الاحتلال يهجّر الفلسطينيين من منازلهم.. أبعاد مجزرة الهدم في وادي الحمص


٢٣ يوليه ٢٠١٩ - ٠١:١٤ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة - في جريمة هي الأضخم منذ احتلال القدس عام 1967، هجّر الاحتلال عشرات الفلسطينيين من منازلهم، بعدما هدم أكثر من مئة شقة في 16 عمارة سكنية في حيّ وادي الحُمص في صور باهر، فيما تنتظر 250 شقة أخرى المصير نفسه، أما ما هو قيد البناء منها فقد حُرم 350 مقدسياً علقوا آمالهم على تلك الجدران لتؤويهم وتحفظ لهم فرصة البقاء على أرض مدينتهم.

فيما يشبه عملية عسكرية منسقة، سبقتها بيومين مناورات تدريبية، اجتاحت قوات الاحتلال، حي وادي الحمص وفرضت طوقاً عسكرياً عليه، فيما أعلنت عموم بلدة صور باهر منطقة عسكرية مغلقة، لتشرع بعد ذلك باقتحام المباني وإخراج من فيها من السكان المقدسيين بالقوة، مع ما تخلله ذلك من اعتداء بالضرب على العديد منهم، ممن قاوموا عملية الإخلاء، وقد صرخ بعضهم في جنود الاحتلال بأن يهدموا المنازل على رؤوسهم، لكنهم لن يتركوها، كما حدث مع أحد الأسرى المحررين ويدعى ياسر أبو هدوان.

بُعد انتخابي

يأتي الهدم في اطار الخطة الاستراتيجية الاسرائيلية في تهويد القدس من خلال تغيير الديموغرافيا فيها وكذلك طبيعتها الحضارية لتتحول القدس إلى مدينة داوود التوراتية، بيد أن توقيت تنفيذ الشرطة الاسرائيلية لقرار المحكمة العليا الإسرائيلية القاضي بالهدم يخدم أحزاب اليمين الصهيوني وخصوصا حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو حيث الساحة السياسية الإسرائيلية وبعد فشل نتنياهو بتشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة والذهاب إلى انتخابات جديدة في السابع عشر من سبتمبر المقبل.

ويسعى نتنياهو ومن خلفه لوبي الاستيطان في الليكود إلى تسويق أنفسهم على أنهم ما زالوا القيادة الحقيقية لليمين الاستيطاني، في ظل التشتت داخل بقية الأحزاب اليمينية الدينية الاستيطانية وعدم قدرتها على التوحد في قائمة واحدة،

بُعد استيطاني

بعد نجاح نتنياهو باستصدار قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس واعتراف دونالد ترامب بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، فإنه ماض بتطبيق ذلك على أرض الواقع من خلال فصل مدينة القدس عن محيطها الفلسطيني، خاصة بعد صفقة القرن.

يستفيد نتنياهو من التغيرات الحادثة داخل النظام السياسي الإسرائيلي، مستغلاً ظاهرة انزياح المجتمع الإسرائيلي تجاه اليمين المتطرف، الأمر الذي انعكس على توجهات المحكمة العليا التي كانت تتهم بأنها من أهم معاقل اليسار الصهيوني.

لكن بعد تولي إييلت شاكيد وزارة العدل في حكومة نتنياهو السابقة، تم إحداث تغييرات هامة من خلال تعيين قضاة ذوي توجهات استيطانية داخل المحكمة العليا، الأمر الذي يخدم أهداف الجمعيات الاستيطانية العاملة على تهويد مدينة القدس، ومن يقف وراءها من لوبيات صهيونية في الخارج معظمها في الولايات المتحدة الأمريكية، ما يمثل مكسبا انتخابيا مهما  لنتنياهو بشكل خاص ولأحزاب اليمين بشكل عام في انتخابات الكنيست المقبلة.

المتتبع لخريطة المشاريع الاستيطانية، والأماكن التي تتسارع فيها وتيرة الهدم أخيرًا، يصل إلى خلاصة مفادها أن الاحتلال بات في نهاية الطريق لضمّ الجزء الأكبر من الضفة إلى المناطق الخاضعة لسيادته، ولا سيما المعروفة بمناطق "ج" التي تضم 250 ألف فلسطيني، يرى الاحتلال فيهم عدداً "يسهل دمجه والسيطرة عليه".

وإن كان يُنتظر أن تُعلن الولايات المتحدة بنود "صفقة القرن"، فإن ما يحدث في فلسطين عامةً والقدس خاصة، ما هو سوى تطبيق غير معلن لتلك البنود وإذا ما استمرت الحال على ما هي عليه، فقد لا يبقى فلسطيني واحد في القدس.

بُعد تهجيري

في نهاية المطاف، للاحتلال مخطط كبير هدفه إفراغ القدس من الفلسطينيين واستبدال المستوطنين بهم ولذلك، ما جرى في صور باهر "ليس سوى جزء يسير من مخطط كبير يبدأ من مستوطنة غيلو في الضفة، ويمرّ بصور باهر وجبل المكبر، ثم رأس العمود وسلوان، انتهاءً إلى قلنديا حيث من المفترض أن يربط هذه المناطق ما يُطلق عليه الخط البُني الذي سيقضم أراضي الناس لإنشاء قطار خفيف يربط المناطق بعضها ببعض، وينتهي في مستوطنة ستقام عند قلنديا تضم 20 ألف وحدة سكنية.

بُعد ضم الضفة

الدعم الأمريكي المتمثل بإعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وهو ما سارع لترجمته منذ اللحظة الأولى إلى معركة لتوسيع حدود القدس، لتكون القدس التي اعترف بها ترامب هي "القدس الكبرى" بمساحة 300 كم2 تقريباً، وليست "القدس البلدية" بمساحتها الحالية (126 كم2)، ولهذا تحديداً فتح معركة هدم الخان الأحمر لضمّ كتلة أدوميم بأكملها –واضطر للتراجع تحت ضغط شعبي ودولي.

واليوم يفتح جبهة وادي الحمص باعتبارها أصغر وأكثر رخاوة، فهي ليست بنفس الحجم، ولا تحظى بالاهتمام الدولي ذاته، كما أن معظم البيوت التي ستهدم ليست مأهولة بالسكان.

من المهم جداً أن نتنبه هنا أن حسابات الثمن المحتمل كانت تحكم المحتل في اختياره لفريسته.

ويرى مختصون، أن تداعيات الهدم ستكون خطيرة، ما سيجعل الضرر يمتد ليشمل المناطق المحاذية للجدار في الضفة الغربية كافة، ومما يعني هدم آلاف المباني لاحقا، وذلك في حالة عدم وجود وسيلة ضغط على الاحتلال؛ لوقف عمليات الهدم المتواصلة.

ولفت المختصون إلى أن ما يحصل في واد حمص من عمليات هدم، هو فعليا بدء لعملية ضم مناطق واسعة من الضفة الغربية إلى دولة الاحتلال مع تهجير سكانها، وهو ما يخالف القانون الدولي الانساني وقرار مجلس الأمن رقم "2334" الصادر نهاية عام 2016، والذي طالب بوقف الاستيطان وعدم شرعية الجدار والمستوطنات.

هذا وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية قد صادقت بتاريخ 13/ 6/ 2019 على قرار جيش الاحتلال الإسرائيلي القاضي بهدم (16) بناية سكنية تضم أكثر من (100) منزل في حي وادي الحمص، بحجة قربها من جدار الضم (الفاصل) المقام على أراضي البلدة.

وبتاريخ 20/ 6/ 2019 سلمت قوات الاحتلال عشرات المواطنين إخطارات تقضي بهدم منازلهم في الحي، وأمهلتهم حتى تاريخ 18/7/2019، لتنفيذ قرارات الهدم ذاتياً، أو قيام الجيش بهدمها بعد هذا التاريخ.  وفي تاريخ 21/ 7/ 2019، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية التماساً تقدم به المتضررون لتجميد عملية الهدم، وبعد رفض الالتماس بساعات سارعت قوات الاحتلال باقتحام الحي، والشروع بتنفيذ الهدم.

يعتبر حي وادي الحمص امتداداً لبلدة صور باهر، جنوب مدينة القدس الشرقية المحتلة، وتبلغ مساحة أراضيه حوالي (3) آلاف دونم، ويصل عدد سكانه حوالي (6) آلاف نسمة.

يقع الحي خارج حدود بلدية القدس، وتُصَنَّفُ غالبية أراضيه ضمن مناطق (A) التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية حسب اتفاق أوسلو لعام 1993، واستصدر أصحاب تلك العقارات رخص البناء من وزارة الحكم المحلي الفلسطينية.

وفي أعقاب الشروع ببناء جدار الضم (الفاصل) عام 2003، وقعت بعض المنازل خارج الجدار، وبعضها الآخر وقع في الجانب الإسرائيلي من الجدار، لكنّه بقي خارج نفوذ بلدية الاحتلال.

وتشير أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، حسب كتاب القدس الإحصائي السنوي، إلى أنّ عدد المساكن المهدومة في محافظة القدس منذ العام 1967 وحتى نهاية العام الماضي 2018، بلغ 2074، في حين تضرر من عمليات الهدم هذه ما مجموعه 9492 نسمة غالبيتهم من النساء والأطفال.

ووفق مكتب تنسيق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، فقد هدمت سلطة الاحتلال منذ عام 2009، 69 مبنًى في صور باهر، أو أجبرت أصحابها على هدمها، بحجة افتقارها إلى رخص البناء، وأنّ 46 مبنًى منها مأهول أو قيد الإنشاء، وأسفر هدمها عن تهجير 30 أسرة.

ويعد الهدم لدواعٍ أمنية، واحداً من أربعة أنواع هدم تلجأ إليها سلطات الاحتلال ضدّ الفلسطينيين، وتتم بذريعة حماية الجنود والمستوطنات.

وتبرر إسرائيل هذه الأعمال تحت مسمى "أهداف عسكرية قانونية". وهذا النوع من الهدم لا يطبق على وضع القدس المحتلة فقط؛ بل هو سائد في أنحاء الضفة الغربية ومناطق (ج) كافة.

وتشمل أنواع الهدم الأخرى، الهدم العقابي وهو هدم منازل العائلات الفلسطينية على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي بذريعة تنفيذ أبنائها عمليات عسكرية ضدّ الإسرائيليين، إضافة إلى الهدم الإداري، وهو الأكثر شيوعاً، وينفذ بذريعة البناء من دون الحصول على ترخيص، أو بذريعة المصلحة العامة.

وتكمن السهولة في إصدار القرار الإداري للهدم بالاكتفاء بإصدار مهندس بلدية الاحتلال في القدس بلاغاً بهذه الحالات؛ في حين يقوم رئيس البلدية بدوره بالتوقيع عليه؛ مع أن "البناء بدون تراخيص" يجري أيضاً في المستوطنات بكثرة.

ثم يأتي أخيراً الهدم القضائي، وهو عبارة عن قرار قضائي يصدر عن المحاكم الإسرائيلية، ومنها محكمة الشؤون المحلية، والمحكمة المركزية، والمحكمة العليا.

ويأتي قرار الهدم القضائي عادة بعد الانتهاء من الإجراءات والقرارات الإدارية الصادرة عن بلدية الاحتلال في القدس.


اضف تعليق