أنسي الحاج.. لم يدفئني نور العالم بل قول أحدهم أني ذات يوم أضأت نورا في قلبه


٢٧ يوليه ٢٠١٩ - ١١:٣٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

"غيوم، يا غيوم باركي الملعونَ السائرَ حتّى النهاية باركينيِ علِّميني فَرَحَ الزوال"..

يرى الشاعر اللبناني الراحل أنسي الحاج، الذي تمر اليوم 27 يوليو، ذكرى ميلاده؛ أن الكتابة لا شيء إن لم تكن اكتشافا، فالأدب من هذه الناحية لا يختلف عن العلم.. الأديب مؤرّخ وفقيه وطبيب.. كلّما أمسك الكاتب قلمه يُفترض أن يدوس أرضا جديدة.

استطاع "الحاج" أن يكرس اسمه في طليعة كتاب القصيدة الجديدة، منذ أن أصدر ديوانه الأول "لن" عام 1961 بعد عام واحد من صدور الديوان الأول لمحمد الماغوط "حزن في ضوء القمر"؛ بل تحول إلى الشاعر الأكثر راديكالية وطليعية في العربية.

يروي الحاج أن ديوانه "لن" أحدث صدمة كبيرة لأنه كان يحمل الشحنة الأولى والأقوى من عالمه الداخلي. ولأنه ربما كشف، وللمرة الأولى، عن لغة صادمة. فاللغة فيه كانت مشحونة بالضغط.. فوجد هذا الضغط متنفسا له، ذهب الزبد وبقيت اللغة الجوهرية.. يقول: "ما عادت لغتي مشحونة بأشياء خارجية. "لن" هو كوابيس الطفولة والمراهقة. انتهيت من ذلك فشفت لغتي وتصفت".

ويضيف: "عندما كتبت "لن" كتبته وكأنه كتابي الأول والأخير. هو كتاب مخيف فأنا لا أقرأه الآن. الباحث عن الوحشية لن ترضيه كتاباتي الأخيرة. لقد خرجت في مراحلي اللاحقة من أجواء "لن" النفسية"

بدأ "الحاج" في كتابة قصيدة النثر قبل أن يطلق عليها هذه التسمية، كما يوضح في حوار مع الشاعر أمجد ناصر، وكان ينشر مثل هذه القصائد في المجلات الأدبية في منتصف الخمسينات. يقول: "كنت أعبر عن نفسي بصورة تلقائية من خلال هذا الشكل الشعري وأنا لا أزال على مقاعد الدرس، فقد كنت أرتاح فيه وأجد نفسي من خلاله".

ويضيف: "كنت قارئا ومعجبا بكتاب لبنانيين كتبوا شيئا من النثر الشعري الذي كان محط إعجابي، خصوصا أولئك الكتاب الذين جمعوا بين الغنائية والتوتر. كنت أبحث عن الكتاب المتوترين لأنني شخص ملول جدا، لا أحب الكتابة المرتخية، ففي حين كان زملائي معجبين بجبران كنت أتجنبه كثيرا في ذلك الوقت، فقد كان جبران يشعرني بالضجر. كنت أميل إلى الكاتب الذي أشعر أن كتابته تنبض بين يدي، الكاتب الذي تشعر أنه يصنعك صنعا! جبران ليس لديه الكثير من هذا، فهو كاتب يخيم عليه السكون".


يدي يدٌ لكِ ويَدُكِ جامعة.
حَسَرْتِ الظّلَّ عن شجرة النَّدَم
فغسل الشتاءُ نَدَمي وَحَرَقه الصّيف.
أنتِ الصغيرة كنُقطة الذهب
تفكّين السّحر الأسود
أنتِ السائغـةُ اللـّيـنـة تشابكتْ يداكِ مع الحُبّ
وكُلّ كلمةٍ تقولينها تتكاثف في مجموع الرّياح.
أنتِ الخفيفةُ كريش النعام لا تقولين تعال،
ولكنْ كُلّما صادَفْتُكِ كُلَّ لحظةٍ أعودُ إليكِ بعد غيابٍ طويل.

حتى العام 1954 لم يكن يقصد الحاج أن يكتب شعرا، لكنه كتب بعض المقالات ونشرها. وعندما جاءه يوسف الخال وطلب منه المساهمة في مجلة الشعر. تساءل الحاج: وما شأني في ذلك؟ فحتى ذلك الوقت لم يكن يظن نفسه شاعرا، وما كان يظن أن ما يكتبه شعر، خصوصا في ظل الشعر السائد آنذاك.

يقول: "النصوص التي كنت أكتبها وأنشر بعضها لم تكن لها هوية واضحة بل يمكن وصفها بأنها نصوص لقيطة غير معترف بها وغير مصنفة في إطار الأنواع الأدبية السائدة. ولا شيء نهائيا في الشعر. غريزتي قالت لي ذلك، وربما يعود الأمر أيضا إلى طبيعتي المتفلتة من القيود. أما تسمية قصيدة النثر فقد أطلقناها أدونيس وأنا على هذا النوع الشعري، وذلك في محاولة لإعطائها نوعا من الوجود الشعري، نوعا من الهوية".


لا أعرف ما ستقرّرين. عيناكِ اللتان في لون ثيابكِ ثابتتان في دوختي ثباتَ الحَيرة المنقِذة في العذاب.
كذابٌ هذا الصقيع، كذابٌ ذلك البحر التافه، كذابٌ أيُّ انهماكٍ كان: سوف أنساك. كذابٌ أنا، لو كان لي أنْ أنساكِ لما فعلتُ لأنّكِ، أنتِ أيضاً، لستِ لي. وكيف أنسى من ليست لي!

الحب عند "الحاج" واسع جدا فهو الموت. يؤكد "هذا هو عالمي الداخلي الذي أتحدى أي ناقد أن يتجرأ على كشفه. وهذا هو ما جئت به وهذه هي الثورة الحقيقية في شعري، وليس الشكل.. فعلا كنت أظن أن لا أجمل من الحب حتى اكتشفت أن الحرية هي الأجمل".

قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت.
سوف يكون للجميع وقت، فأصبروا.
اصبروا عليَّ لأجمعِ نثري.
زيارتُكم عاجلة وسَفَري طويل
نظرُكم خاطف وورقي مُبعْثَر
محبّتُكم صيف وحُبّيَ الأرض.
مَن أُخبر فيلدني ناسياً
إلى مَن أصرخ فيُعطيني المُحيط؟
صــار جسدي كالخزف ونزلتُ أوديتي
صـارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي،
وكنتُ بالحبّ.
لامرأةٍ أنهَضتُ الأسوار فيخلو طريقي إليها.
جميلةٌ كمعصيةٍ وجميلةٌ
كجميلة عارية في مرآة
وكأميرةٍ شاردة ومُخمَّرة في الكرْم
ومَن بسببها أُجليتُ وانتظرتُهاعلى وجوه المياه
جميلةٌ كمَركب وحيد يُقدّم نفسه
كسريرٍ أجده فيُذكّرني سريراً نسيتُه
جميلةٌ كنبوءة تُرْسَل الى الماضي
كقمر الأغنية


في قصيدته "التي تلبس فستان الورد" يقول:


 كعنق وردة
 ابتهلتُ إلى حُرّيّتي
 التي
 لم
 تقدرْ
 أنْ
 تفعل
 لي
 شيئاً.
 جميلةُ الثلج
 عيناها صُعودُ ملاك وسُقوطه
 عيناها لم أُحدّق فيهما إلا نادراً، بسبب الأمل.
 بسبب أملي أنْ أُحدّق فيهما غداً
 عيناها الحالمتان بيأسي.
 ...
 قويّة بفستان الورد
 وقميص الهواء
 ومعطف السماء البيضاء.
 ...
 يجمعنا كُلّ شيء
 ولا يفصل بيننا إلا الحُبّ.


الكلمات الدلالية أنسي الحاج

اضف تعليق