاربة مع دول أفريقيا لإيجاد حلول للهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب

تسلّمت ألمانيا قيادة برنامج الاتحاد الأوروبي للتدريب العسكري في مالي. وتشارك ألمانيا في قوات حفظ السلام في مالي، والتي تشهد تمردا جهاديا وأعمال عنف عرقية. وساهمت ألمانيا في تجهيز ودعم كلية الدفاع التابعة لمجموعة الخمس في الساحل التي تتخذ من العاصمة نواكشوط مقراً لها. ووعدت  السلطات الألمانية بتقديم الدعم لمكافحة الإرهاب وتحقيق المزيد من الاستقرار. كما ساهمت ألمانيا  بالتعاون هولندا عام 2018 في تأسيس سَرية من القوات النيجرية، ومن المقرر تأسيس سرية ثانية عام 2020.

تعهدت الحكومة الألمانية في 2 مايو 2019، بتقديم مبلغ (100) مليون يورو مساعدة عاجلة في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف وتقديم الدعم لبوركينافاسو مساعدة من (7) إلى (10) ملايين يورو.

2ـ مسك الحدود الداخلية والخارجية

عززت السلطات في ألمانيا إجراءاتها في مكافحة الإرهاب في يونيو 2018، عن طريق تكثيف نقاط التفتيش المشتركة على الحدود مع النمسا، لمراقبة معبر برينر الحدودي، لمنع الدخول غير الشرعي إلى البلاد. وكانت المفوضية الأوروبية قد وافقت خلال عام 2016 على تمديد فترة العمل بإجراءات المراقبة على الحدود بين النمسا وألمانيا وبلدان أوروبية أخرى باستثناء معبر برينر، والذي يعد ممرا جبليا هاما بين إيطاليا والنمسا.

3ـ اتباع إجراءات أكثر تشددا مع محركات الإنترنت وحذف الخطاب المتطرف

تطبق ألمانيا واحدا من القوانين الأكثر صعوبة والذي يهدف إلى إجبار شركات مثل "فيسبوك" و"تويتر" وجوجل ويوتيوب للخضوع لمراقبة شرطة المحتوى على منصاتهم، حيث تواجه شركات التكنولوجيا غرامات تصل إلى (50) مليون يورو إذا أخفقت في حذف المحتوى غير القانوني.

4ـ الاستمرار بتقديم الدعم اللوجستي للتحالف الدولي في سوريا والعراق

ـ أقر البرلمان الألماني -بوندستاغ-  تمديد مهام الجيش الألماني في محاربة تنظم داعش في سوريا والعراق، إلى شهر أكتوبر 2019

5ـ تعزيز قدرات أجهزة الاستخبارات الداخلية

ـ تم إنشاء وحدة شرطة جديدة تحمل اسم "وحدة معاينة الأدلة، وتنفيذ الاعتقال"، ومقرها بالقرب من العاصمة برلين وهي تتشكل من 50 شرطياً، ومن إنشاء أربع وحدات إضافية في عام 2016، تضم كل واحدة منها 50 موظفاً وتتمركز في مواقع أخرى.

ـ تعزيز عمل وحدة ال GSG9 لتتمكن من تنفيذ أكثر من خمسين إنزالاً في السنة ضد الإرهاب والجرائم الكبرى التي تتطلب تدخلها. ولا أحد يعرف عدد أفراد GSG، يقدر عدد أفرادها بنحو 400 فرد، وأسست وزارة الداخلية سنة 2015 وحدة مساندة لعمل GSG9، أطلقت عليها اسم BFI (وحدة الاعتقالات وتأمين الأدلة).

ـ أنشأت وزارة الدفاع 12 مركزا على مستوى الاتحاد مختصاً بمواجهة الكوارث الإرهابية ومجهزة بالأجهزة والمعدات الخاصة بالتصدي للكوارث.

ـ رفع الميزانية

طالبت دائرة حماية الدستور الاتحادية الألمانية فى سبتمبر 2018 بمضاعفة ميزانيتها الخاصة بمكافحة الإرهاب والتطرف لسنة 2019، وتقدمت للحكومة بميزانية ترتفع إلى (421) مليون يورو لسنة 2019، ويزيد هذا المبلغ بنسبة (7%) عن ميزانية السنة الحالية، ويعادل نحو ضعف ميزانية سنة 2015 التي بلغت آنذاك 230 مليون يورو، وتعبر ميزانية 2019 المقترحة عن ازدياد مهام الأمن الألماني في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف اليميني واليساري والجريمة المنظمة، وطبيعي أن تغطي هذه الميزانية مهام الأجهزة الأمنية المختلفة وأجهزة مكافحة التجسس السياسي والاقتصادي التابعة لدائرة حماية الدستور.

ـ رفع عدد العاملين في أجهزة الاستخبارات

خططت هيئة حماية الدستور فى سبتمبر 2018 لتوسيع عدد العاملين في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الألمانية، من خلال زيادة عدد العاملين فيها بأكثر من (6) آلاف موظف وعامل جديد حتى سنة 2021، وأشارت دائرة حماية الدستور الاتحادية قبل سنتين إلى حاجتها إلى (3800) موظف، إلا أن عدد موظفيها آنذاك لم يزد على (2200)، وارتفع حتى عام 2018 إلى (3100)، لكنه بحاجة إلى (1000) عامل إضافي خلال عام 2019.

ـ أيجاد وحدات رقمية وإعادة استراتيجة مكافحة الإرهاب، تتعدى الأشكال النمطية على الأرض وترتقي إلى حجم تهديدات تنظيم داعش والجماعات المتطرفة

6ـ منح صلاحيات أوسع لتنفيذ عمليت وقائية واستباقية

ـ التوسع بنشر كاميرات الفيديو للمراقبة بمراكز التسوق والقاعات الرياضية، والسماح لأفراد الشرطة بحمل المزيد من الكاميرات أثناء أداء عملهم.

ـ زرع العملاء المتخفين بين صفوف التنظيمات المتطرفة، وإبقاء الشخص أو المجموعة التي يشملها الحوار المركز تحت رقابة حماية الدستور. ويتيح القانون أيضا تحسين تبادل المعلومات بين مختلف السلطات الأمنية الألمانية، ويسمح لعناصر الشرطة الفيدرالية الألمانية باستخدام هويات مزورة للتسلل إلى الشبكات الإجرامية مثل شبكات المهربين.

ـ لا يمكن شراء بطاقات مدفوعة مسبقا للهواتف المحمولة إلا بعد تقديم إثبات للهوية الشخصية.

7ـ تعزيز التعاون الأمني بين الولايات الألمانية

إنشاء منصة تعاون في مكافحة الإرهاب مع كل الخبراء ذوي الصلة، وذلك بالتوازي مع المركز المشترك لمكافحة الإرهاب.ويتعاون في (المركز المشترك لمكافحة الإرهاب) في الولاية جهات مختلفة من بينها الشرطة وهيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) والادعاء العام وهيئة الجمارك، حيث تقوم هذه الجهات بتجميع معلومات عن الخطرين لتتمكن السلطات من الرد المبكر على أي تهديدات.

8ـ تعزيز التعاون الأمني مع باقي دول الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية

تجاوزت ألمانيا عقدة التعاون الأمني وتبادل المعلومات مع دول الاتحاد الأوروبي من خلال تفعيل منصات إلكترونية وغرف مغلقة داخل المفوضية الأوروبية وبدعم من اليوؤوبول الذي ساهم كثير بتغدية ألمانيا ودول أوروبا بالمعلومات الاستخبارية وإطلاق التحذيرات بين فترة وأخرى ضد التهديدات المحتملة تحديدا الجماعات الإسلاموية المتطرفة والقادمين من خارج الحدود، عبر وكالة "فرونتكس"

9 ـ فرض رقابة أوسع على مساجد ومراكز دينية تدعو إلى التطرف ووقف تمويلها الخارجي

ـ تجريم الراغبين في الانضمام "للجهاد". وبموجبه يمكن مقاضاة أي شخص يخطط للسفر من ألمانيا "للمشاركة في جرائم عنف تعرض أمن الدولة لخطر جسيم في الخارج" أو للانضمام إلى أحد معسكرات التدريب على تنفيذ عمليات إرهابية. كما يجرم القانون الجديد أيضا تمويل الإرهاب حتى ولو تعلق الأمر بجمع مبالغ قليلة من المال لتمويل سفر "الجهاديين".

ـ فرض مراقبة سكن واتصالات وحركة المتشددين والخطرين في ألمانيا، إذ تنص الفقرة (46) من القوانين الجديدة على حق شرطة الجنايات الاتحادية، من أجل حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وأن تفرض الرقابة الإلكترونية على المشتبه فيهم، وتربط التعليمات تنفيذ هذه الإجراءات بموافقة القاضي.

ـ تجريد المقاتلين مزدوجي الجنسية، من الجنسية الألمانية، وحرمانهم من جوازات السفر والجنسية الألمانية، بشرط أن تكون لديهم جنسية أخرى.

ـ السماح بعودة "جهاديي" تنظيم "داعش" وعائلاتهم إلى ألمانيا وفق شروط صارمة. وبحسب صحيفة بعد تحديد هوية الأشخاص المعنيين بشكل لا يقبل الشك، ويجب ألا يمثلوا مستقبلا أي خطر على أمن ألمانيا.

ـ فرض رقابة مشدده على حركات اليمين المتطرف والشعبوية

طالبت الأحزاب السياسية الألمانية باتخاذ سياسات وإجراءات أوسع ضد اليمين المتطرف في أعقاب عدد من الاغتيالات شملت بعض السياسيين الألمان ابرزها اغتيال عمدة مدينة كاسل الألمانية خلال شهر يونيو 2019 والتخطيط لتنفيذ عمليات اغتيال أخرى. وهذا ما دفع الكثير من السياسيين إلى ضرورة وضع أحزاب اليمين ومنها حزب البديل من أجل ألمانيا الممثل في البرلمان تحت رقابة وكالة حماية الدستور، بعد نيل موافقة المحكمة الدستورية.

الخلاصة

إن ألمانيا إلى جانب دول أوروبا، أدركت أن قدراتها انذاك ما قبل عام 2014 وإمكانياتها، أقل بكثير من حجم التحديات الأمنية التي ضربت ألمانيا وعصفت بعواصم أوروبية أخرى. فألمانيا لم تفصل ما بين ممارسة الحريات والترويج للدعاية المتطرفة وتقديم الدعم اللوجستي لــ"الجهاديين" في سوريا والعراق وغيرهما من الدول، كذلك الحال بالنسبة لليمين المتطرف وصناعة الكراهية، فالخطاب المتطرف والمحتوى الكاذب أيضا استثمره كثيرا اليمين الشعبوي، أمام تراخي الحكومة الألمانية.

المراجعات التي عملتها ألمانيا في سياساتها وكذلك في قوانينها وفقا للدستور الألماني، جاءت بنتائج إيجابية، وجعلت من ألمانيا ساحة نظيفة أمنيا نسبيا داخل دول أوروبا.

مصادر تهديد أمن ألمانيا لم تعد خارجيا أو مستوردة من خارج الحدود أبدا، بقدر ما هي تهديد من الداخل؛ الجماعات الإسلاموية المتطرفة واليمين الشعبوي، الذي قالت عنه الاستخبارات الألمانية إنه يفوق التطرف الإسلاموي.

التحدي الذي تواجه أجهزة الأمن والاستخبارات الألمانية، هو اتخاذ ألمانيا ملاذا آمنا لتنفيذ عمليات إرهابية خارج أراضيها، وهذه سمة التصقت بألمانيا منذ أحداث 11 سبتمبر 20101 ولحد الآن، العمل السري أيضا للجماعات الإسلاموية "بغطاء شرعي" منظمات المجتمع المدني والمراكز الثقافية، ما زال يمثل تحديا كبيرا، رغم ما تبذله أجهزة الأمن الألمانية من جهود بتفكيك خلايا التنظيمات المتطرفة وإلقاء القبض على العصابات المنظمة وغسيل الأموال.

بات متوقعا أن تشهد ألمانيا تحديا أوسع لجماعات اليمين المتطرفة والشعبوية، التي لم تعد تهدد الأجانب والجاليات بقدر تهديدها للطبقة السياسية والنظام الديمقراطي في ألمانيا.

أما تهديدات الجماعات الإسلاموية، فهي قائمة من الداخل، وخاصة الجماعات المنظمة مثل جماعة الإخوان المسلمين، التي تنشط خلف شبكة واجهات من الشركات والمنظمات، رغم أن الاستخبارات الألمانية اعتبرتها، أخطر من تنظيمات القاعدة وداعش، وربما يعود السبب لــ"تمكنها داخل ألمانيا".

ما تحتاجه ألمانيا في الوقت الحاضر، هو تعزيز الائتلاف الحاكم، الذي يراهن عليه المواطن الألماني، في حالة انفراط عقد هذا التحالف، يمكن أن تدخل ألمانيا في فوضى سياسية، ربما لم تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية، وهذا ما تعمل عليه المانيا في الوقت الحاضر، رغم الخلافات داخل هذا الائتلاف.

وبدون شكل عمليات المراجعة التي أجرتها ألمانيا هي الأخرى تحتاج إلى أن تصمد ويتم تعزيزها، ما تم إنجازه هو في باب السياسات والإجراءات والقوانين، لكن تحتاج ألمانيا إلى بلورة استراتيجية أمنية أكثر وضوحا، من اجل التنبيه على تهديدات الأمن القومي الداخلية والخارجية.



اضف تعليق