تركيا تفتح موجات الهجرة إلى أوروبا من جديد


٣٠ يوليه ٢٠١٩ - ٠٩:٢٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

ما تزال التداعيات التي فجرتها عمليات ترحيل اللاجئين السوريين من تركيا خلال شهر أيلول الجاري 2019، تثير ردود فعل واسعة النطاق، خاصة في أوساط السوريين داخل تركيا وخارجها. أدى التراجع والمشاكل التي يعيشها الاقتصاد التركي إلى ارتفاع كبير في نسبة التضخم إلى جانب ارتفاع نسبة البطالة، وهو ما انعكس أيضا على المصانع والشركات العربية والتركية التي كانت تمثل مكان العمل الأول للاجئين العرب في تركيا.

اعتقلت السلطات التركية ورحلت مئات السوريين الأسابيع الأخيرة، في واحدة من أشد الحملات على اللاجئين في البلاد منذ بداية الحرب في سوريا المجاورة، وأشار تقرير الصحيفة الأمريكية يوم 23 يوليو الجاري 2019 إلى أن جل الاعتقالات وقعت في إسطنبول أكبر مدن تركيا والوجهة الرئيسية للاجئين بسبب توفر العمل. وبعد اعتقالهم، ورد أن اللاجئين أعيدوا لمناطق في شمال سوريا تعاني من الاضطراب والعنف، بما في ذلك محافظة إدلب.

طريق البلقان

رغم إغلاق معظم المعابر الحدودية على طريق البلقان من تركيا إلى غربي أوروبا، منذ نحو ثلاث سنوات، فإن تدفق المهاجرين لا يزال يزال مستمرا، وتجارة تهريب البشر تزدهر وتزداد، بل ويتم تأسيس مراكز وطرق جديدة لتثبيت وتعزيز هذه التجارة. وفقا لتقرير نشرته مؤخرا صحيفة "فيلت آم زونتاغ" الألمانية، فإن تجارة تهريب البشر عن طريق مدينة "تيميشورا" تزدهر، فهذه المدينة الواقعة في غربي رومانيا ويبلغ عدد سكانها 300 ألف نسمة، تعد نقطة مركزية لتهريب المهاجرين نحو أوروبا الغربية. وصرَحت الشرطة الفيدرالية الألمانية للصحيفة أن المدينة "تلعب دورا مركزيا وتعتبر مركزا للمنظمات الإجرامية التي تهرب البشر عبر البلقان".

أوضحت استطلاعات الرأي أن قضية اللاجئين السوريين كانت من أبرز القضايا التي دفعت قطاع واسع من الناخبين للتصويت لصالح أحزاب المعارضة التركية، الأمر الذي دفع حزب العدالة والتنمية لتغيير سياسته تجاه اللاجئين من وجهة نظر عديد من المراقبين.

ارتفعت نسبة اللاجئين من تركيا إلى الدول الأوروبية بشكل ملحوظ عام 2018، مقارنة بالعام 2017، وفقًا لصحيفة "فيلت أم زونتاغ" الألمانية. تقارير وإحصائيات كشفت أن عدد اللاجئين من تركيا إلى الدول الأوروبية سجل زيادة قدرها 43% مقارنة بنفس الفترة من العام 2017.الإحصائية استندت إلى تقرير داخلي للمفوضية الأوروبية، وأشار إلى أن عدد الأتراك يشكل 54% من نسبة اللاجئين إلى أوروبا خلال عام 2018.

وفي هذا الإطار يقدم الاتحاد الأوروبي من خلال برنامج "شبكة الأمان الاجتماعي لحالات الطوارئ" المساعدة لنحو 1,5 مليون لاجئ سوري في تركيا يعيشون خارج المخيمات بغية تحسين ظروف معيشتهم.


اتفاقية اللجوء بين تركيا والاتحاد الأوروبي

تشهد هذه الاتفاقية الكثير من الانقادات من قبل الأوربيين، واعتبرت أن حكومة أردوغان هي المستفيدة من حجم الأموال التي تقدمها أوروبا ضمن برنامج "شبكة الأمان" الخاص برعاية اللاجئين في تركيا. وانتقدت "أوله يلبكه"، مسؤولة شؤون السياسة الداخلية في الكتلة البرلمانية للحزب اليسار، موقف الحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي من اللاجئين، ونقلت عنها الصحيفة الألمانية قولها: "لا تزال الحكومة الألمانية تقول عن اتفاقية اللجوء بين تركيا والاتحاد الأوروبي إنها جيدة. فالمهم (بالنسبة لهم) هو أن يبقى اللاجئون بعيدين عن الاتحاد الأوروبي". وأضافت البرلمانية اليسارية: "الحقيقة هي أن أوضاع اللاجئين السوريين في تركيا ليست جيدة".

الأتحاد الأوروبي وقع مع تركيا اتفاق الحد من الهجرة غير الشرعية في مارس 2016، بموجب الاتفاقية وعد الاتحاد الأوروبي بدفع مبلغ 6 مليار دولار لتركيا، على أن تذهب تلك الأموال لدعم مشاريع يستفيد منها اللاجئون السوريون في تركيا. وتقول المفوضية الأوروبية إن الثلاث مليارات يورو المدفوعة تم بها تمويل تعليم نصف مليون طفل. هذا في حين تقول أنقرة إنها لم يُدفع لها حتى الآن إلا مليار و850 ألف يورو وأن تلك الأموال لا تذهب إلى خزينة الدولة التركية.

ويقول الخبير في سياسة اللجوء والأستاذ الجامعي التركي باشاك يافكان أن الكثير من المال المدفوع يذهب إلى المصاريف الإدارية لمنظمات المجتمع المدني الدولية العاملة في تركيا على رعايا اللاجئين، ومن هنا يردف الأستاذ التركي "لا يصل اللاجئين منها إلا النزر اليسير".


بحر إيجه النقطة الفاصلة ما بين تركيا واليونان

تواجه اليونان مشاكل كبيرة في حماية حدودها، الخارجية، عند بحر إيحة، مما جعل دول الاتحاد الأوروبي توجه الانتقادات لها وتمنحها وقتًا إضافيًا لمعالجة مشكلة الخروقات الأمنية عند حدودها مع تركيا. ويعتبر بحر إيجه النقطة الفاصلة ما بين تركيا واليونان ثغرة في حدود الاتحاد الأوربي، وما تعمل عليه الآن هو تعزيز تواجد القطع الحربية للاتحاد من خلال تسيير السفن والمراقبة المستمرة لإيقاف عمليات تهريب البشر من تركيا إلى أوروبا.

لكن رغم هذه الجهود، فإن أزمة اللاجئين السوريين في تركيا ما زالت مرشحة للتفاقم في ظل الإجراءات المتشددة ضدهم في تركيا من جانب وعبر البحر إلى اليونان من قبل الاتحاد الأوروبي من جانب آخر.

الركود الاقتصادي ومعدلات التضخم العالية في تركيا تعدت معدل ال 19,5 في المئة، إلى جانب فقدان الليرة أكثر من ثلث قيمتها أمام الدولار. كما أدى ارتفاع العاطلين الأتراك إلى تنامي الغضب تجاه السوريين الذين ينظر الأتراك للكثيرين منهم باعتبارهم عمالة رخيصة.

 دول الاتحاد الأوروبي تحاول احتواء أزمة الهجرة والتي باتت تهدد تماسكها وأمنها القومي، وفيما يتعلق بجهودها في موجهة الهجرة عبر تركيا، ما زالت دول أوروبا تعول على اتفاقها مع تركيا عام 2016 في سبيل الحد من الهجرة مقابل تقديم مساعدات مالية كبيرة الى حكومة أنقرة.



اضف تعليق