ضحايا الاحتلال .. حكاية الشهيد رقم 220


١٧ يوليه ٢٠١٩ - ٠١:٥١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- محمد عبد الكريم

القدس المحتلة – هو الشهيد رقم 73 الذي يستشهد نتيجة التعذيب الوحشي على يد مخابرات الاحتلال في زنازين التحقيق لانتزاع معلومات، ورقم 220 من شهداء الحركة الأسيرة الفلسطينية من الذين أعدموا وفقدوا حياتهم نتيجة  إطلاق النار المباشر، والمرض، وسوء المعاملة، والإهمال الطبي المتعمد، منذ عام 1967، إضافة إلى عشرات الأسرى الذين استشهدوا بعد تحررهم متأثرين بما لحق بهم من تعذيب، فضلا عن أن عشرات آخرين من الأسرى والأسرى المحررين لا يزالون يعانون من إعاقات جسدية ونفسية جراء ما مُورس بحقهم من تعذيب.

وفي أحدث المعلومات عن ظروف استشهاد الأسير نصار ماجد طقاطقة (31 عاماً) من بلدة بيت فجار بمحافظة بيت لحم جنوب الضفة، فقد نشر نادي الأسير الفلسطيني، اليوم الأربعاء، معلومات جديدة تفيد بأن الأسير طقاطقة اُعتقل في تاريخ 19 حزيران/ يونيو 2019، بعد اقتحام قوات خاصة لمنزله في بلدة بيت فجار، وتم نقله إلى مركز تحقيق "المسكوبية" وبعدها إلى مركز تحقيق "الجلمة"، وبحسب الأسرى بدأت تظهر عليه ملامح تدهور في حالته الصحية بسبب التحقيق.

 وفي تاريخ 9 تموز/ يوليو، تم إدخاله إلى "معبار" معتقل "مجدو" وتم نقله إلى إحدى الزنازين في معتقل "مجدو"، واعتدى عليه السجانون بالضرب المبرّح وقاموا بتقييده بالسرير.

ويوم الخميس الماضي 11 تموز/ يوليو رفضت الإدارة نقله إلى الأقسام العامة بذريعة أنه معاقب، وفي يوم الأحد الماضي تم نقله إلى "معبار" معتقل "مجدو" على حمّالة، ووضعه في غرفه تحت رقابة خاصة بسبب وضعه الصحي، وجرى نقله لاحقاً إلى المستشفى في "الرملة"، حتى تم الإعلان عن استشهاده صباح يوم أمس في زنازين معتقل "نيستان الرملة" نتيجة للتعذيباضافة الى ان هناك معلومات أولية تُشير إلى احتمالية أنه أصيب بكسور في أطرافه.

طقاطقة الذي كان يتحضر لحفل زفافه هذا الصيف عريسا، زفته الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال شهيدا كحال 72 شهيدًا ارتقوا نتيجة التعذيب في سجون الاحتلال من أشهرهم: يوسف الجبالي، قاسم أبو عكر، إبراهيم الراعي، عبد الصمد حريزات، عطية الزعانين، مصطفى عكاوي، وعرفات جرادات، وهم جزءا من تجربة تعذيب مؤلمة تشير التقديرات إلى أن مليون فلسطيني، ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، تعرض لشكل أو أكثر من أشكال التعذيب، فيما تعرضت الغالبية منهم لأكثر من شكل من أشكال التعذيب التي قاربت 80 شكلاً.

وقد تضاعف في السنوات الأخيرة، وسُجل بعام 2016 زيادة قدرها (100%)عن العام 2015، وبنسبة (400%) عن العام 2014، وذلك من حيث قسوة التعذيب وبشاعة أساليب المُعذبِين، وتنوع أساليب التعذيب 'النفسية والجسدية'، وتعدد الأشكال المتبعة وكثرتها مع الشخص الواحد، ومن مختلف الفئات العمرية.

شهر واحد كفيل بأن يفقد الأسير كل شيء

قبل 5 سنوات تعرض الأسير المحرر معاذ غانم (35 عاماً) من بلدة بيت ليد بمحافظة طولكرم،  للاعتقال في مركز تحقيق الجلمة (السيئ السمعة)، لمدة شهر حيث فقدت العائلة أخباره، وهو عائد من الأردن.

وبعد تدهور صحة غانم بشكل خطير في مركز التحقيق أفرجت محكمة إسرائيلية عنه، بكفالة مالية، وتم تحويله فوراً إلى المستشفى، وهو لا يدرك ما الذي يدور حوله من أحداث، ولا يعلم ما يتحدث ذووه مع الأطباء، وإن كان يدرك كل ذلك، فهو عاجز عن الرد. فقد خرج من سجون وفي حالة صحية بالغة السوء، استدعت نقله فوراً إلى المستشفى لتلقي العلاج.

وعبثًا حاول الأطباء الفلسطينيون عبر الصليب الأحمر الدولي، تسلم تقارير من سلطات الاحتلال، لمعرفة أساليب التعذيب التي أوصلته إلى عدم القدرة على النطق، وانهيار عصبي شديد، وانعدام الإحساس بما يجري من حوله.

10 دقائق من الضرب والتعذيب تكفي لقتل الأسير قبل دخوله السجن حتى أواخر العام الماضي 2018، فجرت قوات الاحتلال الإسرائيلي باب منزل الشهيد محمد الريماوي من محافظة رام الله، وانهالوا عليه بالضرب الوحشي، داخل غرفته، سمعت شقيقته صراخه، فهرعت نحو غرفته حيث كان جنود الاحتلال يضربون رأسه بالحائط، بينما راح جسده ينتفض بسرعة، كأنما روحه تفارق جسده، وحوله يتجمع عدد كبير من الجنود، وما إن حضر والدا الشهيد إلى مسرح الجريمة التي امتدت لعشر دقائق من الضرب الوحشي، حتى وجدا أصغر أبنائهما محمد جثة هامدة، والجنود يحيطونه، وبدأت والدته تصرخ بالقتلة: "ماذا فعلتم به، لماذا لا يتحرك محمد"، ولدى محاولتها شق طريقها نحو ابنها، أشهر جنود الاحتلال السلاح في وجهها طالبين منها الابتعاد وإحضار بطاقة إثبات شخصية الشهيد.

وتؤكد الأم أن ابنها لم يكن يعاني من أية أمراض، باستثناء إصابة برصاصة في قدمه تعرض لها قبل عام، خلال مواجهات في قرية النبي صالح المجاورة، مضيفة "لا يحاولوا تلفيق تهم المرض إليه، محمد ليس مريضا، لقد قتلوه".

أطباء الاحتلال يشاركون في تعذيب الأسرى الفلسطينيين

واتهم تقرير صادر عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين أطباء مصلحة السجون الإسرائيلية والأطباء الإسرائيليين العاملين لدى أجهزة الاحتلال في تعذيب الأسرى، عندما قدموا تقاريرا تشير إلى تحمل الأسرى للتعذيب والإرهاق البدني والنفسي، وكذلك الامتناع عن التدخل لتقديم علاج للأسرى الجرحى والمصابين الذين يتم استجوابهم في غرف التحقيق.

وتابع التقرير أن الأطباء لم يعارضوا عملية المساومة على العلاج مقابل الاعتراف التي يقوم بها المحققون مما يؤكد التواطؤ الطبي في التعذيب.

وأشار تقرير الهيئة إلى أن انتظار الأسرى مدة طويلة بعضها عدة سنوات من أجل إجراء الفحوصات الطبية أو النقل إلى المستشفيات هو جريمة يرتكبها الأطباء العاملون في مصلحة السجون، حيث سقط شهداء في صفوف الأسرى تبين أن الأمراض تفاقمت في أجسادهم منذ زمن طويل، ولم يجر لهم أية فحوصات مبكرة لاكتشاف الأمراض وتقديم العلاج لهم.

وقال تقرير الهيئة هناك إشراف منهجي مقصود من قبل الأطباء الإسرائيليين لحاجات الأسرى من العناية الصحية أو النظافة أو الطعام والعديد منهم يلتزم الصمت خلال إساءة معاملة المرضى كالتعرض للضرب والقمع بالغاز والقهر النفسي بالحرمان من الزيارات حيث يقومون بإخفاء المعلومات عن سوء المعاملة للأسرى.

وأوضح التقرير أن الأطباء يخفون نتائج تشريح جثامين الشهداء الأسرى ولا يسلمونها للجهات الرسمية الفلسطينية، إضافة إلى إخفاء معلومات عن أخطاء وتجارب طبية ارتكبت بحق الأسرى خلال علاجهم.

وقال تقرير الهيئة إن الأطباء في مصلحة السجون يتساوقون مع الموقف السياسي للحكومة الإسرائيلية ولأجهزة الأمن في إسرائيل في حالات كثيرة كتقديم تقارير برفض الإفراج المبكر عن أسرى مصابين بحالات صعبة وخطيرة والادعاء أن حالتهم الصحية جيدة، إضافة إلى وضع عقبات كثيرة أمام إدخال أطباء للأسرى لإجراء الفحوصات لهم.

وذكرت الهيئة مجموعة ظواهر تؤكد تواطؤ وتقصير أطباء السجون ومراكز التحقيق في المسؤولية عن العناية بالحالات المرضية الصعبة ومنها:

• سقوط شهداء في صفوف الأسرى تبين انهم عانوا من أمراض عديدة لم يتم الكشف عنها خلال وجودهم بالسجن، ومنها الشهيد ميسرة أبو حمدية وفادي الدربي وزهير لبادة وياسر حمدونة ، محمد الجلاد وأشرف أبو ذريع وزكريا عيسى وغيرهم.

• عدم تدخل الأطباء في علاج الحالات المرضية المصابة بأمراض نفسية وعصبية، والسكوت على زجهم في زنازين انفرادية
• سكوت الأطباء عن ارتكاب أخطاء طبية كما جرى مع الأسير سامي ابو دياك الذي أصيب بالتلوث خلال إجراء عملية إزالة ورم له في المعدة في مستشفى سوروكا الإسرائيلي يوم 3/9/2015 أدى إلى دخوله في حالة غيبوبة، وكذلك ما جرى مع الأسير ثائر حلاحلة الذي أصيب بالتهاب الكبد الوبائي بعد علاج أسنانه يوم 16/4/2013 بأدوات طبية متسخة وملوثة في عيادة سجن عسقلان، وكذلك ما جرى مع الأسير عثمان أبو خرج الذي تم إعطاؤه إبرة بالخطأ في سجن شطة عام 2007 مما أدى إلى معاناته من التهاب الكبد.

• سكوت الأطباء عن استمرار احتجاز الأسرى المرضى في عيادة سجن الرملة التي هي أسوأ من السجن وتفتقد لكل المقومات الإنسانية والصحية.

• سكوت الأطباء على تشريع قانون التغذية القسرية بحق الأسرى المضربين عن الطعام بما يشكل ذلك من مخاطر صحية ومساس بكرامة وحقوق الأسير المضرب.

• سكوت الأطباء على سياسة تحويل نفقة علاج أي أسير على حسابه الشخصي وخاصة بما يتعلق بتركيب أطراف اصطناعية للأسير المعاق.
• سكوت الأطباء على انتزاع اعترافات تحت التعذيب والتهديد خاصة للقاصرين وعدم تقديم المعلومات التي تشير إلى تعرض الأسير إلى معاملة قاسية خلال استجوابه واعتقاله.

واعتبر تقرير الهيئة أن أطباء مصلحة السجون والأطباء التابعين لأجهزة الأمن يخالفون معاهدة جنيف لعام 1949 وقوانين الحد الأدنى المعيارية لمعاملة الأسرى للأمم المتحدة لعام 1955 وتتعلق بالملجأ والطعام والنظافة والعناية الطبية المقدمة للسجناء، ويخالفون وثيقة نقابة الأطباء العالمية (1956) التي أكدت أن المهمة الأساسية لمهنة الطب هي حماية الصحة وإنقاذ الحياة ولهذا يعتبر الأمر غير أخلاقي للأطباء أن قاموا بتقديم النصيحة أو القيام بإجراءات وقائية أو تشخيصية أو علاجية لا يمكن تبريرها بحق المريض أو بإضعاف القوة البدنية أو العقلية للإنسان دون أية مبررات علاجية.

وكذلك يخالف أطباء مصلحة السجون إعلان طوكيو 1975 الذي ينص على دور الطاقم الصحي وخاصة الأطباء في حماية السجناء والمعتقلين من التعذيب حتى لو حاولت السلطات إجبارهم على الاشتراك بمثل هذه الأعمال، وأن من واجبهم أن يوفروا للمسجونين والمحتجزين حماية لصحتهم البدنية والعقلية ومعالجة لأمراضهم تكونان من نفس النوعية والمستوى المتاحين لغير المسجونين أو المحتجزين.

ووفق الإحصائية التي عرضها التقرير، فقد بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي مع أواخر آذار/ مارس 2018 نحو 6500 أسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بينهم 350 طفلا، و62 أسيرة بينهن 21 أما، و8 قاصرات و6 نواب، و500 معتقل إداري، و1800 مريض بينهم 700 بحاجة إلى تدخل علاجي عاجل، و48 أسيرًا مضى على اعتقالهم أكثر من عشرين سنة بشكل متواصل، و25 أسيرا مضى على اعتقالهم أكثر من ربع قرن، و12 أسيرا من أولئك قد مضى على اعتقالهم أكثر من ثلاثين عاما وأقدمهم الأسيران كريم وماهر يونس وهما معتقلان منذ 35 عاما. وتوضح الإحصائية أن هناك أيضا 29 أسيرا معتقلين منذ ما قبل "اتفاقية أوسلو" وهؤلاء ممن كان يفترض إطلاق سراحهم ضمن الدفعة الرابعة في آذار/ مارس عام 2014 إلا أن الحكومة الإسرائيلية تنصلت من الاتفاقيات وأبقتهم رهائن في سجونها.


 


اضف تعليق